الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (26)

قوله تعالى : " واذكروا إذ أنتم قليل " قال الكلبي : نزلت في المهاجرين ؛ يعني وصف حالهم قبل الهجرة وفي ابتداء الإسلام . " مستضعفون " نعت . " في الأرض " أي أرض مكة . " تخافون " نعت . " أن يتخطفكم " في موضع نصب . والخطب : الأخذ بسرعة . " الناس " رفع على الفاعل . قتادة وعكرمة : هم مشركو قريش . وهب بن منبه : فارس والروم . " فآواكم " قال ابن عباس : إلى الأنصار . السدي : إلى المدينة ؛ والمعنى واحد . أوى إليه ( بالمد ) : ضم إليه . وأوى إليه ( بالقصر ) : انضم إليه . " وأيدكم " قواكم . " بنصره " أي بعونه{[7664]} . وقيل : بالأنصار . وقيل : بالملائكة يوم بدر . " من الطيبات " أي الغنائم . " لعلكم تشكرون " قد تقدم معناه{[7665]} .


[7664]:في ج و ك و هـ و ى: بقوته.
[7665]:راجع ج 1 ص 397
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (26)

ولما كان من أشد العقاب الإذلال ، حذرهموه{[34836]} بالتذكير بما كانوا فيه من الذل ، لأنه أبعث على الشكر وأزجر عن الكفر فقال : { واذكروا } وذكر المفعول به فقال : { إذ أنتم } أي في{[34837]} أوائل الإسلام { قليل } أي عددكم .

ولما كان وجود مطلق الاستضعاف{[34838]} دالاً على غاية الضعف{[34839]} بنى للمفعول قوله{[34840]} : { مستضعفون } أي لا منفذ عندكم { في الأرض } أطلقها والمراد مكة ، لأنها لعظمها كأنها هي الأرض كلها ، ولأن حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها أو قريباً من ذلك ، ولذلك عبر بالناس في قوله : { تخافون } أي في{[34841]} حال اجتماعكم فكيف عند الانفراد { أن يتخطفكم } أي على سبيل التدريج { الناس } أي كما تتخطف{[34842]} الجوارح الصيود ، فحذرهم سبحانه - بالتنبيه على أنه قادر على أن يعيدهم إلى ما كانوا عليه - من هذه الأحوال بالمخالفة بين كلمتهم وترك التسبب إلى اجتماعها بالأمر بالمعروف و{[34843]}النهي عن المنكر ، وفي ذلك أيضاً إشارة إلى أنهم لما كانوا في تلك الحالة التي هي في غاية الضعف ، وكانت كلمتهم مجتمعة على أمر الله الذي هو توحيده وطاعة رسوله ، أعقبهم الإيواء في دار منيعة ، قد أيدهم بالنصر وأحسن رزقهم ، وذلك معنى قوله تعالى مسبباً عما قبله : { فآواكم } أي في دار الهجرة رحمة لكم { وأيدكم بنصره } أي بأهلها مع الملائكة { ورزقكم من الطيبات } أي الغنائم الكاملة الطيبة بالإحلال وعدم المنازع التي لم تحل لأحد قبلكم وغيرها { لعلكم تشكرون* } أي ليكون{[34844]} حالكم حال من يرجى شكره ، فيكون بعيداً عن المنازعه في الأنفال ، وذلك إشارة إلى أنهم مهما استمروا على تلك الحالة ، كان - بإقبالهم على مثل ما أتاهم به وزادهم من فضله - أن جعلهم سادة في الدارين بما يهب لهم من الفرقان الآتي في الآية بعدها والتوفيق عند إتيانه{[34845]} ، فالآية منصبة إلى الصحابة بالقصد الأول وهي صالحة للعرب كافة فتنصرف{[34846]} إليهم بالقصد الثاني ؛ قال قتادة : كان هذا الحي من العرب أذل الناس وأشقاهم عيشاً وأجوعهم بطناً وأعراهم جلداً وأبينهم ضلالاً ، من عاش شقياً ومن مات منهم تردى في النار معكوفين على رأس الحجرين الشديدين : فارس والروم ، يؤكلون ولا يأكلون ، وما في بلادهم شيء عليه{[34847]} يحسدون حتى جاء الله بالإسلام ، فمكن لهم من البلاد ووسع لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكاً على رقارب{[34848]} الناس ، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا الله على نعمه ، فإن ربكم يحب شكره والشاكر{[34849]} في مزيد من الله تعالى{[34850]} .


[34836]:من ظ، وفي الأصل: حذرتموه.
[34837]:من ظ، وفي الأصل: من.
[34838]:في ظ: الاستعطاف.
[34839]:في ظ: العطف.
[34840]:زيد من ظ.
[34841]:سقط من ظ.
[34842]:من ظ، وفي الأصل: يتخطف.
[34843]:زيد من ظ.
[34844]:في ظ: لتكون.
[34845]:في ظ: انتهايه.
[34846]:من ظ، وفي الأصل: فينصرف.
[34847]:من ظ، وفي الأصل: على.
[34848]:من ظ، وفي الأصل: أقارب.
[34849]:من ظ، وفي الأصل: الثنا له ـ كذا.
[34850]:وهذا الأثر قد رواه الطبري بغاية اختلاف عما هنا.