لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ} (40)

{ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ } ( قيل هو آصف ) وكان صاحب كرامة . وكراماتُ الأولياءِ مُلْتَحِقَةٌ بمعجزات الأنبياء ، إذ لو لم يكن النبيُّ صادقاً في نبوته لم تكن الكرامة تظهر على من يُصَدِّقه ويكون من جملة أمته .

ومعلومٌ أنه لا يكون في وُسْعِ البَشَرِ الإتيانُ بالعرش بهذه السرعة ، وأن ذلك لا يحصل إلا بخصائص قدرة الله تعالى . وقَطْعُ المسافة البعيدة في لحظةٍ لا يصح تقديره في الجواز إلا بأحد وجهين : إمَّا بأن يُقَدِّم اللَّهُ المسافةَ بين العرش وبين منزل سليمان ، وإمَّا بأن يعدم العرش ثم يعيده في الوقت الثاني بحضرة سليمان . وأيُّ واحدٍ من القسمين كان - لم يكن إلاّ من قِبَل الله ، فالذي كان عنده علم من الكتاب دعا الله - سبحانه - واستجاب له في ذلك ، وأحضر العرش ، وأمر سليمان حتى غَيَّرَ صورته فجعل أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه ، وأثبته على تركيبٍ آخر غير ما كان عليه .

ولمّا رأى سليمان ذلك أخذ في الشكر لله - سبحانه - والاعتراف بِعِظمِ نِعَمِه ، والاستيحاء ، والتواضع له ، وقال : { هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّى } : لا باستحقاقٍ مني ، ولا باستطاعةٍ من غيري ، بل أحمد النعمةَ لربِّي حيث جعل في قومي ومِنْ أمتي مَنْ له الجاهُ عنده فاستجاب دعاءَه .

وحقيقةُ الشكرِ - على لسان العلماء - الاعترافُ بنعمة المُنْعِم على جهة الخضوع . والأحسنُ أن يقال الشكرُ هو الثناءُ على المُحْسِنِ بِذِكْرِ إحسانه ، فيدخل في هذا شكرُ اللَّهِ للعبد لأنه ثناءٌ منه على العبد بذكر إحسان العبد ، وشكرُ العبد ثناءٌ على الله بذكر إحسانه . . . إلاّ أَنَّ إحسان الحقِّ هو إنعامُه ، وإحسانُ العبد طاعتُه وخدمتُه لله ، وما هو الحميد من أفعاله .

فأمَّا على طريقِ أهل المعاملة وبيان الإشارة : فالشكرُ صَرْفُ النعمة في وجه الخدمة .

ويقال الشكر أَلاَّ تستعينَ بنعمته على معاصيه .

ويقال الشكر شهودُ المنعِم من غير مساكنةٍ إلى النعمة .

ويقال الشكر رؤية العجز عن الشكر .

ويقال أعظمُ الشكرِ الشكرُ على توفيق الشكر .

ويقال الشكر على قسمين : شكر العوام على شهود المزيد ، قال تعالى :

{ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } [ إبراهيم : 7 ] ، وشكر الخواص يكون مجرداً عن طلب المزيد ، غيرَ متعرض لمنال العِوَض .

ويقال حقيقةُ الشكرِ قيد النعم وارتباطها ؛ لأَنَّ بالشكر بقاءَها ودوامَها

 
التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ} (40)

{ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ( 40 ) }

قال الذي عنده علم من الكتاب : أنا آتيك بهذا العرش قبل ارتداد أجفانك إذا تحرَّكَتْ للنظر في شيء . فأذن له سليمان فدعا الله ، فأتى بالعرش . فلما رآه سليمان حاضرًا لديه ثابتًا عنده قال : هذا مِن فضل ربي الذي خلقني وخلق الكون كله ؛ ليختبرني : أأشكر بذلك اعترافًا بنعمته تعالى عليَّ أم أكفر بترك الشكر ؟ ومن شكر لله على نعمه فإنَّ نَفْعَ ذلك يرجع إليه ، ومن جحد النعمة وترك الشكر فإن ربي غني عن شكره ، كريم يعم بخيره في الدنيا الشاكر والكافر ، ثم يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة .