جعل صفة من لا يرتدُّ عن الدين أن اللهَ يحبه ويحبُّ الله ، وفي ذلك بشارة عظيمة للمؤمنين لأنه يجب أن يُعْلَمَ أن من كان غير مرتد فإنَّ الله يحبه . وفي إشارة دقيقة فإن من كان مؤمناً يجب أن يكون لله محباً ، فإذا لم تكن له محبة فالخطر بصحة إيمانه . وفي الآية دليل على جواز محبة العبد لله وجواز محبة الله للعبد .
ومحبة الحق للعبد لا تخرج عن وجوه : إمَّا أن تكون بمعنى الرحمة عليه أو بمعنى اللطف والإحسان إليه ، والمدح والثناء عليه .
أو يقال إنها بمعنى إرادته لتقريبه وتخصيص محله .
وكما أن رحمته إرادته لإنعامه فمحبته إرادته لإكرامه ، والفرق بين المحبة والرحمة على هذا القول أن المحبة إرادة إنعامٍ مخصوصٍ ، والرحمة إرادة كل نعمة فتكون المحبةُ أخصَّ من الرحمة ، واللفظان يعودان إلى معنًى واحد فإن إرادة الله تعالى واحدة وبها يريد سائر مراداته ، وتختلف أسماء الإرادة باختلاف أوصاف المتعلق .
وأمَّا محبة العبد لله - سبحانه - فهي حالة لطيفة يجدها في قلبه ، وتحمله تلك الحالة على إيثارِ موافقة أمره ، وتَرْكِ حظوظ نفسه ، وإيثارِ حقوقه - سبحانه - بكل وجه .
وتحصل العبارة عن تلك الحالة على قدر ما تكون صفة العبد في الوقت الذي يعبَّر عنه ؛ فيقال المحبة ارتياح القلب لوجود المحبوب ، ويقال المحبة ذهاب المُحِبِّ بالكلية في ذكر المحبوب ، ويقال المحبة خلوص المحب لمحبوبه بكل وجه ، والمحبة بلاء كل كريم ، والمحبة نتيجة الهمة فمن كانت همته أعلى فمحبته أصفى بل أوفى بل أعلى .
ويقال المحبة سُكْرٌ لا صحوَ فيه ودَهَشٌ في لقاء المحبوب يوجِب التعطُّلَ عن التمييز ، ويقال المحبة بلاء لا يُرْجَى شفاؤه ، وسقام لا يعرف دواؤه . ويقال المحبة غريمٌ يلازمك لا يبرح ، ورقيبٌ من المحبوب يستوفي له منك دقائقَ الحقوق في دوام الأحوال ، ويقال المحبة قضية توجب المحبة ؛ فمحبة الحق أوجبت محبة العبد .
قوله جلّ ذكره : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } .
لولا أنه يحبهم لما أحبهم ، ولولا أنه أخبر عن المحبة فأنَّى تكون للطينة ذِكْرُ المحبة ؟ ثم بيَّن الله تعالى صفة المحبين فقال : { أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ } . يبذلون المُهَجَ في المحبوب من غير كراهة ، ويبذلون الأرواح في الذَبِّ عن المحبوب من غير ادخار شظية من الميسور .
ثم قال تعالى في صفتهم : { يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ } أي يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعة ، ويجاهدون بقلوبهم بقطع المنى والمطالبات ، ويجاهدون بأرواحهم بحذف العلاقات ، ويجاهدون بأسرارهم بالاستقامة على الشهود في دوام الأوقات .
ثم قال : { وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ } أي لا يلاحظون نُصْحَ حميم ، ولا يركنون إلى استقلال حكم ، ولا يجنحون إلى حظ ونصيب ، ولا يزيغون عن سَنَنِ الوفاء بحالٍ .
ثم بيَّن - سبحانه - أن جميع ذلك إليه لا منهم فقال : و { ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } متفضِّلٌ عليم بِمَنْ يَخُصَّ بذلك من عبيده .
أذلّة على المؤمنين : متواضعون رحماء للمؤمنين .
أعزّة على الكافرين : أشداء على الكافرين . كما قال تعالى في سورة الفتح { أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } .
بعد أن ذكر سبحانه أن من يتولّى الكافرين من دون الله يُعَدّ منهم ، بيّن هنا حقيقةً دعّمها بخبر من الغيب أظهرَهُ الزمن يومذاك ، وهي : أن بعض الذين آمنوا نفاقاً سيرتدّون عن الإسلام جهراً .
يا أيها الذين آمنوا : إن من يرجع منكم عن الإيمان إلى الكفر ، لن يضر الله قليلاً ولا كثيراً . فالله سوف يأتي بَدَلَهم بقومٍ خير منهم ، يحبّهم الله لأنهم يحبّونه ، فيوفقهم للهدى والطاعة .
وسيكون هؤلاء ذوي تواضعٍ ورحمة بإخوانهم المؤمنين ، وفيهم شدةٌ على أعدائهم الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ، ولا يخشون في الله لومة لائم . وذلك فضلُ الله يمنحه لمن يشاء ممن يستحقونه ، والله كثير الفضل ، عليم بمن هو أهل له .
في هذه الآية إخبار من الغيب ، فإنه لما قُبض الرسول صلّى الله عليه وسلم ارتدّ كثير من العرب . وكان المرتدّون فريقين : فريقاً ارتدّ عن الإسلام ، وفريقاً منع الزكاة . وكان قد ارتد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام ، بنو مدلج ورئيسُهم ذو الخمار ، وهو الأَسود العنسي . وكان كاهناً تنبّأ باليمَن ، فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله فسُرّ به ، وقُبض عليه السلام من الغد .
وارتدّ مُسَيلمة ومعه بنو حنيفة ، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«من مسليمة رسولِ الله إلى محمد رسولِ اللهِ ، سلام عليك : أما بعدُ فإني قد أُشْرِكتُ في الأمر معك ، وإنّ لنا نصفَ الأرض ولقُريش نصف الأرض ، ولكن قريشاً قوم يعتدون » .
فكتب إليه النبي : «بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب . السلامُ على من اتبع الهدى . أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين » .
وحاربتْه جيوش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد ، وقتله وحشيُّ قاتلُ حمزة ، وكان يقول : «قتلتُ في جاهليتي خير الناس ، وفي إسلامي شرَّ الناس » .
وتنبأ طُليحة بن خويلد الأسدي ، وتبعه جمع غفير ، فهزمه خالد بن الوليد . وهرب طليحة إلى الشام ثم أسلم فحسُن إسلامه .
وتنبأت سَجاحُ بِنت المنذِر ، الكاهنة ، وزوَّجت نفسها من مسيلمة ، ولها قَصَص طويل في التاريخ ، ثم أسلمت بعد ذلك وحسُن إسلامها .
وارتدّت سبع قبائل في عهد أبي بكر منهم : فَزارة ، وغطفان ، وبنو سليم ، وبنو يربوع ، وبعض بن تميم ، وكِندة ، وبنو بكر . وهؤلاء كلهم حاربهم أبو بكر يُناصره المهاجرون والأنصار ، وهزمهم جميعاً ، وهكذا ثبّت أبو بكر رضي الله عنه الإسلام بعزيمة صادقة ، وإيمان قويّ راسخ . وقد وصف الله هؤلاء المؤمنين بستّ صفات : بأن الله يحبّهم وهم يحبّونه . وأنهم أشدّاء على الكفار رحماء بينهم . وأنهم يجاهدون في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم . وأنهم صادقون لا يخافون في الله لومة لائم .
قرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة «من يرتدد » بدالين ، والباقون «من يرتد » بإدغام الدالين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.