التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي  
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا} (48)

{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } هذه الآية هي الحاكمة في مسألة الوعيد وهي المبينة لما تعارض فيها من الآيات ، وهي الحجة لأهل السنة ، والقاطعة بالخوارج والمعتزلة والمرجئة ، وذلك أن مذهب أهل السنة أن العصاة من المؤمنين في مشيئة الله ، إن شاء عذبهم ، وإن شاء غفر لهم ، وحجتهم هذه الآية ، فإنها نص في هذا المعنى ، ومذهب الخوارج أن العصاة يعذبون ولا بد سواء كانت ذنوبهم صغائر أو كبائر ومذهب المعتزلة أنهم يعذبون على الكبائر ولا بد ، ويرد على الطائفتين قوله :

{ ويغفر ما دون ذلك } ومذهب المرجئة أن العصاة كلهم يغفر لهم ولا بد وأنه لا يضر ذنب مع الإيمان ، ويرد عليهم قوله : { لمن يشاء } ، فإنه تخصيص لبعض العصاة ، وقد تأولت المعتزلة الآية على مذهبهم ، فقالوا لمن يشاء ، وهو التائب لا خلاف أنه لا يعذب ، وهذا التأويل بعيد ، لأن قوله :{ إن الله لا يغفر أن يشرك به } في غير التائب من الشرك وكذلك قوله :{ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } في غير التائب من العصيان ليكون أول الآية وآخرها على نسق واحد ، وتأولتها المرجئة على مذهبهم ، فقالوا لمن يشاء : معناه لمن يشاء أن يؤمن ، وهذا أيضا بعيد ، لا يقتضيه اللفظ وقد ورد في القرآن آيات كثيرة في الوعيد فحملها المعتزلة على العصاة وحملها المرجئة على الكفار ، وحملها أهل السنة على الكفار ، وعلى من لا يغفر الله له من العصاة ، كما حملوا آية الوعد على المؤمنين الذين لم يذنبوا وعلى المذنبين التائبين ، وعلى من يغفر الله له من العصاة غير التائبين ، فعلى مذهب أهل السنة لا يبقى تعارض بين آية الوعد وآية الوعيد ، بل يجمع بين معانيها ، بخلاف قول غيرهم فإن الآيات فيه تتعارض ، وتخليص المذاهب أن الكافر إذا تاب من كفره : غفر له بإجماع ، وإن مات على كفره : لم يغفر له ، وخلد في النار بإجماع ، وأن العاصي من المؤمنين إن تاب غفر له ، وإن مات دون توبة فهو الذي اختلف الناس فيه .