الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا} (48)

قوله تعالى : " إن الله لا يغفر أن يشرك به " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا : " إن الله يغفر الذنوب جميعا{[4546]} " [ الزمر : 53 ] فقال له رجل : يا رسول الله والشرك ! فنزل " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " . وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة . " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه . فقال محمد بن جرير الطبري : قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه ، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله تعالى . وقال بعضهم : قد بين الله تعالى ذلك بقول : " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم " [ النساء : 31 ] فاعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر . وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة للتي في آخر " الفرقان{[4547]} " . قال زيد بن ثابت : نزلت سورة " النساء " بعد " الفرقان " بستة أشهر ، والصحيح أن لا نسخ ؛ لأن النسخ في الأخبار يستحيل . وسيأتي بيان{[4548]} الجمع بين الآي في هذه السورة وفي " الفرقان{[4549]} " إن شاء الله تعالى . وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب قال : ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " قال : هذا حديث حسن غريب .


[4546]:راجع ج 15 ص 267.
[4547]:راجع ص 158 من هذا الجزء.
[4548]:من ج و ط.
[4549]:راجع ج 13 ص 77.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا} (48)

{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } هذه الآية هي الحاكمة في مسألة الوعيد وهي المبينة لما تعارض فيها من الآيات ، وهي الحجة لأهل السنة ، والقاطعة بالخوارج والمعتزلة والمرجئة ، وذلك أن مذهب أهل السنة أن العصاة من المؤمنين في مشيئة الله ، إن شاء عذبهم ، وإن شاء غفر لهم ، وحجتهم هذه الآية ، فإنها نص في هذا المعنى ، ومذهب الخوارج أن العصاة يعذبون ولا بد سواء كانت ذنوبهم صغائر أو كبائر ومذهب المعتزلة أنهم يعذبون على الكبائر ولا بد ، ويرد على الطائفتين قوله :

{ ويغفر ما دون ذلك } ومذهب المرجئة أن العصاة كلهم يغفر لهم ولا بد وأنه لا يضر ذنب مع الإيمان ، ويرد عليهم قوله : { لمن يشاء } ، فإنه تخصيص لبعض العصاة ، وقد تأولت المعتزلة الآية على مذهبهم ، فقالوا لمن يشاء ، وهو التائب لا خلاف أنه لا يعذب ، وهذا التأويل بعيد ، لأن قوله :{ إن الله لا يغفر أن يشرك به } في غير التائب من الشرك وكذلك قوله :{ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } في غير التائب من العصيان ليكون أول الآية وآخرها على نسق واحد ، وتأولتها المرجئة على مذهبهم ، فقالوا لمن يشاء : معناه لمن يشاء أن يؤمن ، وهذا أيضا بعيد ، لا يقتضيه اللفظ وقد ورد في القرآن آيات كثيرة في الوعيد فحملها المعتزلة على العصاة وحملها المرجئة على الكفار ، وحملها أهل السنة على الكفار ، وعلى من لا يغفر الله له من العصاة ، كما حملوا آية الوعد على المؤمنين الذين لم يذنبوا وعلى المذنبين التائبين ، وعلى من يغفر الله له من العصاة غير التائبين ، فعلى مذهب أهل السنة لا يبقى تعارض بين آية الوعد وآية الوعيد ، بل يجمع بين معانيها ، بخلاف قول غيرهم فإن الآيات فيه تتعارض ، وتخليص المذاهب أن الكافر إذا تاب من كفره : غفر له بإجماع ، وإن مات على كفره : لم يغفر له ، وخلد في النار بإجماع ، وأن العاصي من المؤمنين إن تاب غفر له ، وإن مات دون توبة فهو الذي اختلف الناس فيه .