من زخرف : أي : من ذهب وأصل الزخرف لغة الزينة وأجملها ما كان بالذهب .
سبحان ربي : أي : أنزهه تنزيها أن يتحكم عليه إلى هذا الحد .
93- { أو يكون لك بيت من زخرف . . . }
أي : أو يكون لك بيت من ذهب روى ذلك عن ابن عباس وقتادة وغيرهما .
{ أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه } . أي : أو تصعد في سلم إلى السماء ونحن ننظر إليك ، ولن نصدقك من أجل رقيك وحده ، بل لا بد أن تنزل علينا كتابا نقرأه بلغتنا على نهج كلامنا وفيه تصديقك .
{ قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا } . أي : قل لهم متعجبا من مقترحاتهم ، ومنزها ربك من أن يقترح عليه أحد ، أو يشاركه في القدرة : ما أنا إلا كسائر الرسل ، وليس للرسل أن يأتوا ألا بما يظهره الله على أيديهم بحسب ما تقتضيه المصلحة ، من غير تفويض إليهم فيه ، ولا تحكم منهم عليه .
وخلاصة ذلك : سبحانه أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته ، بل هو الفعال لما يشاء ، إن شاء أجابكم إلى ما سألتم ، وإن شاء لم يجبكم ، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ، وقد فعلت ذلك ، وأمركم فيما سألتم إلى الله عز وجل .
قال القاسمي : {[489]}
لا يخفى ما في اقتراح هذه الآيات من الجهل الكبير بسنة الله في خلقه ، وبحكمته وجلاله وبيان ذلك- كما في كتاب ( لسان الصدق )- أن ما اقترحته قريش ( منه ) ما أرادوا به مصلحتهم دون مصلحة العباد ، مما يخالف حكمة الله المقتضية ؛ لإخلاء بعض البقاع من العيون النابعة ، والأنهار الجارية ، والجنان الناضرة ، دون بعض ، وإرساء الجبال الشم في موضع دون آخر لمصالح يعلنها هو- جلت عظمته- ولا يعلمها الخلق ، فليس مقترحهم هذا من العجز في الشيء . مع أن مثله لا تثبت به النبوة .
فإننا نعلم أن أناسا قد استنبطوا العيون وغرسوا الجنان من النخيل والأعناب ، ونحتوا الجبال ولم يكونوا أنبياء .
ومنه : ما يناقض إرادة الله سبحانه وهو قولهم : { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } فإن إنزال السماء قطعا مقتض لهلاك العالم بحذافيره ، والله يريد إبقاءه إلى أجل معلوم .
ومنه : ما هو مستحيل في نفسه غير ممكن وقوعه أصلا وهو قولهم : { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } . فإن الإتيان بالله والملائكة حتى يشاهدهم المشركون أو غيرهم ، مما لا يمكن أن يكون ، فلا يجوز طلبه ، وليس من أنواع المعجز .
ومنه : ما لا يصلح للأنبياء ولو حصل لم يكن معجزا وهو قولهم : { أو يكون لك بيت من زخرف } . فإن هذا غير صالح للأنبياء ، وليس بمعجز ؛ لحصول مثله عند أشباه فرعون .
ومنه : ما وعدوا بعدم إيمانهم به لو حصل ، وهو قولهم : { أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل عليا كتابا نقرؤه . . . } {[490]} .
فلم يكن شيء مما اقترحوه في الآيات معجزا . وإنما هي أمور مستحيلة في نفسها أو لأمر آخر ؛ اقترحوها تكبرا وتعنتا وجهلا . على أنهم بعد تلك الأقوال كلها قال قائل منهم : وايم الله ! لو فعلت ذل ؛ لظننت أني لا أصدقك .
فكان الأولى في جوابهم عما اقترحوه ، هو قول الرسول لهم : { سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا } . أي : تنزه ربي عن فعل ما اقترحتموه من المحال وما يناقض حكمته . وما أنا إلا بشر رسول على أن أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم . وقد أتيتكم بما يدل على صدق رسالتي مما أوحاه إليّ وذلك ما تحديتكم بالإتيان بمثله أو بسورة مثله في الهداية والإصلاح{[491]} .
{ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ } أي : مزخرف بالذهب وغيره { أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ } رقيًا حسيًا ، { و } ومع هذا ف { وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ }
ولما كانت هذه تعنتات وتعجيزات ؛ وكلام أسفه الناس وأظلمهم ، المتضمنة لرد الحق وسوء الأدب مع الله ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يأتي بالآيات ، أمره الله أن ينزهه فقال : { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي } عما تقولون علوًا كبيرًا ، وسبحانه أن تكون أحكامه وآياته تابعة لأهوائهم الفاسدة ، وآرائهم الضالة . { هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا } ليس بيده شيء من الأمر .
قوله تعالى : { أو يكون لك بيت من زخرف } أي : من ذهب ، وأصله الزينة { أو ترقى } ، تصعد { في السماء } ، هذا قول عبد الله بن أبي أمية ، { ولن نؤمن لرقيك } لصعودك { حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه } ، أمرنا فيه باتباعك { قل سبحان ربي } ، وقرأ ابن كثير وابن عامر قال : يعني محمداً ، وقرأ آخرون على الأمر ، أي : قل يا محمد { هل كنت إلا بشراً رسولاً } ، أمره بتنزيهه وتمجيده ، على معنى أنه لو أراد أن ينزل ما طلبوا لفعل ، ولكن الله لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر . واعلم أن الله تعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله مثل : القرآن ، وانشقاق القمر ، وتفجير العيون من بين الأصابع وما أشبهها ، والقوم عامتهم كانوا متعنتين لم يكن قصدهم طلب الدليل ليؤمنوا ، فرد الله عليهم سؤالهم .
قوله : ( أو يكون لك بيت من زخرف ) وهذا مطلب خامس سأله المشركون على سبيل المكابرة والمعاندة والتحدي ؛ فقد سألوا رسول الله ( ص ) أن يكون له بيت من ذهب فيؤمنوا .
قوله : ( أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه ) ( ترقى ) ، فعل مضارع منصوب تقديرا ؛ لكونه معطوفا على ( فتفجر ) والرقي ، معناه الصعود{[2745]} وهذا مطلب سادس تلغط به أفواه المشركين المكذبين وهم يسألون النبي ( ص ) أن يصعد في معارج السماء . ومع ذلك لم يؤمنوا من أجل صعوده وحده إلا أن ينزل عليهم كتابا يقرأونه بلغتهم فيشهد له بالصدق .
قولهم ( قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) يأمر الله نبيه ( ص ) أن يقول لهؤلاء المكذبين تعجيبا من فرط جهالتهم وعتوهم ( سبحان ربي ) ذلك تنزيه لله عما لا يليق به من مثل هذه الاقتراحات . ويضاف إلى ذلك التنديد بمطالبهم الفاسدة السقيمة ؛ فإن رسول الله ( ص ) غير قادر أن يأتيهم ما سألوه ؛ فهو ليس إلا بشرا أرسله الله للناس شاهدا ومبلغا ونذيرا{[2746]} .