قول المظلوم في ظالمه - على وجه الإذن له - ليس بسوءٍ في الحقيقة ، لكنه يصح وقوع لفظة السوء عليه كقوله تعالى :{ وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا }[ الشورى : 40 ] والجزاء ليس بسيئة .
ويقال مَنْ عَلِمَ أن مولاه يسمع استحيا من النطق بكثيرٍ مما تدعو نفسه إليه .
ويقال الجهر بالسوء هو ما تسمعه نفسك منك فيما تُحدِّثُ في نفسك من مساءة الخلق ؛ فإن الخواص يحاسبون على ما يتحدثون في أنفسهم بما ( يعد ) لا يُطالَب به كثيرٌ من العوام فيما يَسمعُ منهم الناس .
قوله : { إلاَّ مَن ظُلِمَ } : قيل ولا من ظُلِمَ . وقيل معناه ولكن مَنْ ظُلِمَ فله أنْ يذكرَ ظالمَه بالسوء .
ويقال من لم يُؤثِرْ مدحَ الحقِّ على القَدْحِ في الخَلْق فهو المغبون في الحال .
ويقال من طَالَعَ الخلْقَ بعين الإضافة إلى الحق بأنهم عبيد الله لم يبسط فيهم لسان اللوم ؛ يقول الرجل لصاحبه : " أنا أحْتَمِل من ( . . . . ) خدمتك لك ما لا أحتمله من ولدي " ، فإذا كان مثل هذا معهوداً بين الخلق فالعبد بمراعاة هذا الأدب - بينه وبين مولاه - أوْلى .
ويقال لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من العوام ، ولا يحب ذلك بخطوره من الخواص .
ويقال الجهر بالسوء من القول من العوام أن يقول في صفة الله ما لم يَرِدْ به الإذن والتوفيق .
والجهر بالسوء من القول في صفة الخَلْق أن تقول ما ورد الشرع بالمنع منه ، وتقول في صفة الحق ما لا يتصف به فإنك تكون فيه كاذباً ، وفي صفة الخلق عن الخواص ما اتصفوا به من النقصان - وإن كنت فيه صادقاً .
قوله : { وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } : سميعاً لأقوالكم ، عليماً بعيوبكم ، يعني لا تقولوا للأغيار ما تعلمون أنكم بمثابتهم .
ويقال سميعاً لأقوالكم عليماً ببراءةِ ساحةِ مَنْ تَقَوَّلْتُم عليه ، فيكون فيه تهديد للقائل - لبرئ الساحة - بما يتقوَّلُ عليه .
ويقال سميعاً : أيها الظالم ، عليمًا : أيها المظلوم ؛ تهديدٌ لهؤلاء وتبشيرٌ لهؤلاء .
لا يحب الله الجهر بالسوء من القول : أي لا يرضى الله عن إفشاء القبيح من القول في الناس ؛ بذمهم وذكر معايبهم .
148- لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا . حث الإسلام على الالتزام بآداب النطق والخطاب وحذر من السخرية والاستهزاء والهمز واللمز .
وفي الأثر ( إن الله يبغض الفاحش من القول ) وفي الآية بيان أن الله سبحانه وتعالى يحب للمؤمنين أن يلتزموا النطق بالكلمة الطيبة والأسلوب الهادئ الجميل ، ويكره سبحانه للمؤمنين أن يجهروا بالسوء من القول- كالسب والشتم والتجريح والإهانة- إلا في حالة وقوع ظلم عليهم ، ففي هذه الحالة يجوز لهم أن يجهروا بالسوء من القول حتى يرتدع الظالم عن ظلمه . وهذا الحق الذي أعطى للمظلوم يشمل أن يشكو ظالمه أمام القضاء .
وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا . . . أي أن الله سميع للجهر والسر ، عليم بكل شيء ، وهو تذييل قصد به التحذير من التعدي في الجهر المأذون فيه ، ووعد للمظلوم بأنه تعالى يسمع شكواه ودعاءه أي : وكان الله سميعا لكل ما يسر به المسرون أو يجهر به المجاهرون .
عليما . . . بما يدور من بواعث وهواجس ، وسيجازي كل إنسان بأقواله وأعماله .
والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه- ولكن مع الاقتصاد- إن كان مؤمنا ، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا . . . وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيت قال : " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " {[138]} وروى أبو داود عن عائشة أنها ( سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه ) أي على السارق فقال صلى الله عليه وسلم ( لا تسبخي عنه ) {[139]} أي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه {[140]}
جاء في التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية :
ومن الجهر بالسوء من القول : إذاعة ( التمثيليات والأفلام ) المشتملة على القصص الفاجرة ، التي تبرز فيها الرذيلة ، وتسلط الأضواء على ممثلات الإغراء الجنسي ، وتسمع فيها العبارات المخجلة ، والأصوات المنكرة المغرية بالإثم ، وترى فيها الصور المفسدة لأخلاق الذكور والإناث ، الكبار منهم والصغار ، فذلك يبغضه الله ولا يحبه ، بل إنه تعالى يعاقب عليه أشد العقاب ، لخطورته على الأخلاق .
ومن الجهر بالسوء : نشر كتب الجنس وصوره التي تحرض الشباب على الفسق والانحلال الخلقي ، وتستأصل المناعة الخلقية- في شبابنا المسلم- من أصولها {[141]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.