الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ} (119)

قوله تعالى : " وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه " المعنى ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه ربكم وإن قتلتموه بأيديكم . " وقد فصل " أي بين لكم الحلال من الحرام ، وأزيل عنكم اللبس والشك . ف " ما " استفهام يتضمن التقرير . وتقدير الكلام : وأي شيء لكم في ألا تأكلوا . " فأن " في موضع خفض بتقدير حرف الجر . ويصح أن تكون في موضع نصب على ألا يقدر حرف جر ، ويكون الناصب معنى الفعل الذي في قوله " مالكم " تقديره أي ما يمنعكم . ثم استثنى فقال " إلا ما اضطررتم إليه " يريد من جميع ما حرم كالميتة وغيرها كما تقدم في البقرة{[6674]} . وهو استثناء منقطع . وقرأ نافع ويعقوب " وقد فصل لكم ما حرم " بفتح الفعلين . وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالضم فيهما ، والكوفيون " فصل " بالفتح " حرم " بالضم . وقرأ عطية العوفي " فصل " بالتخفيف . ومعناه أبان وظهر ، كما قرئ " الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت{[6675]} " [ هود : 1 ] أي استبانت . واختار أبو عبيدة قراءة أهل المدينة . وقيل : " فصل " أي بين ، وهو ما ذكره في سورة " المائدة " من قوله : " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " [ المائدة : 3 ] الآية{[6676]} .

قلت : هذا فيه نظر ؛ فإن " الأنعام " مكية والمائدة مدنية فكيف يحيل بالبيان على ما لم ينزل بعد ، إلا أن يكون فصل بمعنى يفصل . والله أعلم .

قوله تعالى : " وإن كثيرا ليضلون " {[6677]} وقرأ الكوفيون " يضلون " من أضل . " بأهوائهم بغير علم " يعني المشركين حيث قالوا : ما ذبح الله بسكينه خير مما ذبحتم بسكاكينكم " بغير علم " أي بغير علم يعلمونه في أمر الذبح ؛ إذ الحكمة فيه إخراج ما حرمه الله علينا من الدم بخلاف ما مات حتف أنفه ؛ ولذلك شرع الذكاة في محل مخصوص ليكون الذبح فيه سببا لجذب كل دم في الحيوان بخلاف غيره من الأعضاء والله أعلم .


[6674]:راجع ج 2 ص 224.
[6675]:راجع ج 9 ص 2.
[6676]:راجع ج 6 ص 47.
[6677]:قراءة نافع.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ} (119)

وقد لاح بذلك حسن انتظام قوله : { وما لكم } أي أيّ شيء يكون لكم في { ألا تأكلوا مما ذكر } أي يقبل أن يذكر { اسم الله } أي الذي له كل شيء { عليه } فإن التسمية قائمة مقام إذنه { وقد } أي والحال أنه قد { فصل لكم } أي من قبل ذلك والخلق خلقه والأمر أمره { ما حرم عليكم } أي مما لم يحرم تفصيلاً واضح البيان ظاهر البرهان { إلا ما اضطررتم إليه } أي فإن الضرورة تزيل التفصيل{[30941]} عنه برده إلى ما كان عليه قبل التفصيل ؛ فيصير الكل حلالاً لا{[30942]} تفصيل فيه ، والمراد في هذه الآية مختلف باختلاف المخاطبين ، فأما من خوطب بها وقت الإنزال فالمراد بالتفصيل الذي آتاه الآية الآتية أخير هذه فإنها نزلت جملة ، وكذا كل ما شاكلها مما أنزل بمكة قبل هذه السورة ، وكذا ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في وحي متلو{[30943]} إذ ذاك ، ولعله نسخت تلاوته وبقي حكمه ، أو وحي غير متلو من جميع الأحاديث التي تقدمت على هذه السورة ، وأما من خوطب بها بعد ترتيبه على هذا الوجه فالمراد في حقه كما{[30944]} في البقرة والمائدة وغيرهما من السور الماضية - من الحلال والحرام .

ولما كان التقدير : من عمل بهذه الأوامر اهتدى بما نال{[30945]} من العلم وهم قليل ، عطف عليه قوله : { وإن كثيراً } أي{[30946]} من الناس { ليضلون } أي يقع منهم الضلال فيوقعون{[30947]} غيرهم فيه بنكوبهم{[30948]} عما دعت إليه أوامر الله وهدى إليه بيانه ، فيكونون بمعرض العطب { بأهوائهم } أي بسبب اتباعهم للهوى ؛ ولما كان الهوى - وهو ميل النفس - ربما كان موافقاً لما أدى إليه العلم بصحيح الفكر وصريح العقل قال{[30949]} : { بغير علم } أي دعا{[30950]} إلى ذلك ممن له العلم{[30951]} من شريعة ماضية ممن{[30952]} له الأمر .

ولما كانوا ينكرون هذا ، أثبت لنفسه الشريفة ما هو مسلم عند كل أحد وقال دليلاً على صحة ما أخبر به : { إن ربك } أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب شاهداً لك بإعجازه بالتصديق { هو } أي وحده { أعلم } وكان الموضع للإضمار فأظهر للتعميم والتنبيه على الوصف الذي أوجب لهم ذلك فقال : { بالمعتدين * } أي الذين يتجاوزون الحدود مجتهدين في ذلك .


[30941]:في ظ: التفضيل.
[30942]:زيد من ظ.
[30943]:في ظ: نتلوا.
[30944]:زيد من ظ.
[30945]:في ظ: أنال.
[30946]:سقط من ظ.
[30947]:في ظ: فيقعون.
[30948]:في ظ: بنكولهم.
[30949]:سقط من ظ.
[30950]:في ظ: ادعاء.
[30951]:زيد من ظ.
[30952]:من ظ، وفي الأصل: بمن.