الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} (28)

قوله تعالى : " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل " بل إضراب عن تمنيهم وادعائهم الإيمان لو ردوا . واختلفوا في معنى ( بدا لهم ) على أقوال بعد تعيين من المراد ، فقيل : المراد المنافقون لأن اسم الكفر مشتمل عليهم ، فعاد الضمير على بعض المذكورين ، قال النحاس : وهذا من الكلام العذب الفصيح . وقيل : المراد الكفار وكانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يفطن بهم ضعفاؤهم ، فيظهر يوم القيامة ؛ ولهذا قال الحسن : ( بدا لهم ) أي بدا لبعضهم ما كان يخفيه عن بعض . وقيل : بل ظهر لهم ما كانوا يجحدونه من الشرك فيقولون : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك حين ( بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ) . قال أبو روق{[6303]} . وقيل : ( بدا لهم ) ما كانوا يكتمونه من الكفر ، أي بدت أعمالهم السيئة كما قال : " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون{[6304]} " [ الزمر :47 ] . قال المبرد : بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه . وقيل : المعنى بل ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة ؛ لأن بعده " وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين " .

قوله تعالى : " ولو ردوا " قيل : بعد معاينة العذاب . وقيل : قبل معاينته . " لعادوا لما نهوا عنه " أي لصاروا ورجعوا إلى ما نهوا عنه من الشرك لعلم الله تعالى فيهم أنهم لا يؤمنون ، وقد عاين إبليس ما عاين من آيات الله ثم عاند . قوله تعالى : " وإنهم لكاذبون " إخبار عنهم ، وحكاية عن الحال التي كانوا عليها في الدنيا من تكذيبهم الرسل ، وإنكارهم البعث ، كما قال : " وإن ربك ليحكم بينهم{[6305]} " [ النحل :124 ] فجعله حكاية عن الحال الآتية . وقيل : المعنى وإنهم لكاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من أنهم لا يكذبون ويكونون من المؤمنين . وقرأ يحيى بن وثاب ( ولو ردوا ) بكسر الراء ؛ لأن الأصل رددوا فنقلت كسرة الدال على الراء .


[6303]:أبو روق: (بفتح الراء وسكون الواو بعدها قاف) هو عطية بن الحرث الهمداني الكوفي، ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة وقال: هو صاحب التفسير. (التهذيب).
[6304]:راجع ج 15 ص 264.
[6305]:راجع ج 10 ص 199.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} (28)

ولما أخبروا -{[29266]} في قراءة الرفع{[29267]} - عن أنفسهم بما تمنوا لأجله الرد ، وتضمنت قراءة النصب الوعد ، فإنه كما لو قال قائل : ليت الله يرزقني مالاً فأكافئك على صنيعك ، فإنه ينجر{[29268]} إلى : إن رزقني الله مالاً كافأتك ، فصار لذلك مما يقبل التكذيب ، أضرب عنه سبحانه تكذيباً لهم بقوله : { بل } أي ليس الأمر كما قالوا ، لأن هذا التمني ليس عن حقيقة ثابتة في أنفسهم من محبة مضمونه وثمرته ، بل { بدا } أي ظهر { لهم } من العذاب الذي لا طاقة لهم به { ما كانوا يخفون } أي من{[29269]} أحوال الآخرة ومرائهم{[29270]} على باطل ! ولما كان إخفاؤهم ذلك في بعض الزمان قال : { من قبل } أي يدعون أنه خفي ، بل لا حقيقة له ، {[29271]} ويسترون{[29272]} ما تبديه الرسل من دلائله عناداً منهم مع أنه أوضح من شمس النهار{[29273]} {[29274]} بما يلبسون من الهيبة فلذلك تمنوا ما ذكروا{[29275]} { ولو ردوا } أي إلى الدنيا { لعادوا لما نهوا عنه } أي من الكفر والفضائح التي كانوا عليها وستر ما اتضح لعقولهم من الدلائل { وإنهم لكاذبون } أي فيما أخبروا به عن{[29276]} أنفسهم من مضمون تمنيهم أنهم يفعلونه لو ردوا ،


[29266]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29267]:سقط ما بينه الرقمين من ظ.
[29268]:في الأصل: نتحد، وفي ظ: ينحل- كذا.
[29269]:زيد من ظ.
[29270]:من ظ، وفي الأصل: زانهم- كذا.
[29271]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29272]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29273]:زيد من ظ.
[29274]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29275]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29276]:من ظ، وفي الأصل: على.