الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا} (59)

قوله تعالى : " الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن " تقدم في الأعراف{[12157]} . و " الذي " في موضع خفض نعتا للحي . وقال : " بينهما " ولم يقل بينهن ؛ لأنه أراد الصنفين والنوعين والشيئين ؛ كقول القطامي :

ألم يحزنك أن حبالَ قيسٍ *** وتغلب قد تباينتا انقطاعا

أراد وحبال تغلب فثنى ، والحبال جمع ؛ لأنه أراد الشيئين والنوعين . " الرحمن فاسأل به خبيرا " قال الزجاج : المعنى فاسأل عنه . وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة أن الباء تكون بمعنى عن ؛ كما قال تعالى : " سأل سائل بعذاب واقع " [ المعارج : 1 ] وقال الشاعر :

هلا سألت الخيل يا بنَةَ مالك *** إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي{[12158]}

وقال علقمة بن عبدة{[12159]} :

فإن تسألوني بالنساء فإنني *** خبير بأدواء النساء طبيبُ

أي عن النساء وعما لم تعلمي . وأنكره علي بن سليمان وقال : أهل النظر ينكرون أن تكون الباء بمعنى عن ؛ لأن في هذا إفسادا لمعاني قول العرب : لو لقيت فلانا للقيك به الأسد ، أي للقيك بلقائك إياه الأسد . المعنى فاسأل بسؤالك إياه خبيرا . وكذلك قال ابن جبير : الخبير هو الله تعالى . ف " خبيرا " نصب على المفعول به بالسؤال .

قلت : قول الزجاج يخرج على وجه حسن ، وهو أن يكون الخبير غير الله ، أي فاسأل عنه خبيرا ، أي عالما به ، أي بصفاته وأسمائه . وقيل : المعنى فاسأل له خبيرا ، فهو نصب على الحال من الهاء المضمرة . قال المهدوي : ولا يحسن حالا إذ لا يخلو أن تكون الحال من السائل أو المسؤول ، ولا يصح كونها حالا من الفاعل ؛ لأن الخبير لا يحتاج أن يسأل غيره . ولا يكون من المفعول ؛ لأن المسؤول عنه وهو الرحمن خبير أبدا ، والحال في أغلب الأمر يتغير وينتقل ، إلا أن يحمل على أنها حال مؤكدة ؛ مثل : " وهو الحق مصدقا " [ البقرة : 91 ] فيجوز . وأما " الرحمن " ففي رفعه ثلاثة أوجه : يكون بدلا من المضمر الذي في " استوى " . ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هو الرحمن . ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره " فاسأل به خبيرا " . ويجوز الخفض بمعنى وتوكل على الحي الذي لا يموت الرحمن ، يكون نعتا . ويجوز النصب على المدح .


[12157]:راجع ج 7 ص 218 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.
[12158]:البيت من معلقة عنترة.
[12159]:في نسخ الأصل: " وقال امرؤ القيس" وهو تحريف. والبيت من قصيدة لعلقمة مطلعها: طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا} (59)

{ استوى على العرش } ذكر في الأعراف .

{ الرحمن } خبر ابتداء مضمر ، أو بدل من الضمير في استوى .

{ فاسأل به خبيرا } فيه معنيان :

أحدهما : وهو الأظهر : أن المراد اسأل عنه من هو خبير عارف به ، وانتصب خبيرا على المفعولية ، وهذا الخبير المسؤول هو جبريل عليه السلام والعلماء وأهل الكتاب ، والباء في قوله [ به ] : يحتمل أن تتعلق بخبيرا ، أو تتعلق بالسؤال ، ويكون معناها على هذا معنى عن .

والمعنى الثاني : أن المراد اسأل بسؤاله خبيرا أي : إن سألته تعالى تجده خبيرا بكل شيء ، فانتصب خبيرا على الحال ، وهو كقولك : لو رأيت فلانا رأيت به أسدا أي : رأيت برؤيته أسدا .