لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (16)

الإشارة منها أن من بقي عن الحقوق بالبقاء في أوطان الحظوظ خسرت صفقتهم ، وما ربحت تجارتهم . والذي رضي بالدنيا عن العقبى لفي خسران ظاهر .

ومن آثر الدنيا أو العقبى على الحق تعالى لأشد خسرانا .

وإذا كان المصاب بفوات النعيم مغبونا فالذي مُنِيَ بالبعاد عن المناجاة وانحاز بقلبه عن مولاه ، وبقي في أسْرِ الشهوات ، لا إلى قلبه رسول ، ولا لروحه وصول ، ولا معه مناجاة ، ولا عليه إقبال ، ولا في سرّه شهود - فهذا هو الْمُصَابُ والْمُمْتَحَن .

وإن من فاته وقت فقد فاته ربه ، فالأوقات لا خَلَفَ عنها ولا بَدَلَ منها ، ولقد قال بعضهم :

كنتَ السوادَ لمقلتي *** فبكى عليك الناظر

من شاء بعدك فليمت *** فعليك كنت أحاذر

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (16)

ثم قال تعالى كاشفا عن حقيقة أحوالهم :

{ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ }

أولئك ، أي : المنافقون الموصوفون بتلك الصفات { الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى } أي : رغبوا في الضلالة ، رغبة المشتري بالسلعة ، التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان{[52]}  النفيسة . وهذا من أحسن الأمثلة ، فإنه جعل الضلالة ، التي هي غاية الشر ، كالسلعة ، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن ، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة رغبة فيها ، فهذه تجارتهم ، فبئس التجارة ، وبئس الصفقة صفقتهم{[53]} .

وإذا كان من بذل{[54]}  دينارا في مقابلة درهم خاسرا ، فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما ؟ " فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة ، واختار الشقاء على السعادة ، ورغب في سافل الأمور عن عاليها{[55]} ؟ " فما ربحت تجارته ، بل خسر فيها أعظم خسارة . { قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }

وقوله : { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } تحقيق لضلالهم ، وأنهم لم يحصل لهم من الهداية شيء ، فهذه أوصافهم القبيحة .


[52]:- في ب: الأموال.
[53]:- في ب: وهذه صفقتهم فبئس الصفقة.
[54]:- في ب: يبذل.
[55]:- في ب: وترك عاليها.