لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ} (181)

هذا الخطاب لو كان بين المخلوقين لكان شكوى . والشكوى إلى الأولياء من الأعداء سُنَّةُ الأحباب .

ويقال علم أن في المؤمنين مَنْ يغتاب الناس ، وذلك قبيح من قالتهم ، فَأَظْهَرَ قُبْحاً فوق ذلك ليتصاغر قبح قول المؤمنين بالإضافة إلى قبح قول الكفار ، فكأنه قال : لئن قبحت قالتهم في الاغتياب فأقبحُ من قولهم قولُ الكفار حيث قالوا في وصفنا ما لا يليق بنعمتنا .

وفيه أيضاً إشارة إلى الدعاء إلى الخَلْق ، والتجاوز عن الخَصْم ، فإن الله - سبحانه - لم يسلبهم ما أولاهم مع قبيح ما ارتكبوه من التقصير في حقوقه .

قوله : { سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا } : هذه الكلمة من موجبات الخجلة لأهل التقصير بأدقّ إشارة ؛ يعني أنهم وإنْ نَسُوا أحوالهم وأقوالَهم فإنا ننشر لهم ما كتبنا عليهم قال قائلهم :

صحائفُ عِنْدِي للعِتاب طويتها *** سَتُنْشَرُ يوماً والعتابُ يطولُ

سأصبر حتى يجمع الله بيننا *** فإنْ نلتقِ يوماً فسوف أقول

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ} (181)

180

181- { لقد سمع فالله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء . . } .

المفردات :

سنكتب ما قالوا : أي سنعاقب عليه ولا نهمله .

ونقول ذوقوا عذاب الحريق : أصل الذوق وجود الطعم في الفم ثم استعمل في إدراك المحسوسات والحريق المحرق المؤلم وعذاب الحريق أي عذاب هو الحريق أي سننتقم منهم .

التفسير :

أي قد سمع الله قول هؤلاء الكافرين الذين قالوا هذه المقالة ولم يخف عليه وسيجزيهم عليه أشد الجزاء .

وهذا أسلوب يتضمن التهديد والوعيد كما يتضمن البشارة والوعد بحسن الجزاء في نحو " سمع الله لمن حمده " ويضمن مزيد العناية وإرادة الإغاثة وإزالة الشكوى في نحو { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلا الله والله يسمع تحاوركما } . ( المجادلة 1 ) . إذ سمع الله لعباده يراد به مراقبته لهم في اقوالهم ويلزم من ذلك المعاني التي ذكرناها آنفا .

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة 645 ) . فقالوا يا محمد أفقير ربك يسأل عباده القرض ونحن اغنياء ؟ فأنزل الله : { لقد سمع الله . . الآية } .

{ سنكتب ما قالوا } . أي سنعاقبهم على ذلك عقابا لا شك فيه إذ يلزم من كتابة الذنب وحفظه العقوبة عليه وعلى استعمال شائع في اللغة .

{ وقتلهم الانبياء بغير حق } . أي قتل سلفهم لهم وإنما نسبه إليهم للإشارة إلى أنهم راضون بما فعلوه .

وهذا يدل على أن الأمم متكافلة في الأمور العامة ويجب على أفرادها الإنكار على من يفعل المنكر أو تغييره أو النهي عنه لئلا يفشو فيها فيصير خلقا من أخلاقها وعادة مستحكمة فيها فيستحق العقوبة في الدنيا بالضيق والفقر والعقوبة في الآخرة بتدنيس نفوسها وإن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم ويطبقه على أحكام الشريعة فيستحسن منها ما تستحسنه ويستهجن ما يستهجنه – عد شريكا له في إثمه ومستحقا لمثل عقوبته .

{ ونقول ذوقوا عذاب الحريق } . أي سننتقم منهم ونقول لهم هذه المقالة .

ذلك لأنهم قالوا ما قالوا وقتلوا من الانبياء من قتلوا فأذاقوا المسلمين وأتباع الأنبياء ألوانا من العذاب وأحرقوا قلوبهم بلهب الإيذاء والكرب فجوزوا بهذا العذاب الشديد وقيل لهم : ذوقوا عذاب الحريق كما أذقتم أولياء الله في الدنيا ما يكرهون .

والخلاصة ذوقوا ما أنتم فيه فلستم بمتخلصين منه فلستم بمتخلصين منه ، وهذا قول يلقى التشفي الدال على كمال الغيظ والغضب .