قوله تعالى : " وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن " بين شيئا آخر من جهلهم ، وهو أنهم قالوا لن نؤمن حتى نكون أنبياء ، فنؤتى مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات ، ونظيره " بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة " {[6699]} [ المدثر : 52 ] . والكناية في " جاءتهم " ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم . قال الوليد بن المغيرة : لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك ؛ لأني أكبر منك سنا ، وأكثر منك مالا . وقال أبو جهل : والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا ، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، فنزلت الآية . وقيل : لم يطلبوا النبوة ولكن قالوا لا نصدقك حتى يأتينا جبريل والملائكة يخبروننا بصدقك . والأول أصح ؛ لأن الله تعالى قال : " الله أعلم حيث يجعل رسالته{[6700]} " [ الأنعام : 124 ] أي بمن هو مأمون عليها وموضع لها . و " حيث " ليس ظرفا هنا ، بل هو اسم نصب نصب المفعول به على الاتساع ؛ أي الله أعلم أهل الرسالة . وكان الأصل الله أعلم بمواضع رسالته ، ثم حذف الحرف ، ولا يجوز أن يعمل " أعلم " في " حيث " ويكون ظرفا ؛ لأن المعنى يكون على ذلك الله أعلم في هذا الموضع ، وذلك لا يجوز أن يوصف به الباري تعالى ، وإنما موضعها نصب بفعل مضمر دل عليه " أعلم " . وهي اسم كما ذكرنا . والصغار : الضيم والذل والهوان ، وكذلك الصغر ( بالضم ) . والمصدر الصغر ( بالتحريك ) . وأصله من الصغر دون الكبر ؛ فكأن الذل يصغر إلى المرء نفسه ، وقيل : أصله من الصغر وهو الرضا بالذل ، يقال منه : صغر يصغر بفتح الغين في الماضي وضمها في المستقبل . وصغر بالكسر يصغر بالفتح لغتان ، صغرا وصغارا ، واسم الفاعل صاغر وصغير . والصاغر : الراضي بالضيم . والمصغوراء الصغار . وأرض مصغرة : نبتها{[6701]} لم يطل ، عن ابن السكيت . " عند الله " أي من عند الله ، فحذف . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، أي سيصيب الذين أجرموا عند الله صغار . الفراء : سيصيب الذين أجرموا صغار من الله . وقيل : المعنى سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله . قال النحاس : وهذا أحسن الأقوال ؛ لأن " عند " في موضعها .
ولما قرر هذا ، أتبعه بمقالة لهم تدل على تعظيمهم وتكبرهم{[31063]} فقال عاطفاً على وأقسموا بالله جهد أيمانهم }[ الأنعام : 109 ] تعجيباً{[31064]} من حالهم فيما زين لهم{[31065]} من ضلالهم{[31066]} ، وتصديقاً لما تقدم من الإخبار بأنهم لا يؤمنون ولو{[31067]} جاءتهم كل آية إلاّ أن يشاء الله ؛ وتحقيقاً لما في الآية السالفة{[31068]} من مكرهم لغيرهم وعوده على أنفسهم : { وإذا جاءتهم } أي الكافرين من أكابر المجرمين وأتباعهم { آية قالوا } حسداً لمن خصه الله بالنبوة لكونهم أكابر مؤكدين للنفي{[31069]} لما لمعجزات الأنبياء عليهم السلام من العبر الموجب لظن الإذعان لأعتى أهل الكفران{[31070]} { لن نؤمن } أي أبداً { حتى نؤتى } لما لنا من العلو{[31071]} والعظمة المقتضية لأن لا يختص أحد عنا بشيء { مثل ما } .
ولما كان نظرهم مقصوراً على عالم الحس من غير نظر إلى جانب الله لكونه غيباً بنوا للمفعول قولهم : { أوتي رسل الله } يجوز أن يكون المراد : حتى يوحي إلينا لئلا يكونوا أعظم منا كما قال تعالى
{ بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتي صحفاً منشرة{[31072]} }[ المدثر : 52 ] وكما{[31073]} تقدم في أول السورة عن أبي جهل أنه قال : تنازعنا نحن{[31074]} وبنو عبد مناف الشرف حتى إذا كنا كفرسي رهان{[31075]} قالوا : منا نبي{[31076]} يأتيه الوحي من السماء ، ويحك !{[31077]} متى ندرك هذا{[31078]} والله لا نؤمن به أبداً . وأن يكون المراد إتيانه صلى الله عليه وسلم بمثل{[31079]} آيات الأولين من شق البحر واليد والعصا وإحياء الموتى ونحوها ، وسموهم تنزلاً واستهزاء ، وعبروا بالجلالة إشارة إلى القدرة التامة فلا عذر{[31080]} .
ولما ذكر اسم الجلالة إيذاناً بعظيم ما اجترؤوا{[31081]} عليه لعماهم - بما طمس على أنوار قلوبهم من ظلمات الهوى - عما للرسل من الجلال الذي يخضع له شوامخ{[31082]} الأنوف ، أعادها أيضاً تهويلاً للأمر وتنبيهاً على ما هناك من عظيم القدر{[31083]} ، فقال رداً عليهم فيما تضمن قولهم من{[31084]} دعوى التعلم بالحكمة والاعتراض على الله عز وجل : { الله } أي بما له من صفات الكمال { أعلم } أي من كل من يمكن منه علم { حيث يجعل } أي يصير بما يسبب من الأمور { رسالته{[31085]} } أي كلها بالنسبة إلى كل فرد من أفراد الخلق فهو لا يضع{[31086]} شيئاً منها بالتشهي .
ولما كشف هذا النظم عن أنهم اجترؤوا{[31087]} عليه ، وأنهم أصروا على أقبح المعاصي الكفر ، لا لطلب الدليل بل لداء الحسد ؛ تاقت{[31088]} النفس إلى معرفة ما يحل بهم فقال جواباً : { سيصيب } أي بوعد لا خلف فيه ، وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال : { الذين أجرموا } أي قطعوا ما ينبغي أن يوصل { صغار } أي رضى بالذل لعدم الناصر{[31089]} ؛ ولما كان الشيء تعظم{[31090]} بعظمة محله ومن كان منه ذلك الشيء قال{[31091]} : { عند الله } أي الجامع{[31092]} لصفات العظمة { وعذاب } أي مع الصغار { شديد } أي في الدنيا بالقتل والخزي وفي الآخرة بالنار { بما } أي بسبب ما { كانوا يمكرون } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.