الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ} (9)

قوله تعالى : " إذ تستغيثون ربكم " الاستغاثة : طلب الغوث والنصر . غوث الرجل قال : واغوثاه . والاسم الغوث والغواث والغواث . واستغاثني فلان فأغثته ، والاسم الغياث{[7595]} ، عن الجوهري . وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وسبعة{[7596]} عشر رجلا ؛ فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ، ثم مد يديه ، فجعل يهتف بربه : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني . اللهم ائتني ما وعدتني . اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) . فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه . فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك . فأنزل الله تعالى : " وإذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين " فأمده الله بالملائكة . وذكر الحديث . " مردفين " بفتح الدال قراءة نافع . والباقون بالكسر اسم فاعل ، أي متتابعين ، تأتي فرقة بعد فرقة ، وذلك أهيب في العيون . و " مردفين " بفتح الدال على ما لم يسم فاعله ؛ لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة ، أي أنزلوا إليهم لمعونتهم على الكفار . فمردفين بفتح الدال نعت لألف . وقيل : هو حال من الضمير المنصوب في " ممدكم " . أي ممدكم في حال إردافكم بألف من الملائكة ؛ وهذا مذهب مجاهد . وحكى أبو عبيدة أن ردفني وأردفني واحد . وأنكر أبو عبيد أن يكون أردف بمعنى ردف ، قال لقول الله عز وجل : " تتبعها الرادفة{[7597]} " [ النازعات : 7 ] ولم يقل المردفة . قال النحاس ومكي وغيرهما : وقراءة كسر الدال أولى ؛ لأن أهل التأويل على هذه القراءة يفسرون . أي أردف بعضهم بعضا ، ولأن فيها معنى الفتح على ما حكى أبو عبيدة ، ولأن عليه أكثر القراء . قال سيبويه : وقرأ بعضهم " مردفين " بفتح الراء وشد الدال . وبعضهم " مردفين " بكسر الراء . وبعضهم " مردفين " بضم الراء . والدال مكسورة مشددة في القراءات الثلاث . فالقراءة الأولى تقديرها عند سيبويه مرتدفين ، ثم أدغم التاء في الدال ، وألقى حركتها على الراء لئلا يلتقي ساكنان . والثانية كسرت فيها الراء لالتقاء الساكنين . وضمت الراء في الثالثة إتباعا لضمة الميم ، كما تقول : رد ورد{[7598]} ورد يا هذا . وقرأ جعفر بن محمد وعاصم الجحدري : " بآلف " جمع ألف ، مثل فلس وأفلس . وعنهما أيضا " بألف " . وقد مضى في " آل عمران " ذكر نزول الملائكة وسيماهم وقتالهم .


[7595]:صارت الواو لكسرة ما قبلها.
[7596]:الذي في صحيح مسلم : "...تسعة عشر..." والمشهور: ثلاثمائة وثلاثة عشر كما يأتي.
[7597]:راجع ج 19 ص 193
[7598]:من ك ، هـ ، ج.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ} (9)

{ إذ } ظرف { ليحق الحق } { تستغيثون ربكم } أي تطلبون إغاثة المحسن إليكم ، وهو بدل من { إذ يعدكم } فهو من البيان لكراهتهم لقاء ذات الشوكة بشدة جزعهم الموجب لهم الاستغاثة مع إسفار العاقبة عن أن{[34618]} الخير فيما كرهوه ، وأنه أحق الحق وأظهر الدين وأوهن أمر المشركين .

ولما أسرع سبحانه الإجابة ، دل على ذلك بقوله : { فاستجاب } أي فأوجد الإجابة إيجاد من هو طالب لها شديد{[34619]} الرغبة فيها { لكم } بغاية ما تريدون تثبيتاً لقلوبكم { أني } أي بأني { ممدكم } أي موجد المدد " لكم " أي بإمدادكم ، ولعله حول العبارة لما في التصريح بضميره{[34620]} من العظمة والبركة { بألف من الملائكة } حال كونهم { مردفين* } أي متبعين بأمثالهم .


[34618]:سقط من ظ.
[34619]:في ظ: شد.
[34620]:من ظ، وفي الأصل: بمضمره.