جاء موسى مجيء المشتاقين مجيء المهيَّمِين ، جاء موسى بلا موسى ، جاء موسى ولم يَبْقَ من موسى شيءٌ لموسى . آلافُ الرجال قطعوا مسافاتٍ طويلة فلم يذكرهم أحد ، وهذا موسى خطا خطواتٍ فإلى القيامة يقرأ الصبيان : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى } .
ويقال لمَّا جاء موسى لميقات باسطِ الحقِّ - سبحانه - سقط بسماع الخطاب ، فلم يتمالك حتى قال : { أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ } ، فإنَّ غَلَبَاتِ الوجد عليه استنطقته بطلب كمال الوصلة من الشهود ، وكذا قالوا :
وأبرحُ ما يكونُ الشوقُ يوماً *** إذا دَنَتْ الخيامُ من الخيام
ويقال صار موسى - عليه السلام - عند سماع الخطاب بعين السُّكْر فنطق ما نطق ، والسكران لا يُؤخذ بقوله ، ألا ترى أنه ليس في نص الكتاب معه عتاب بحرف ؟
ويقال أخذته عِزَّةُ السَّمَاعِ فخرج لسانه عن طاعته جرياً على مقتضى ما صحبه مِنَ الأَرْيَحَيَّةِ وبَسْطِ الوصلة .
ويقال جمع موسى - عليه السلام - كلماتٍ كثيرةً يتكلم بها في تلك الحالة ؛ فإن في القصص أنه كان يتحمل في أيام الوعد كلمات الحق ، ويقول لمعارفه : ألكم حاجة إلى الله ؟ ألكم كلام معه ؟ فإني أريد أن أمضي إلى مناجاته .
ثم إنه لما جاء وسمع الخطاب لم يذكر - مما دبَّره في نفسه ، وتحمله من قومه ، وجمعه في قلبه - شيئاً لا حرفاً ، بل نطق بما صار في الوقت غالباً على قلبه ، فقال : { رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } وفي معناه أنشدوا :
فيا ليلَ كم من حاجةٍ لي مهمة *** إذا جئتُكم ليلى فلم أدرِ ماهِيَا
ويقال أشدُّ الخَلْقِ شوقاً إلى الحبيب أقربُهم من الحبيب ؛ هذا موسى عليه السلام ، وكان عريق الوصلة ، واقفاً في محل المناجاة ، محدقة به سجوفُ التولي ، غالبة عليه بوادِهُ الوجود ، ثم في عين ذلك كان يقول : { رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ } كأنه غائب عن الحقيقة . ولكن ما ازداد القومُ شَرْباً إلا ازدادوا عطشاً ، ولا ازدادوا تيماً إلا ازدادوا شوقاً ، لأنه لا سبيل إلى الوصلة إلا بالكمال ، والحقُّ - سبحانه - يصونُ أسرار أصفيائه عن مداخلة الملال .
ويقال نطق موسى عليه السلام بلسان الافتقار فقال { رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ } ولا أقلَّ من نظرة - والعبد قتيل هذه القصة - فقوبل بالردِّ ، وقيل له : { لَنْ تَرَانِى } وكذا قهر الأحباب ولذا قال قائلهم :
جَوْرُ الهوى أحسن من عَدْلِه *** وبخله أظرف من بذله
ويقال لمَّا صرَّح بسؤال الرؤية ، وجهر صريحاً رُدَّ صريحاً فقيل له : { لَن تَرَانِى } ، ولما قال نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - بِسِرِّه في هذا الباب ، وأشار إلى السماء منتظراً الرد والجواب من حيث الرمز نزل قوله تعالى :{ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا }[ البقرة : 144 ] فردَّه إلى شهود الجهات والأطلال إشارة إلى أنه أعزُّ من أن يطمح إلى شهوده - اليوم - طَرْفٌ ، بل الألحاظ مصروفة موقوفة - اليومَ - على الأغيار .
ويقال لما سَمَتْ همَّتُه إلى أسنى المطالب - وهي الرؤية - قوبل " بِلَنْ ، ولمَّا رجِعَ إلى الخلْق وقال للخضر{ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا }[ الكهف : 66 ] ، قال الخضر :{ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا }[ الكهف : 67 ] فقابله بلن ، فصار الردُّ موقوفاً على موسى - عليه السلام من الحق ومن الخلْق ، ليكون موسى بلا موسى ، ويكون موسى صافياً عن كل نصيب لموسى من موسى ، وفي قريب منه أنشدوا :
( . . . . . . ) نحنُ أهلُ منازلٍ *** أبداً غرابُ البيْن فينا ينعق
ويقال طلب موسى الرؤية وهو بوصف التفرقة فقال : { رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } فأجيب بلن لأن عين الجمع أتم من عين الفَرْق . فزع موسى حتى خَرَّ صعقاً ، والجبل صار دَكَّاً . ثم الروْح بعد وقوع الصعقة على القالب مكاشفته بما هو حقائق الأحدية ، ويكون الحقُّ - بعد امتحاء معالم موسى - خيراً لموسى من بقاء موسى لموسى ، فعلى الحقيقة : شهود الحقائق بالحقِّ أتمُ من بقاء الخلق بالخلق ، كذا قال قائلهم :
ولوجهها من وجهها قمرٌ *** ولعينها من عينها كحل
ويقال البلاء الذي ورد على موسى بقوله : { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } أتمُّ وأعظم منه قولُه : { لَن تَرَانِى } لأن ذلك صريحٌ في الرد ، وفي اليأس راحة . لكنَّه لما قال فسوف أطْمِعُه فيما مُنعِه فلما اشتد موقُفه جعل الجبل دكاً ، وكان قادراً على إمساك الجَبَل ، لكنه قهر الأحباب الذي به جَرَتْ سُنَّتُهم .
ويقال في قوله : { انظُرْ إِلَى الجَبَلِ } بلاءٌ شديد لموسى لأنه نُفِيَ عن رؤية مقصوده ومُنِيَ برؤية الجبل ، ولو أذِنَ أَنْ يُغْمِضَ جفنَه فلا ينظر إلى شيء بعدما بقي عن مراده من رؤيته لكان الأمرُ أسهلَ عليه ، ولكنه قال له : { لَن تَرَانِى وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ } .
ثم أشدُّ من ذلك أنه أعطى الجبل التَّجليَ ؛ فالجبل رآه وموسى لم يَرَه ، ثم أَمَرَ موسى بالنظر إلى الجبل الذي قدم عليه في هذا السؤال ، وهذا - واللهِ - لصعبٌ شديد ! ! ولكن موسى لم ينازع ، ولم يقل أنا أريد النظر إليك فإذا لم أرَكَ لا أنظر إلى غيرك بل قال : لا أرفع بصري عما أمرتني بأن أنظر إليه ، وفي معناه أنشدوا :
أريدُ وصالَه ويريد هجري *** فأترك ما أريد لما يريد
ويقال بل الحق سبحانه أراد بقوله : { وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ } تداركه قلبُ موسى - عليه السلام - حيث لم يترك على صريح الرد بل علله برفق كما قيل :
فذريني أفني قليلاً قليلاً *** . . .
ويقال لما رُدَّ موسى إلى حال الصحو وأفاق رجع إلى رأس الأمر فقال : { تُبْتُ إِلَيْكَ } يعني إن لم تكن الرؤية هي غاية المرتبة فلا أقل من التوبة ، فَقَبِلَه - تعالى - لسمو همته إلى الرتبة العلية .
قوله جلّ ذكره : { تُبْتُ إِلَيْكَ } .
هذه إناخة بعقوة العبودية ، وشرط الإنصاف ألا تبرحَ محلّ الخدمة وإِنْ حيل بينك وبين وجود القربة ؛ لأن القربةَ حظُّ نفسك ، والخدمةَ حقُّ ربك ، وهي تتم بألا تكون بحظ نفسك .
دكا : أي : مدكوكا منهارا مهدوما .
{ 143 – ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك . . . }
أي : ولما جاء موسى إلى الجبل لأجل ميقات ربه .
أي : بلا واسطة ولا كيفية فكلام الله الأزلي ليس كمثله شيء ، وقال بعضهم : أنه كان يسمع الكلام في سائر الجهات الأربع ومن جنبات نفسه .
قال النسفي : وذكر الشيخ في التأويلات : إن موسى عليه السلام سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى ، وكان اختصاصه باعتبار أنه أسمعه صوتا تولى تخليقه من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسبا لأحد من الخلق .
عن قتادة : لما سمع موسى الكلام ؛ طمع في الرؤية – أي : اشتياقا – للجمع بين فضيلتي الكلام والرؤية . فقال : رب ذاتك المقدسة ومكني من رؤيتك بأن تتجلى لي حتى أراك .
{ قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني .
أي : قال الله لموسى : لن تراني في دنياك هذه ، بالعين الفانية في هذه الدنيا الفانية ، بل بعين باقية في الدار الباقية .
معناه : أنك لا تثبت لرؤيتي ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرما وصلابة وقوة وهو الجبل فانظر إليه .
فإن استقر مكانه ، ولم يتزلزل عند رؤيتي له ؛ فسوف تراني .
وإن ضعف ذلك عن الجبل فأنت منه أضعف ، فهذا الكلام بمزلة ضرب المثل لموسى عليه السلام بالجبل ، وقيل : هو من باب التعليق بالمجال ، وعلى تسليم هذا ؛ فهو في الرؤية في الدنيا .
وقد تمسك بهذه الآية كلتا طائفتي المعتزلة والأشعرية :
فالمعتزلة استدلوا بقوله : لن تراني ، وبأمره أن ينظر إلى الجبل .
والأشعرية قالوا : إن تعليق الرؤية باستقرار الجبل يدل على أنها جائزة غير ممتنعة .
ولا يخفاك أن الرؤية الأخروية هي بمعزل عن هذا كله ، والخلاف بينهم هو فيها ، لا في الرؤية في الدنيا ، فقد كان الخلاف فيها في زمن الصحابة وكلامهم فيها معروف23 .
{ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } .
تجلى : معناه : ظهر من قولك جلوت العروس : أي أبرزتها ، وجلوت السيف : أخلصته من الصدإ ، وتجلى الشيء : انكشف .
والمعنى : فلما ظهر ربه للجبل جعله دكا .
أي : جعله مدكوكا مدقوقا ، فصار ترابا ، وفي حديث أنس مرفوعا : فساخ الجبل .
أي : سقط من هول ما رأى من النور الذي حصل به التجلي مغشيا عليه كمن أخذته الصاعقة .
{ فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } .
أي : فلما أفاق من غشيته وعاد إلى وعيه وفهمه وذهبت عنه تلك الشدة قال تعظيما لله وإجلالا لمقامه .
سبحانك : أنزهك يا رب عن مشابهتك لشيء من خلقك .
تبت إليك : أي : من الإقدام على السؤال بغير إذن منك .
وأنا أول المؤمنين : أي : من بني إسرائيل .
وفي رواية : عن ابن عباس : وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة .
" أن موسى لما نال فضيلة التكليم بلا واسطة فسمع من عالم الغيب ما لم يسمع من قبل ؛ تاقت نفسه أن يمنحه الرب شرف رؤيته فطلب ذلك منه وهو يعلم أنه ليس كمثله شيء ، لا في ذاته ولا في صفاته ، ولكن الله تبارك وتعالى قال له : لن تراني . ولكي يخفف عليه ألم الردّ ، أراه بعينيه من تجليه للجبل ، ما فهم منه أن المانع من جهته ، لا من جانب الفيض الإلهي ؛ حينئذ نزه الله وسبّحه ، وتاب إليه من هذا الطلب ؛ فبشره الله بأنه اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه ، وأمره أن يأخذ ما أعطاه ويكون من الشاكرين له " 24 .
{ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( 143 ) }
ولما جاء موسى في الوقت المحدد وهو تمام أربعين ليلة ، وكلَّمه ربه بما كلَّمه من وحيه وأمره ونهيه ، طمع في رؤية الله فطلب النظر إليه ، قال الله له : لن تراني ، أي لن تقدر على رؤيتي في الدنيا ، ولكن انظر إلى الجبل ، فإن استقر مكانه إذا تجلَّيتُ له فسوف تراني ، فلما تجلَّى ربه للجبل جعله دكًّا مستويًا بالأرض ، وسقط موسى مغشيًّا عليه ، فلما أفاق من غشيته قال : تنزيهًا لك يا رب عما لا يليق بجلالك ، إني تبت إليك من مسألتي إياك الرؤية في هذه الحياة الدنيا ، وأنا أول المؤمنين بك من قومي .
قوله تعالى : { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } ، أي : للوقت الذي ضربنا له أن نكلمه فيه ، قال أهل التفسير : إن موسى عليه السلام تطهر وطهر ثيابه لميعاد ربه لما أتى طور سيناء . وفي القصة : أن الله عز وجل وأنزل ظلمة على سبعة فراسخ ، وطرد عنه الشيطان ، وطرد عنه هوام الأرض ، ونحى عنه الملكين ، وكشط له السماء ، فرأى الملائكة قياماً في الهواء ، ورأى العرش بارزاً ، وكلمه الله وناجاه حتى أسمعه ، وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلمة ربه ، وأدناه حتى سمع صرير القلم ، فاستحلى موسى عليه السلام كلام ربه ، واشتاق إلى رؤيته .
قوله تعالى : { قال رب أرني أنظر إليك } ، فقال الزجاج : فيه اختصار تقديره : أرني نفسك أنظر إليك ، قال ابن عباس : أعطني النظر إليك . فإن قيل : كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله تعالى لا يرى في الدنيا ؟ قال الحسن : هاج به الشوق فسأل الرؤية . وقيل : سأل الرؤية ظناً منه أنه يجوز أن يرى في الدنيا .
قوله تعالى : { قال } الله تعالى .
قوله تعالى : { لن تراني } وليس لبشر أن يطيق النظر إليّ في الدنيا ، من نظر إلي في الدنيا مات ، فقال : إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ، ولأن أنظر إليك ثم أموت ، أحب إلي من أن أعيش ولا أراك . فقال الله عز وجل : { لم تراني ولكن انظر إلى الجبل } ، وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير . قال السدي : لما كلم الله موسى غاص الخبيث إبليس في الأرض حتى خرج بين قدمي موسى ، فوسوس إليه وقال : أن من كلمك شيطان ، فعند ذلك سأل موسى الرؤية ، فقال الله عز وجل : { لن تراني } ، وتعلقت نفاة الرؤية بظاهر هذه الآية ، وقالوا : قال الله تعالى : { لن تراني } ، ولن تكون للتأبيد ، ولا حجة لهم فيها ، ومعنى الآية : لن يراني في الدنيا أو في الحال ، لأنه كان يسأل الرؤية في الحال ، و( لن ) لا تكون للتأبيد ، كقوله تعالى { ولن يتمنوه أبداً } [ البقرة : 95 ] إخباراً عن اليهود ، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة ، كما قال الله تعالى : { ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك } [ الزخرف : 77 ] ، و{ يا ليتها كانت القاضية } [ الحاقة : 27 ] ، والدليل عليه أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية ، ولم يقل إني لا أرى حتى تكون لهم حجة ، بل علق الرؤية على استقرار الجبل ، واستقرار الجبل على التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوة ، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون مجالاً .
قوله تعالى : { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } ، قال وهب وابن إسحاق : لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب ، والصواعق ، والظلمة ، والرعد ، والبرق ، وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب ، وأمر الله ملائكة السموات أن يعترضوا على موسى ، فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر ، تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى ، فاعترضوا عليه ، فهبطوا عليه أمثال الأسود ، لهم لجب بالتسبيح والتقديس ، ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى وسمع ، واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده ، ثم قال : لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء ؟ فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا موسى اصبر لما سألت ، فقليل من كثير ما رأيت . ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى ، فاعترضوا عليه ، فهبطوا أمثال النسور ، لهم قصف ورجف ولجب شديد ، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم ، ألوانهم كلهب النار ، ففزع موسى واشتد فزعه ، وأيس من الحياة ، فقال له خير الملائكة : مكانك يا ابن عمران ، حتى ترى ما لا تصبر عليه ، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن عمران فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا من قبلهم ، ألوانهم كلهب النار ، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض ، أصواتهم عالية بالتقديس والتسبيح ، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به من قبلهم ، فاصطكت ركبتاه ، وارتعد قلبه ، واشتد بكاؤه ، فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا ابن عمران ، اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت . ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى ، فهبطوا عليه ، لهم سبعة ألوان ، فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره ، لم ير مثلهم ، ولم يسمع مثل أصواتهم ، فامتلأ جوفه خوفاً ، واشتد حزنه ، وكثر بكاؤه ، فقال له خير الملائكة ورأسهم : يا بن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه ، ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه ، فهبطوا عليه ، في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة نارا ، أشد ضوءاً من الشمس ، ولباسهم كلهب النار ، إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات ، كلهم يقولون بشدة أصواتهم : ( سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح ، رب العزة أبداً لا يموت " في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه ، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا وهو يبكي ويقول : رب اذكرني ولا تنس عبدك ، لا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا ؟ إن خرجت احترقت ، وإن مكثت مت ، فقال له كبير الملائكة ورأسهم : قد أوشكت يا بن عمران أن يشتد خوفك ، وينخلع قلبك ، فاصبر للذي سألت . ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة ، فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله ، ورفعت ملائكة السموات أصواتهم جميعاً يقولون : " سبحان الملك القدوس ، رب العزة أبداً لا يموت " بشدة أصواتهم ، فارتج الجبل ، واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقاً ، على وجهه ليس معه روحه ، فأرسل الله برحمته الروح ، فتغشاه ، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى ، وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى ، فأقامه الروح مثل اللامة ، فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول : آمنت بك ربي ، وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا ، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه ، فما أعظمك وأعظم ملائكتك ، أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك ، ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء ، رب تبت إليك الحمد لله لا شريك لك ما أعظمك وما أجلك رب العالمين ، فذلك قوله تعالى : { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً } ، قال ابن عباس : ظهر نور ربه للجبل ، جبل زبير . وقال الضحاك : أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور . وقال عبد الله بن سلام ، وكعب الأحبار : ما تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكاً . وقال السدي : ما تجلى إلا قدر الخنصر ، يدل عليه ما روى ثابت ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال : هكذا ، ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر ، فساخ الجبل . وحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نوراً قدر الدرهم ، فجعل الجبل دكاً ، أي : مستوياً بالأرض . قرأ حمزة والكسائي ( دكاء ) ممدوداً غير منون هاهنا وفي سورة الكهف ، ووافق عاصم في الكهف ، وقرأ الآخرون ( دكا ) مقصوراً منوناً ، فمن قصره فمعناه جعله مدقوقاً ، والدك والدق واحد ، وقيل : معناه دكه الله دكاً ، أي : فتقه ، كما قال : { إذا دكت الأرض دكاً دكاً } [ الفجر :21 ] ، ومن قرأ بالمد أي : جعله مستوياً أرضاً دكاء ، وقيل معناه : جعله مثل دكاء ، وهي الناقة التي لا سنام لها ، قال ابن عباس : جعله تراباً ، وقال سفيان : ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه . وقال عطية العوفي : صار رملاً هائلاً . وقال الكلبي : جعله دكاً أي كسراً جبالاً صغاراً . ووقع في بعض التفاسير : صارت لعظمته ستة أجبل ، وقعت ثلاثة بالمدينة : أحد ، وورقان ، ورضوى ، ووقعت ثلاثة بمكة : ثور ، وتبير ، وحراء . قوله تعالى : { وخر موسى صعقاً } . قال ابن عباس والحسن : مغشياً عليه . وقال قتادة : ميتاً . وقال الكلبي : خر موسى صعقاً يوم الخميس يوم عرفة ، وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر . قال الواقدي : لما خر موسى صعقاً قالت ملائكة السموات : ما لابن عمران وسؤال الرؤية ؟ وفي بعض الكتب أن ملائكة السموات أتوا موسى وهو مغشي عليه ، فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون : يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة ؟
قوله تعالى : { فلما أفاق } موسى من صعقته ، وثاب إليه عقله ، عرف أنه قد سأل أمراً عظيما لا ينبغي له .
قوله تعالى : { قال سبحانك تبت إليك } عن سؤال الرؤية .
قوله تعالى : { وأنا أول المؤمنين } بأنك لا ترى في الدنيا ، وقال مجاهد والسدي : وأنا أول من آمن بك من بني إسرائيل .