الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ} (33)

لما قال أبو جهل : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك " الآية ، نزلت " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " كذا في صحيح مسلم . وقال ابن عباس : لم يعذب أهل قرية حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم منها والمؤمنون ، يلحقوا بحيث أمروا . " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " ابن عباس : كانوا يقولون في الطواف : غفرانك . والاستغفار وإن وقع من الفجار يدفع به ضرب من الشرور والإضرار . وقيل : إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم . أي وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين ، فلما خرجوا عذبهم الله يوم بدر وغيره . قاله الضحاك وغيره . وقيل : إن الاستغفار هنا يراد به الإسلام . أي " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " أي يسلمون ، قاله مجاهد وعكرمة . وقيل : " وهم يستغفرون " أي في أصلابهم من يستغفر الله . روي عن مجاهد أيضا . وقيل : معنى " يستغفرون " لو استغفروا . أي لو استغفروا لم يعذبوا . استدعاهم إلى الاستغفار ، قاله قتادة وابن زيد . وقال المدائني عن بعض العلماء قال : كان رجل من العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مسرفا على نفسه ، لم يكن يتحرج ، فلما أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم لبس الصوف ورجع عما كان عليه ، وأظهر الدين والنسك . فقيل له : لو فعلت هذا والنبي صلى الله عليه وسلم حي لفرح بك . قال : كان لي أمانان ، فمضى واحد وبقي الآخر ، قال الله تبارك وتعالى : " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " فهذا أمان . والثاني " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ} (33)

{ وما كان الله } أي مع ما له من{[34926]} صفات الكمال والعظمة والجلال ، وأكد النفي بقوله : { ليعذبهم } أي ليجدد لهم ذلك في وقت من الأوقات { وأنت } أي{[34927]} يا أكرم الخلق { فيهم } فإنه لعين تجازي ألف عين وتكرم

ولما بين بركة وجوده ، أتبعه ما يخلفه صلى الله عليه وسلم إذا{[34928]} غاب في العباد من العذاب فقال : { وما كان الله } أي الذي له الكمال كله { معذبهم } أي مثبتاً وصف تعذيبهم بحيث يدوم { وهم يستغفرون* } أي يطلبون الغفران بالدعاء أو يوجدون هذا اللفظ فيقولون : أستغفر الله ، فإن لفظه وإن كان خبراً فهو{[34929]} دعاء وطلب ، فوجوده صلى الله عليه وسلم في قوم أبلغ من نفي العذاب عنهم ، وهذا الكلام ندب لهم إلى الاستغفار وتعليم لما يدفع العذاب عنهم كما تقول : ما كنت لأضربك وأنت تطيعني ، أي فأطعني - نبه عليه الإمام أبو جعفر النحاس ، وفي ذلك حث عظيم لمن{[34930]} صار صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم من المسلمين صادقهم ومنافقهم على الرغبة في مواصلته والرهبة من مفارقته ، وتعريف لهم بما لهم في حلول ذاته المشرقة في ساحتهم من جليل النعمة ترغيباً في المحبة لطول عمره والاستمساك بعزره{[34931]} في نهيه وأمره إذ المراد - والله أعلم - بالاستغفار طلب المغفرة بشرطه من الإيمان والطاعة ، وعن أبي موسى{[34932]} الأشعري رضي الله عنه أنه كان في هذه الأمة أمانان ، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى ، وأما الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يوم القيامة .


[34926]:سقط من ظ.
[34927]:زيد من ظ.
[34928]:في ظ: إذ.
[34929]:في ظ: فإنه.
[34930]:في ظ: لما.
[34931]:في ظ: بعزوه.
[34932]:سقط من ظ.