لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (48)

الشيطان إذا زيَّن للإنسان بوساوسه أمراً ، والنَّفْسُ إذا سوَّلت له شيئاً عَمِيَتْ بصائرُ أرباب الغفلة عن شهود صواب الرُّشد ، فيبقى الغافل في قِياد وساوسه ، ثم تلحقه هواجمُ التقدير من كوامن المكر من حيث لا يرتقب ، فلا الشيطان يفي بما يَعِدُه ، ولا النفس شيئاً مما تتمنَّاه تجده ، وكما قال القائل :

أحسنتَ ظنَّك بالأيام إذ حَسُنَتْ *** ولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القَدَرُ

وسالمتْكَ الليالي فاغتَررْتَ بها *** وعند صفوِ الليالي يَحْدُثُ الكَدرُ

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (48)

قوله : { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب } .

روي عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه ، رأيته في صورة رجل من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم . فقال الشطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم . فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولوا مدبرين ، وأقبل جبريل إلى إبليس ، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده فولى مدبرا هو وشيعته : فقال الرجل : يا سراقة تزعم أنك لنا جار . قال : غني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب } ، وذلك حين رأى الملائكة{[1674]} . لقد زين الشطان للمشركين أعمالهم في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصد عن دين الله بكل وسائل الإغراء والترهيب والفتنة . ووسوس لهم بإيحائه الموهم المرجف أنهم لن يغلبوا ما داموا يركنون إليه وإلى جنوده من الشياطين . فما أن تلاقى الفريقان ورأى إبليس الملائكة { نكص على عقبيه } أي رجع وحجم وولى مدبرا هو وجنوده وتبرأ من المشركين ؛ إذ بطل كيده حين نزلت جنود الله .


[1674]:تفسير الطبري جـ 10 ص 14.