قوله تعالى : " ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا . أي يابسا لا طين فيه ولا ماء ؛ وقد مضى في " البقرة " {[11132]} . " لا تخاف دركا ولا تخشى " أي لحاقا من فرعون وجنوده . " ولا تخشى " . قال ابن جريج : قال أصحاب موسى : هذا فرعون قد أدركنا ، وهذا البحر قد غشينا ، فأنزل الله تعالى " لا تخاف دركا ولا تخشى " أي لا تخاف دركا من فرعون ولا تخشى غرقا من البحر أن يمسك إن غشيك . وقرأ حمزة " لا تخف " على أنه جواب الأمر . التقدير إن تضرب لهم طريقا في البحر لا تخف . و " لا تخشى " مستأنف على تقدير : ولا أنت تخشى . أو يكون مجزوما والألف مشبعة من فتحة ؛ كقوله : " فأضلونا السبيلا " {[11133]} [ الأحزاب : 67 ] أو يكون على حد قول الشاعر{[11134]} :
كأن لم تَرَيْ قبلي أسيرا يمانيا
على تقدير حذف الحركة كما تحذف حركة الصحيح . وهذا مذهب الفراء . وقال آخر :
هجوت زَبَّانَ ثم جئتَ معتذرا *** من هَجْوِ زبَّانَ لم تَهْجُو ولم تَدَعِ
وقال آخر{[11135]}
ألم يأتِيك والأنباء تنمي *** بما لاقت لبونُ بني زياد
قال النحاس : وهذا من أقبح الغلط أن يحمل كتاب الله عز وجل على الشذوذ من الشعر ، وأيضا فإن الذي جاء به من الشعر لا يشبه من الآية شيئا ؛ لأن الياء والواو مخالفتان للألف ؛ لأنهما تتحركان والألف لا تتحرك ، وللشاعر إذا اضطر أن يقدرهما متحركتين ثم تحذف الحركة للجزم ، وهذا محال في الألف ، والقراءة الأولى أبين لأن بعده " ولا تخشى " مجمع عليه بلا جزم ، وفيها ثلاث تقديرات : الأول أن يكون " لا تخاف " في موضع الحال من المخاطب ، التقدير فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا غير خائف ولا خاش . الثاني : أن يكون في موضع النعت للطريق ؛ لأنه معطوف على يبس الذي هو صفة ، ويكون التقدير لا تخاف فيه ، فحذف الراجع من الصفة . والثالث : أن يكون منقطعا خبر ابتداء محذوف تقديره وأنت لا تخاف .
ولما بين سبحانه استكبار فرعون المدعى في قوله { فكذب وأبى } وختمه سبحانه بأنه يهلك العاصي كائناً من{[49577]} كان ، وينجي الطائع ، أتبع ذلك{[49578]} شاهداً محسوساً عليه{[49579]} كفيلاً ببيان أنه لم يغن عن فرعون شيء من قوته ولا استكباره ، فقال عاطفاً على " ولقد أريناه آياتنا " : { ولقد أوحينا } {[49580]}أي بعظمتنا لتسهيل ما يأتي من الأمور الكبار{[49581]} { إلى موسى } غير مكترثين{[49582]} لشيء من أقوال فرعون ولا أفعاله ، {[49583]}وهذا الإيحاء بعد ما تقدم من أمر السحرة بمدة مديدة جرت فيها خطوب طوال كانت بسببها الآيات الكبار ، وكأنها حذفت لما تدل عليه من قساوة القلوب ، والمراد هنا الانتهاء لما تقدم من مقصود السورة{[49584]} { أن أسر } {[49585]}أي ليلاً ، لأن السري سير الليل ؛ وشرفهم بالإضافة إليه فقال{[49586]} : { بعبادي } أي بني إسرائيل{[49587]} الذين{[49588]} لفت قلب فرعون حتى أذن في مسيرهم بعد أن كان قد{[49589]} أبى{[49590]} أن يطلقهم أو يكف عنهم العذاب ، فاقصد بهم ناحية بحر القلزم { فاضرب لهم } أي{[49591]} اعمل بضرب البحر بعصاك ، ولذلك سماه ضرباً .
ولما كان ضرب البحر بالعصا سبباً لوجود الطريق الموصوفة ، أوقع الفعل عليها فقال : { طريقاً في البحر }{[49592]} ووصفها بالمصدر مبالغة{[49593]} فقال : { يبساً } حال كونها أو كونك{[49594]} { لا تخاف } والمراد بها الجنس ، فإنه كان لكل سبط طريقاً { دركاً } أي {[49595]}أن يدركك شيء{[49596]} من طغيان البحر أو{[49597]} بأس العدو أو غير ذلك{[49598]} .
ولما كان الدرك مشتركاً بين اللحاق والتبعة ، أتبعه بقوله : { ولا تخشى* } أي شيئاً غير ذلك أصلاً إنفاذاً{[49599]} لأمري وإنقاذاً لمن أرسلتك لاستنقاذهم ، وسوقه على هذا الوجه من {[49600]}إظهار القدرة والاستهانة بالمعاند مع كبريائه ومكنته استدلالاً شهودياً على ما قرر أول السورة من شمول القدرة وإحاطة العلم للبشارة بإظهار هذا الدين بكثرة الأتباع وإبارة{[49601]} الخصوم والإسعاد برد{[49602]} الأضداد وجعل بغضهم وداً ، وإن كانوا قوماً لداً ؛
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.