لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَءَاتَيۡنَٰهُم بَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (17)

قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِى إِسْرائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ والنُّبُوَةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِبّاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } .

كَرَّر في غير موضع ذِكْرِ موسى وذِكْرَ بني إسرائيل . . . بعضه على الجملة وبعضه على التفصيل . وهنا أجْمَلَ في هذا الموضِع ، ثم عقبه حديث نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ، فقال :

قوله جلّ ذكره : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } .

أفردناك بلطائفَ فاعرفْها ، وسَنَنَّا لكَ طرائقَ فاسلُكْها ، وأثبتنا لك حقائقَ فلا تتجاوزْها ، ولا تجنحْ إلى متابعة غيرك : { إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَءَاتَيۡنَٰهُم بَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (17)

16

المفردات :

بينات من الأمر : أدلة في أمر الدين ، ويندرج فيها المعجزات التي جاء بها موسى عليه السلام .

بغيا : حسدا وعنادا .

التفسير :

17- { وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } .

أعطينا بني إسرائيل شريعة واضحة بينة ، فيها الأوامر والنواهي ، والحلال والحرام ، هذا الوضوح والبيان ، والعلم بما أحل الله وبما حرمه ، كان يقتضي منهم السير صفا واحدا على الطريق الواضح ، والصراط المستقيم ، بيد أنهم اختلفوا وتفرقوا شيعا ، بعد أن جاءهم العلم بالحق ، وسبب الاختلاف هو الحسد والبغي طمعا في مناصب الدنيا وشهواتها ، فانظر كيف كان العلم بأحكام الله ، وتبين شريعته سببا في تفرقهم ، وكان الأصل أن يكون سبب وحدتهم ، لأن العلم إذا وجد قلبا نقيا ، كان العلم كالماء يفيد الأرض الطيبة فينمي بذرتها ، أما العلم إذا وجد قلبا غافلا غارقا في الشهوات ، فإن هذا العلم يكون وبالا على صاحبه ، كالماء إذا وجد أرضا سبخة مريضة ، فإنها لا تمسك الماء ولا تنبت الكلأ .

لقد اختلفوا بعد أن جاءهم العلم واليقين بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلموا من التوراة وغيرها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنه يولد في مكة ، ويهاجر إلى يثرب ، وأنه خاتم الرسل وآخرهم ، وأنه لا يقابل السيئة بالسيئة لكن يعفو ويصفح ، وقد استوضحوا صفاته بعد هجرته إلى المدينة ، لكنهم كفروا به ظلما وبغيا وعدوانا .

قال تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به . . . } ( البقرة : 89 ) .

وقال عز شأنه : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } . ( البينة : 4 ) .

وفي الآخرة نجد القضاء العادل من الإله العليم الحكيم ، المطلع على الخفايا والأسرار ، فيتم الحكم بالعدل ، وإنصاف المظلوم وعقوبة الظالم .

{ إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } .

إن عدالة الله ستقضي بينهم فيما اختلفوا فيه .

وفي سورة الزمر يقول الله تعالى : { قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون } . ( الزمر : 46 ) .

وفي هذا تحذير للأمة الإسلامية من أن تسلك مسلكهم ، وأن تسير على نهجهم .

قال تعالى : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } . ( الأنفال : 46 ) .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَءَاتَيۡنَٰهُم بَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (17)

ثم بين - سبحانه - نعمة أخرى من النعم التى أنعم بها على بني إسرائيل فقال : { وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمر } والبينات جمع بينة ، وهي الدليل الواضح الصريح . و { منَ } بمعنى في .

أي : وأعطيناهم - فضلا عن كل ما سبق - دلائل واضحة ، وشرائع بينة تتعلق بأمر دنيهم ، بأن فصلنا لهم الحلال والحرام ، والحسن والقبيح ، والحق والباطل ، فصاروا بذلك على علم بشريعتهم ، بحيث لا يخفى عليهم شيء مما اشتملت عليه من أوامر أو نواه ، أو حلال أو حرام .

فالمقصود من هذه الجملة الكريمة أن الله - تعالى - قد أعطاهم شريعة واضحة لا غموض فيها ولا التباس ، ولا عوج فيها ولا انحراف .

بل إن شريعتهم قد أخبرتهم عن طريق رسلهم بمبعث النبي - صلى الله عليه وسلم وبوجوب إيمانهم به عند ظهوره ، ومن ذلك قوله - تعالى - : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يا بني إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بالبينات قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ }

ثم بين - سبحانه - الموقف القبيح الذي وقفه بنو إسرائيل من نعم الله عليهم فقال { فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ } .

والبغي : تجاوز الحق إلى الباطل في كل شيء . يقال بغت المرأة إذا أتت ما لا يحل لها . وبغى فلان على فلان إذا اعتدى عليه ، ومنه قوله - تعالى - : { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفيء إلى أَمْرِ الله } والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أو الأوقات ، وقوله : { بَغْياً } مفعول لأجله .

أي : إن بني إسرائيل أنعمنا عليهم بتلك النعم الدينية والدنيوية ، فما اختلفوا في أمور دينهم التي وضحناها لهم ، إلا عن علم لا عن جهل ، ولم يكن خلافهم في حال من الأحوال إلا من أجل البغي والحسد فيما بينهم ، لا من أجل الوصول إلى الحق .

فأنت ترى أن الجملة الكريمة توبخ إسرائيل توبيخا شديدا ، لأنها بينت أن خلافهم لم يكن عن جهل ، وإنما كان عن علم ، والاختلاف بعد العلم بالحق أقبح وأشنع ، وأن اختلافهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق ، وإنما كان سببه البغي والحسد .

فهم قد اختلقوا في الحق مع علمهم به ، لأن العلم كالمطر ، لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة النقية ، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس الصافية ، والقلوب الواعية . . . وعندما يستولي عليها الهوى ، تحول المقتضى إلى مانع .

ورحم الله الإِمام الرازي فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : والمقصود من هذه الجملة ، التعجب من أحوالهم ، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف . وها هنا صار مجيء العلم سببا لحصول الاختلاف ، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم ، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والبغي .

وقوله - تعالى - : { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة } بيان لحكم الله العادل فيهم .

أي : إن ربك - أيها الرسول الكريم - يقضي بين هؤلاء المختلفين يوم القيامة ، بقضائه العادل ، بأن ينزل بهم العقاب الذي يستحوقنه بسبب ما كانوا يختلفون يوم القيامة ، بقضائه العادل ، بأن ينزل بهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ما كانوا يختلفون فيه من أمر الدين ، الذي جعل الله أحكامه واضحة لهم ، ولا تحتمل الاختلاف أو التنازع .