الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا فَسَآءَ قَرِينٗا} (38)

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس " الآية . عطف تعالى على " الذين يبخلون " [ آل عمران : 180 ] : " الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس " . وقيل : هو عطف على الكافرين ، فيكون في موضع خفض . ومن رأى زيادة الواو أجاز أن يكون الثاني عنده خبرا للأول .

قال الجمهور نزلت في المنافقين : لقوله تعالى : " رئاء الناس " والرئاء من النفاق . مجاهد : في اليهود . وضعفه الطبري ؛ لأنه تعالى نفى عن هذه الصنفة{[4405]} الإيمان بالله واليوم الآخر ، واليهود ليس كذلك . قال ابن عطية : وقول مجاهد متجه على المبالغة والإلزام ؛ إذ إيمانهم باليوم الآخر كالإيمان من حيث لا ينفعهم . وقيل : نزلت في مطعمي يوم بدر ، وهم رؤساء مكة ، أنفقوا على الناس ليخرجوا إلى بدر . قال ابن الحربي : ونفقة الرئاء تدخل في الأحكام من حيث إنها لا تجزئ . قلت : ويدل على ذلك من الكتاب قوله تعالى : " قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم " [ التوبة : 53 ] وسيأتي{[4406]} .

الثانية : قوله تعالى : " ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا " في الكلام إضمار تقديره " ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " فقرينهم الشيطان " ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا " . والقرين : المقارن ، أي الصاحب والخليل وهو فعيل من الإقران ؛ قال عدي بن زيد :

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي{[4407]}

والمعنى : من قبل من الشيطان في الدنيا فقد قارنه . ويجوز أن يكون المعنى من قرن به الشيطان في النار " فساء قرينا " أي فبئس الشيطان قرينا ، وهو نصب على التمييز .


[4405]:الصنفة (بكسر الصاد وسكون النون) : الطائفة من القبيلة. وقيل: طائفة من كل شيء.
[4406]:راجع ج 8 ص 161.
[4407]:في ب و ج و ز و ط: فإن القرين. وفي د و ط: وأبصر قرينه. وهي رواية . وروى هذا البيت لطرفة.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا فَسَآءَ قَرِينٗا} (38)

ولما ذم المقترين ، أتبعه ذم المسرفين المبذرين فقال - عطفاً على { الكافرين } أو { الذين يبخلون } معرفاً{[21440]} أن الذين لا يحسنون على الوجه المأمور به فيمن تقدم الأمر بالإحسان إليهم{[21441]} فرقتان : فرقة يمنعون النفقة أصلاً ، وفرقة يمنعون وصفها ويفعلونها{[21442]} رياء ، فيعدمون{[21443]} بذلك روحها - : { والذين ينفقون } وأشار إلى عظيم رغبتهم في نفقتهم بقوله : { أموالهم } ودل على خسة{[21444]} مقاصدهم وسفول{[21445]} هممهم بقوله : { رئاء الناس } أي لقصور نظرهم وتقيده بالمحسوسات كالبهائم التي لا تدرك إلا الجزيئات المشاهدات .

ولما ذكر إخراج المال على وجه لا يرضاه ذو عقل ، ذكر الحامل عليه{[21446]} مشيراً إلى أنهم حقروا أنفسهم بما عظموها به ، وذلك أنهم تعبدوا للعبيد ، وتكبروا على خالقهم العزيز المجيد فقال : { ولا يؤمنون بالله } وهو الملك الأعظم . ولما كان المأمور بالإحسان إليهم هنا من الوالدين ومن ذكر معهم أخص ممن{[21447]} أشير إليهم في البقرة ، أكد بزيادة النافي فقال : { ولا باليوم الآخر } الحامل على كل خير{[21448]} ، والنازع عن كل شر{[21449]} .

ولما كان التقدير : فكان{[21450]} الشيطان قرينهم ، لكفره بإعجابه وكبره ؛ عطف عليه{[21451]} قوله : { ومن يكن الشيطان } أي{[21452]} وهو عدوه البعيد من كل خير ، المحترق بكل ضير{[21453]} { له قريناً } فإنه يحمله{[21454]} على كل شر ، ويبعده عن كل خير ؛ وإلى ذلك أشار بقوله{[21455]} : { فساء قريناً * }


[21440]:في ظ: معترفا.
[21441]:من ظ ومد، وفي الأصل: إليه.
[21442]:في ظ: يفعلون كما ـ كذا.
[21443]:في ظ: فيقدمون.
[21444]:في ظ: حسية.
[21445]:من ظ ومد، وفي الأصل: صقول ـ كذا.
[21446]:تأخر في الأصل عن "مشيرا" والترتيب من ظ ومد.
[21447]:في ظ: من.
[21448]:في ظ: حبر.
[21449]:في ظ: شي.
[21450]:من ظ ومد، وفي الأصل: وكان.
[21451]:زيد من ظ ومد.
[21452]:سقط من ظ.
[21453]:في ظ: ضر.
[21454]:في مد: تحمله.
[21455]:في ظ ومد: قوله.