قوله تعالى : " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " فرأوهم عيانا . " وكلمهم الموتى " بإحيائنا إياهم . " وحشرنا عليهم كل شيء " سألوه من الآيات . " قبلا " مقابلة ، عن ابن عباس وقتادة وابن زيد . وهي قراءة نافع وابن عامر . وقيل : معاينة ، لما آمنوا . وقال محمد بن يزيد : يكون " قبلا " بمعنى ناحية ، كما نقول : لي قبل فلان مال ، فقبلا نصب على الظرف . وقرأ الباقون " قبلا " بضم القاف والباء ، ومعناه ضمناء ، فيكون جمع قبيل بمعنى كفيل ، نحو رغيف ورغف ، كما قال : " أو تأتي بالله والملائكة قبيلا{[6654]} " [ الإسراء : 92 ] ؛ أي يضمنون ذلك . عن الفراء . وقال الأخفش : هو بمعنى قبيل قبيل ، أي جماعة جماعة ، وقاله مجاهد ، وهو نصب على الحال على القولين . وقال محمد بن يزيد : " قبلا " أي مقابلة ، ومنه " إن كان قميصه قد من قبل{[6655]} " [ يوسف : 26 ] . ومنه قبل الرجل ودبره لما كان من بين يديه ومن ورائه . ومنه قبل الحيض . حكى أبو زيد : لقيت فلانا قُبُلا ومقابلة وقَبَلا وقُبَلا ، كله بمعنى المواجهة ، فيكون الضم كالكسر في المعنى وتستوي القراءتان . قاله مكي . وقرأ الحسن " قبلا " حذف الضمة من الباء لثقلها . وعلى قول الفراء يكون فيه نطق ما لا ينطق ، وفي كفالة ما لا يعقل آية عظيمة لهم . وعلى قول الأخفش يكون فيه اجتماع الأجناس الذي ليس بمعهود . والحشر الجمع . " ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " " أن " في موضع استثناء ليس من الأول ، أي لكن إن شاء ذلك لهم . وقيل : الاستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم الله الإيمان . وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم . " ولكن أكثرهم يجهلون " أي يجهلون الحق . وقيل : يجهلون أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة .
ولما أخبر أنهم لا يؤمنون عند آية مقترحة عمم{[30830]} على وجه مفصل لإجمال ما قبله فقال : { ولو أننا } أي على عظمتنا البالغة بما أشار إليه جمع النونات { نزلنا{[30831]} } أي على وجه يليق بعظمتنا { إليهم{[30832]} الملائكة } أي كلهم فرأوهم عياناً { وكلمهم الموتى{[30833]} } أي كذلك { وحشرنا عليهم } أي بما{[30834]} لنا من العظمة { كل شيء قبلاً } جمع قبيل جمع قبيلة في قراءة من ضم القاف والباء كرغيف ورغف{[30835]} ، أي جاءهم ذلك المحشور كله قبيلة قبيلة{[30836]} تترى ومواجهة { ما كانوا ليؤمنوا } أي على حال من الأحوال { إلا أن يشاء الله } أي إلا حال مشيئته لإيمانهم لأنه الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه ، فإذن لا عبرة إلا بمشيئته ، فالآية دامغة لأهل{[30837]} القدر{[30838]} ، ولا مدخل لآية ولا غيرها في ذلك ، فلا يطمع أحد في إيمانهم بغير ذلك ، ويقرب عندي - وإن بعُد المدى - أن يكون { وأقسموا } معطوفاً على قوله تعالى { وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه } وهذا من المتعارف في كلام البلغاء أن يحكي الإنسان جملة من كلام خصمه ، ثم يشرع في توهينها ، ويخرج إلى أمور - يجرّها المقام - كثيرة الأنواع طويلة الذيول جداً ، ثم يحكي جملة أخرى فيقول معجباً منه : وقال كذا وكذا ، ثم يشرع فيما يتعلق بذلك من النقد{[30839]} والرد ، ومما يؤيد ذلك توحيد ختمهما ، فختم الأولى
ولكن أكثرهم لا يعلمون{[30840]} }[ الأنعام : 37 ] وختم هذه { ولكن أكثرهم يجهلون * } أي أهل جهل مطبوعون فيه ، يقسمون على الإيمان عند مجيء آية مقترحة ولا يشعرون أن المانع لهم من الإيمان إنما هو المشيئة وإلا لآمنوا بما جاءهم من الآيات ، فإنه كفاية في المبادرة إلى الإيمان ، والآيات كلها متساوية الأقدام في الدلالة على صدق الداعي بخرق العادة{[30841]} والعجز عن الإتيان بمثلها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.