فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (16)

{ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } يعني المنافقين استبدلوا الكفر بالإيمان ، وإنما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة توسعا على سبيل الاستعارة فالشراء ههنا مستعار للاستبدال كقوله تعالى { فاستحبوا العمى على الهدى } فأما أن يكون معنى الشراء المعاوضة كما هو أصله حقيقة فلا لأن المنافقين لم يكون مؤمنين وما كانوا على الهدى فيبيعوا إيمانهم ، والعرب قد تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشيء وأصل الضلالة الحيرة والجور عن القصد وفقد الإهتداء ويطلق على النسيان ومنه قوله تعالى { فعلتها إذا وأنا من الضالين } وعلى الهلاك كقوله تعالى { إذا ضللنا في الأرض } والهدى التوجه إلى القصد وقد استعير الأول للعدول عن الصواب في الدين ، والثاني للإستقامة عليه ، وقال ابن عباس في الآية اشتروا الكفر بالإيمان وقال مجاهد آمنوا ثم كفروا ، وقال قتادة ومن الأمن إلى الخوف ، ومن السنة إلى البدعة .

{ فما ربحت تجارتهم } أي ما ربحوا في تجارتهم ، وأصل الربح الفضل عن رأس المال والتجارة صناعة التاجر ، وأسند الربح إليها على عادة العرب في قولهم : ربح بيعك وخسرت صفقتك ، وهو من الإسناد المجازي وهو إسناد الفعل إلى ملابس الفاعل كما هو مقرر في علم المعاني ، والمراد ربحوا وخسروا { وما كانوا مهتدين } أي مصيبين في تجارتهم لأن رأس المال هو الإيمان ، فلما أضاعوه واعتقدوا الضلالة فقد ضلوا عن الهدى وقيل في شرائعهم الضلالة وقيل في سابق علم الله .