الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (6)

قوله تعالى : " ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة " أي لفرط إنكارهم وتكذيبهم يطلبون العذاب ، قيل هو قولهم : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء{[9335]} " [ الأنفال : 32 ] . قال قتادة : طلبوا العقوبة قبل العافية ، وقد حكم سبحانه بتأخير العقوبة عن هذه الأمة إلى يوم القيامة . وقيل : " قبل الحسنة " أي قبل الإيمان الذي يرجى به الأمان والحسنات . " وقد خلت من قبلهم المثلات " العقوبات ، الواحدة مثلة . وروي عن الأعمش أنه قرأ " المُثْلات " بضم الميم وإسكان الثاء ، وهذا جمع مثلة ، ويجوز " المثلات " تبدل من الضمة فتحة لثقلها ، وقيل : يؤتى بالفتحة عوضا من الهاء . وروي عن الأعمش أنه قرأ " المثلات " بفتح الميم وإسكان الثاء ، فهذا جمع مثلة ، ثم حذف الضمة لثقلها ، ذكره جميعه النحاس رحمه الله . وعلى قراءة الجماعة واحدة مثلة ، نحو صَدُقة وصُدْقة{[9336]} ، وتميم تضم الثاء والميم جميعا ، واحدها على لغتهم مثلة ، بضم الميم وجزم الثاء ، مثل : غُرْفَة وغُرْفَات ، والفعل منه مثلت به أمثل مثلا ، بفتح الميم وسكون الثاء .

قوله تعالى : " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب " أي لذو تجاوز عن المشركين إذا أمنوا ، وعن المذنبين إذا تابوا . وقال ابن عباس : أرجى آية في كتاب الله تعالى " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " . " وإن ربك لشديد العقاب " إذا أصروا على الكفر . وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال : لما نزلت : " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه لما هَنَأَ أحداً عيشٌ ، ولولا عقابه ووعيده وعذابه لاتكل كل أحد ) .


[9335]:راجع ج 7 ص 398.
[9336]:من ا.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (6)

ولما تضمنت هذه{[43523]} الآية إثبات القدرة التامة مع ما سبق من أدلتها المحسوسة المشاهدة ، كان أيضاً من العجب العجيب والنبأ الغريب استهزاءهم بها ، فقال معجباً منهم : { ويستعجلونك } أي استهزاء وتكذيباً ؛ والاستعجال : طلب التعجيل ، وهو تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له { بالسيئة } من العذاب المتوعد به من عذاب الدنيا وعذاب{[43524]} الآخرة جرأة{[43525]} منهم تشير{[43526]} إلى أنهم لا يبالون بشيء منه ولا يوهن قولهم{[43527]} شيء{[43528]} { قبل الحسنة } من الخير الذي تبشرهم{[43529]} به { و } الحال أنه { قد خلت } ولما كان المحدث عنه إنما كان في بعض الزمان ، أدخل الجار فقال : { من قبلهم المثلات } جمع مثله بفتح الميم وضم المثلثة كصدقة وصدقات ، سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة{[43530]} ، وهي العقوبات التي تزجر عن مثل ما وقعت لأجله من الأمم الذين{[43531]} اتصلت بهم أخبارهم ، وخاطبتهم بعظيم ما اتفق لهم آثارهم وديارهم ، وما يؤخرهم الله إلا لاستيفاء آجالهم التي ضربها لهم مع قدرته التامة عليهم .

ولما كانوا ربما قالوا : ما نرى إلا تهديداً لا يتحقق شيء منه : قال مؤكداً لإنكارهم واعتقادهم أن المسار{[43532]} والمضار إنما هي عادة الدهر ، عطفاً على ما تقديره : فإن ربك حليم لا يخاف الفوت فلا يستعجل في الأخذ : { وإن ربك } أي المحسن إليك بجعلك نبي الرحمة { لذو مغفرة } أي عظيمة ثابتة { للناس } حال كونهم ظالمين متمكنين في الظلم مستقلين { على ظلمهم } وهو إيقاعهم الأشياء في غير مواضعها ، فلا يؤاخذهم بجميع ماكسبوا{ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا{[43533]} ما ترك على ظهرها من دابة }[ النحل :61 ] فلذلك يقيم الناس دهراً طويلاً يكفرون ولا يعاقبون حلماً منه سبحانه ، والآية مقيدة بآية النساء{ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء{[43534]} }[ النساء :48 ] وإن لم يكن{[43535]} توبة ، فإن التائب{[43536]} ليس على ظلمه .

ولما كان يمهل سبحانه ولا يهمل و{[43537]} ذكر إمهاله ، ذكر{[43538]} أخذه مؤكداً لمثل ما مضى فقال : { وإن ربك } أي الموجد لك المدبر لأمرك بغاية الإحسان { لشديد العقاب * } للكفار ولمن{[43539]} شاء من غيرهم{[43540]} ، فلذلك يأخذ أخذ عزيز مقتدر إذا جاء الأجل الذي قدره .


[43523]:سقط من ظ.
[43524]:سقط من م ومد.
[43525]:في مد: جزاء.
[43526]:من م ومد، وفي الأصل: يشير، وفي ظ: تسير.
[43527]:زيد في مد: أهم.
[43528]:العبارة من "جرأة منهم" إلى ساقطة من م.
[43529]:في ظ: يبشرهم.
[43530]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[43531]:في ظ: الذي.
[43532]:في مد: المشار.
[43533]:زيد من ظ و م ومد والقرآن الكريم سورة 16 آية 48.
[43534]:آية 48 و 116.
[43535]:في ظ: لم تكن.
[43536]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الثابت.
[43537]:زيد من ظ و م ومد.
[43538]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: ذكره.
[43539]:سقط ما بين الرقمين من م.
[43540]:سقط ما بين الرقمين من م.