إنما أمرهما بالملاينة معه في الخطاب لأنه كان أول مَنْ دَعَوْه إلى الدِّين ، وفي حال الدعوة يجب اللِّين ؛ فإنه وقت المُهلةِ ، فلا بدَّ من الإمهال ريثما ينظر ؛ قال الله لنبينا صلى الله عليه وسلم { وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل :125 ] : وهو الإمهال حتى ينظروا ويستدلوا ، وكذلك قال : { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ } [ سبأ :46 ] .
ثم إذا ظهر من الخَصمِ التمرُّدُ والإباء فحينئذٍ يُقابَلُ بالغلظة والحتف .
ويقال علَّمهما خطابَ الأكابرِ ذوي الحشمة ؛ ففرعونُ - وإن كان كافراً - إلا أنه كان سلطانَ وقتهِ ، والمتسلِّطَ على عبادِ الله .
ويقال إذا كان الأمرُ في مخاطبة الأعداء بالرِّفق والملاينة . . . فكيف مع المؤمن في السؤال ؟
ويقال في هذا إشارة إلى سهولة سؤال المَلَكَين في القبر للمؤمن .
ويقال إذا كان رِفْقُه بِمَنْ جَحَدَه فكيف رِفْقُه بِمَنْ وَحَدَه ؟
ويقال إذا كان رَفْقُه بالكفَّارِ فكيف رفقُه بالأبرار ؟
ويقال إذا كان رفقه بمن قال : أنا . . . فكيف رفقه بمن قال : أنت ؟
ويقال إنه أَحْسَنَ تربيةَ موسى عليه السلام ؛ فأراده أن يرفق به اليومَ في الدنيا على جهة المكافأة .
وقيل تفسير هذا ما قال في آية أخرى : { فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى } [ النازعات : 18 ] .
وقوله : { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } : أي كُونَا على رجاء أن يُؤْمِنَ . ولم يخبرهما أنه لا يؤمن لئلا تتداخَلَهُما فَتْرَةٌ في تبليغ الرسالة عِلْماً منه بأنه لا يؤمن ولا يقبل .
{ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا } أي : سهلا لطيفا ، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف ، ولا غلظة في المقال ، أو فظاظة في الأفعال ، { لَعَلَّهُ } بسبب القول اللين { يَتَذَكَّرُ } ما ينفعه فيأتيه ، { أَوْ يَخْشَى } ما يضره فيتركه ، فإن القول اللين داع لذلك ، والقول الغليظ منفر عن صاحبه ، وقد فسر القول اللين في قوله : { فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى* وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } فإن في هذا الكلام ، من لطف القول وسهولته ، وعدم بشاعته ما لا يخفى على المتأمل ، فإنه أتى ب " هل " الدالة على العرض والمشاورة ، التي لا يشمئز منها أحد ، ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس ، التي أصلها ، التطهر من الشرك ، الذي يقبله كل عقل سليم ، ولم يقل " أزكيك " بل قال : " تزكى " أنت بنفسك ، ثم دعاه إلى سبيل ربه ، الذي رباه ، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة ، التي ينبغي مقابلتها بشكرها ، وذكرها فقال : { وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } فلما لم يقبل هذا الكلام اللين الذي يأخذ حسنه بالقلوب ، علم أنه لا ينجع فيه تذكير ، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.