الصبرُ حبسُ النَّفْس ، وذلك على ثلاث مراتب :
صبر على ما أُمرَ به العبد ، وصبر عما نُهي عنه ، وصبر هو الوقوف تحت جريان حكمه على ما يريد ؛ إمَّا في فوات محبوبك أو هجوم ما لا تستطيعه .
فإذا ترقيتَ عن هذه الصفة - بألا تصيبك مشقةٌ أو تنال راحةً - فذلك رضاً لا صبر ويقال الصابرين على أمر الله ، والصادقين ، فيما عاهدوا الله .
و{ القَانِتِينَ } ، بنفوسهم بالاستقامة في محبة الله .
و { المُسْتَغْفِرِينَ } عن جميع ما فعلوه لرؤية تقصيرهم في الله .
ويقال : { الصّابِرِينَ } بقلوبهم و{ وَالصَّادِقِينَ } بأرواحهم و{ وَالقَانِتِينَ } بنفوسهم ، و{ المُسْتَغْفِرِينَ } بألسنتهم .
ويقال " الصابرين " على صدق القصود " الصادقين " في العهود " القانتين " بحفظ الحدود و " المستغفرين " عن أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد .
ويقال " الصابرين " الذين صبروا على الطلب ولم يتعللوا بالهرب ولم يحتشموا من التعب ، وهجروا كل راحة وطلب . وصبروا على البلوى ، ورفضوا الشكوى ، حتى وصلوا إلى المولى ، ولم يقطعهم شيء من الدنيا والعقبى .
و " الصادقين " الذين صدقوا في الطلب فقصدوا ، ثم صدقوا حتى وردوا ، ثم صدقوا حتى شهدوا ، ثم صدقوا حتى وجدوا ، ثم صدقوا حتى فقدوا . . فترتيبهم قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود .
و " القانتين " الذين لازموا الباب ، وداوموا على تجرّع الاكتئاب ، وتركوا المحاب ، ورفضوا الأصحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب .
و{ وَالمُنفِقِينَ } الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال ، ( ثم جادوا بميسورهم من الأموال ) ، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال ، ثم جادوا بترك كل حظٍ لهم في العاجل والآجل ، استهلاكاً عند القرب والوصال بما لقوا من الاصطلام والاستئصال .
و{ وَالمُسْتَغْفِرِينَ } عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو عند الأسحار يعني ظهور الإسفار ، وهو فجر القلوب لا فجر يظهر في الأقطار .
17- { الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار } .
و القانتين : والمطيعين لله والخاضعين له المقربين بعبوديتهم له .
بالأسحار : الأسحار جمع سحر وهو آخر الليل قبيل الفجر .
الصابرين : على البأساء والضراء وحين البأس .
و الصادقين : في إيمانهم وأقوالهم ونياتهم .
و القانتين : المطيعين لله الخاضعين له .
والمنفقين : أموالهم في حقوق الله تعالى وحقوق ذويهم في أنواع البر التي ندبهم الله ورسوله إليها .
و المستغفرين بالأسحار أي هم يعبدون الله ويصلون بالليل وفي آخر الليل يستغفرون الله تعالى والأسحار جمع السحر وهو الهزيع الأخير من الليل قبل الفجر .
روى ابن جرير عن حاطب قال سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول يا رب أمرتني فأطعتك وهذا السحر فاغفر لي فنظرت فإذا هو ابن مسعود وثبت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال " ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير يقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفر لي فأغفر له ؟ " ( 138 ) .
و في رواية لمسلم : " ثم يبسط يديه تبارك وتعالى ويقول من يقرض غير عدوم ولا ظلوم ؟ " وفي رواية " حتى ينفجر الفجر " .
" ويروي أن بعض الصالحين قال لابنه : يا بني لا يكن الديك أحسن منك ينادي بالأسحار كونه وقت غفلة الناس عن التعرض للنفحات الرحمانية والألطاف الإلهية وعند ذلك تكون العبادة أشق والنية خالصة والرغبة وافرة مع قربه تعالى وتقدس من عباده " .
قال السيوطي : في الآية فضيلة الاستغفار في السحر وأن هذا الوقت أفضل الأوقات وقال الرازي : واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان وفي كل العبودية " ( 139 ) .
قال الزمرخشي : الواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.