الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ} (30)

قوله تعالى : " وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا " أي قالوا : أنزل خيرا ، وتم الكلام . و " ماذا " على هذا اسم واحد . وكان يرد الرجل من العرب مكة في أيام الموسم فيسأل المشركين عن محمد عليه السلام فيقولون : ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون . ويسأل المؤمنين فيقولون : أنزل الله عليه الخير والهدى ، والمراد القرآن . وقيل : إن هذا يقال لأهل الإيمان يوم القيامة . قال الثعلبي : فإن قيل : لم ارتفع الجواب في قوله : " أساطير الأولين " [ النحل : 24 ] وانتصب في قوله : " خيرا " فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل ، فكأنهم قالوا : الذي يقوله محمد هو أساطير الأولين . والمؤمنين آمنوا بالنزول فقالوا : أنزل خيرا ، وهذا مفهوم معناه من الإعراب ، والحمد لله .

قوله تعالى : " للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة " قيل : هو من كلام الله عز وجل . وقيل : هو من جملة كلام الذين اتقوا . والحسنة هنا : الجنة ، أي من أطاع الله فله الجنة غدا . وقيل : " للذين أحسنوا " اليوم حسنة في الدنيا من النصر والفتح والغنيمة " ولدار الآخرة خير " أي ما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار الدنيا ؛ لفنائها وبقاء الآخرة . " ولنعم دار المتقين " فيه وجهان : قال الحسن : المعنى ولنعم دار المتقين الدنيا ؛ لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة ودخول الجنة . وقيل : المعنى ولنعم دار المتقين الآخرة ، وهذا قول الجمهور . وعلى هذا تكون " جنات عدن " بدلا من الدار فلذلك ارتفع . " جنات عدن " بدلا من الدار فلذلك ارتفع . وقيل : ارتفع على تقدير هي جنات ، فهي مبينة لقوله : " دار المتقين " . أو تكون مرفوعة بالابتداء ، التقدير : جنات عدن نعم دار المتقين . " يدخلونها " في موضع الصفة ، أي مدخولة . وقيل : " جنات " رفع بالابتداء ، وخبره " يدخلونها " وعليه يخرج قول الحسن . والله أعلم . " تجري من تحتها الأنهار " تقدم معناه في البقرة{[9864]} . " لهم فيها ما يشاؤون " أي مما تمنوه وأرادوه . " كذلك يجزي الله المتقين " أي مثل هذا الجزاء يجزي الله المتقين .


[9864]:راجع ج 1 ص 239.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ} (30)

{ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } لما وصف مقالة الكفار الذين قالوا : { أساطير الأولين } : قابل ذلك بمقالة المؤمنين ، فإن قيل : لم نصب جواب المؤمنين وهو قولهم : { خيرا } ورفع جواب الكافرين وهو { أساطير الأولين } ؟ فالجواب : أن قولهم خيرا منصوب بفعل مضمر تقديره أنزل خيرا ، ففي ذلك اعتراف بأن الله أنزله ، وأما { أساطير الأولين } فهو خبر ابتداء مضمر تقديره هو أساطير الأولين فلم يعترفوا بأن الله أنزله ، والنصب بفعل مضمر يقتضي التصديق بأن الله أنزله ، لأن تقديره أنزل ، فإن قيل : مثل هذا في الرفع ، لأن تقديره هو أساطير الأولين فإنه غير مطابق للسؤال الذي هو ماذا أنزل ربكم ، فالجواب : أنهم عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا : هو أساطير الأولين ، ولم ينزله الله .

{ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } ارتفع حسنة بالابتداء وللذين خبره ، والجملة بدل من خيرا ، وتفسير للخير الذي قالوا ، وقيل : هي استئناف كلام الله تعالى ، لا من كلام الذين قالوا خيرا .