الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ} (111)

قوله تعالى : " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " فرأوهم عيانا . " وكلمهم الموتى " بإحيائنا إياهم . " وحشرنا عليهم كل شيء " سألوه من الآيات . " قبلا " مقابلة ، عن ابن عباس وقتادة وابن زيد . وهي قراءة نافع وابن عامر . وقيل : معاينة ، لما آمنوا . وقال محمد بن يزيد : يكون " قبلا " بمعنى ناحية ، كما نقول : لي قبل فلان مال ، فقبلا نصب على الظرف . وقرأ الباقون " قبلا " بضم القاف والباء ، ومعناه ضمناء ، فيكون جمع قبيل بمعنى كفيل ، نحو رغيف ورغف ، كما قال : " أو تأتي بالله والملائكة قبيلا{[6654]} " [ الإسراء : 92 ] ؛ أي يضمنون ذلك . عن الفراء . وقال الأخفش : هو بمعنى قبيل قبيل ، أي جماعة جماعة ، وقاله مجاهد ، وهو نصب على الحال على القولين . وقال محمد بن يزيد : " قبلا " أي مقابلة ، ومنه " إن كان قميصه قد من قبل{[6655]} " [ يوسف : 26 ] . ومنه قبل الرجل ودبره لما كان من بين يديه ومن ورائه . ومنه قبل الحيض . حكى أبو زيد : لقيت فلانا قُبُلا ومقابلة وقَبَلا وقُبَلا ، كله بمعنى المواجهة ، فيكون الضم كالكسر في المعنى وتستوي القراءتان . قاله مكي . وقرأ الحسن " قبلا " حذف الضمة من الباء لثقلها . وعلى قول الفراء يكون فيه نطق ما لا ينطق ، وفي كفالة ما لا يعقل آية عظيمة لهم . وعلى قول الأخفش يكون فيه اجتماع الأجناس الذي ليس بمعهود . والحشر الجمع . " ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " " أن " في موضع استثناء ليس من الأول ، أي لكن إن شاء ذلك لهم . وقيل : الاستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم الله الإيمان . وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم . " ولكن أكثرهم يجهلون " أي يجهلون الحق . وقيل : يجهلون أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة .


[6654]:راجع ج 10 ص 327.
[6655]:راجع ج 9 ص 172.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ} (111)

ولما أخبر أنهم لا يؤمنون عند آية مقترحة عمم{[30830]} على وجه مفصل لإجمال ما قبله فقال : { ولو أننا } أي على عظمتنا البالغة بما أشار إليه جمع النونات { نزلنا{[30831]} } أي على وجه يليق بعظمتنا { إليهم{[30832]} الملائكة } أي كلهم فرأوهم عياناً { وكلمهم الموتى{[30833]} } أي كذلك { وحشرنا عليهم } أي بما{[30834]} لنا من العظمة { كل شيء قبلاً } جمع قبيل جمع قبيلة في قراءة من ضم القاف والباء كرغيف ورغف{[30835]} ، أي جاءهم ذلك المحشور كله قبيلة قبيلة{[30836]} تترى ومواجهة { ما كانوا ليؤمنوا } أي على حال من الأحوال { إلا أن يشاء الله } أي إلا حال مشيئته لإيمانهم لأنه الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه ، فإذن لا عبرة إلا بمشيئته ، فالآية دامغة لأهل{[30837]} القدر{[30838]} ، ولا مدخل لآية ولا غيرها في ذلك ، فلا يطمع أحد في إيمانهم بغير ذلك ، ويقرب عندي - وإن بعُد المدى - أن يكون { وأقسموا } معطوفاً على قوله تعالى { وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه } وهذا من المتعارف في كلام البلغاء أن يحكي الإنسان جملة من كلام خصمه ، ثم يشرع في توهينها ، ويخرج إلى أمور - يجرّها المقام - كثيرة الأنواع طويلة الذيول جداً ، ثم يحكي جملة أخرى فيقول معجباً منه : وقال كذا وكذا ، ثم يشرع فيما يتعلق بذلك من النقد{[30839]} والرد ، ومما يؤيد ذلك توحيد ختمهما ، فختم الأولى

ولكن أكثرهم لا يعلمون{[30840]} }[ الأنعام : 37 ] وختم هذه { ولكن أكثرهم يجهلون * } أي أهل جهل مطبوعون فيه ، يقسمون على الإيمان عند مجيء آية مقترحة ولا يشعرون أن المانع لهم من الإيمان إنما هو المشيئة وإلا لآمنوا بما جاءهم من الآيات ، فإنه كفاية في المبادرة إلى الإيمان ، والآيات كلها متساوية الأقدام في الدلالة على صدق الداعي بخرق العادة{[30841]} والعجز عن الإتيان بمثلها .


[30830]:تأخر ما بين الرقمين في الأصل عن "ما قبله" والترتيب من ظ.
[30831]:في ظ: إليهم.
[30832]:سقط من ظ.
[30833]:من ظ والقرآن الكريم، وموضعه في الأصل بياض.
[30834]:زيد من ظ.
[30835]:زيد من ظ.
[30836]:زيد من ظ.
[30837]:في ظ: لجميع.
[30838]:من ظ، وفي الأصل: القدرة.
[30839]:من ظ، وفي الأصل: البعد.
[30840]:راجع آية 37.
[30841]:في ظ: الآية.