لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا} (48)

يُرْسِلُ رياحَ الكَرَم فتهب على قلوب ذوي الحاجات فتزعجها إلى طلب مبارِّه ، ويرسل رياحَ الولاية فتهب على قلوب الخواص فتطهرها من جميع الإرادات فتُكْفَى بالله لله ، ويرسِلُ رياحَ الخوفِ على قلوبِ العُصَاةِ فتحملهم على النَّدَمِ ، وتطهرها من الإصرار فترجع إلى التوبة ، ويرسل رياح الاشتياق على قلوب الأحباب ، فتزعجها عن المساكنات ، وتطهرها عن كل شيء إلا عن اللواعج فلا يستقِرُّ إلا بالكشف والتجلَّّي .

ويقال إذا تَنَسَّمَ القلبُ نسيمَ القُرْبِ هَامَ في ملكوت الجلال ، وامتحى عن كل مرسوم ومعهود .

قوله جل ذكره : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحِْىَ بِهِ بَلَدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً } .

أنزل من السماء ماء المطرِ فأحيا به الغياضَ والرياضَ ، وأنبت به الأزهار والأنوار ، وأنزل من السماء ماء الرحمةِ فغَسَلَ العصاةُ ما تلطخوا به من الأوضار ، وما تدنَّسوا به من الأوزار .

و { الطَّهُور } هو الطاهرُ المُطَهِّرُ ، وماءُ الحياء يُطِهرُ قلوبَ العارفين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأحيان من الغفلات . وماء الرعاية يُحْيِي به قلوبَ المشتاقين بما يتداركها من أنوار التجلِّي حتى يزول عنها عَطَشُ الاشتياق ويحصل فيها من سكينة الاستقلال ، ويحيي به نفوساً ميتةً باتباع الشهوات فيردها إلى القيام بالعبادات .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا} (48)

قوله تعالى : { وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا ( 48 ) لنحيي بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ( 49 ) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا ( 50 ) } . الرياح في القرآن إيذان بنزول الرحمة ، وهي هنا بمعنى المطر ، بخلاف الريح بالإفراد ، فقد وردت الريح في القرآن بمعنى العذاب . والمعنى : أن الله جل وعلا يرسل الرياح قدام المطر مبشرات بنزوله .

قوله : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) أنزل الله برحمته وفضله على العباد مطرا من السماء منهمرا طهورا . وهو مبالغة في الطهور والطهارة .

وقد جمع الله في الماء اللطافة وخصوصية التطهير ؛ لتتم به الطهورية ، ويتحقق باستعماله الاسترواح والابتهاج . وهو من جهته مزيل للأوساخ والقاذورات والنجاسات على اختلاف أنواعها . فيكون المرء به نظيفا طاهرا نقيا من الأوضار والأدران . لاجرم أن هذه نعمة كبيرة أنعم الله به على الإنسان . وهي دليل قدرته وعظمته . وذلك برهان يضاف إلى براهين كثيرة تشهد على عظمة الصانع القهار ، جاعل الليل والنهار ، وخالق الأحقاب والفصول والأدهار .