هذه الآية من الآيات التي توجب حُسْنَ الرجاء وقوة الأمل ، لأنه جعل من أمارات الأمان من العقوبات شيئين اثنين : الشكر والإيمان ، وهما خصلتان يسيرتان خفيفتان ؛ فإن الشكر قالة ، والإيمان حالة ، ولقد هوَّن السبيل على العبد حين رضي منه بقالته وحالته . والشكر لا يصح إلا من المؤمنين فأمَّا الكافر فلا يصح منه الشكر ؛ لأن الشكر طاعته والطاعة لا تصح من غير المؤمن .
وقوله : { وَآمَنتُمْ } يعني في المآل ؛ فكأنه بيَّن ان النجاة إنما تكون لمن كانت عاقبته على الإيمان ، فمعنى الآية لا يعذبكم الله عذاب التخليد ، إن شكرتم في الحال وآمنتم في المآل .
ويقال : إن شكرتم وآمنتم صدقتم بأن نجاتكم بالله لا بشكركم وبإيمانكم .
ويقال الشكر شهود النعمة من الله والإيمان رؤية الله في النعمة ، فكأنه قال : إن شاهدتم النعمة من الله فلا يقطعنَّكم شهودها عن شهود المُنْعِم .
وقوله : { وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } أي والله شاكر عليم ، ومعنى كونه شاكراً أنه مادِحٌ للعبد ومُشْهِدٌ عليه فيما يفعله لأن حقيقة الشكر وحَدَّه الثناء على المُحْسِن بذكر إحسانه ؛ فالعبد يشكر الله أي يثني عليه بذكر إحسانه إليه الذي هو نعمته عليه ، والربُّ يشكر للعبد أن يثني عليه بذكر إحسانه الذي هو طاعته له ، فإن الله يثني عليه بما يفعله من الطاعة مع علمه بأن له ذنوباً كثيرة .
ويقال يشكره - وإنْ عِلِمَ أنه سيرجع في المستأنف إلى قبيح أعماله .
ويقال يشكره لأنه يعلم ضعفه ، ويقال يشكره لأنه يعلم أنه لا يعصي وقَصْدُه مخالفةُ ربِّه ولكنه يُذْنِبُ لاستيلاء أحوال البشرية عليه من شهوات غالبة .
ويقال يشكره لأن العبد يعلم في حالة ذنوبه أنه له ربّاً يغفر له .
وكان الله شاكرا : أي : كان_ ولا يزال _ مثيبا على الشكر .
_147مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ . . .
أي منفعة له سبحانه في عذابهم ؟ إن شكرتم وآمنتم أيتشفى من الغيظ_ حاشا لله_ ؟ وأم يدرك به الثأر ، أم يدفع به الضر ، ويستجلب النفع ؟ وهو الغنى عنكم ؟ !
قال الإمام الشوكاني في تفسيره : فتح القدير :
هذه الجملة متضمنة لبيان أنه لا غرض له سبحانه في التعذيب إلا مجرد المجازاة للعصاة .
و المعنى : أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم ، فإن ذلك لا يزيد في ملكه ، كما أن ترك عذابكم لا ينقص من سلطانه ؟ !
وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا . أي : أي يشكر عباده على طاعته ؛ فيثيبهم عليها ويتقبلها منهم .
والشكر في اللغة : الظهور يقال : دابة شكور ؛ إذا ظهر من سمنها فوق ما تعطي من العلف .
فالله سبحانه وتعالى يعطي على العمل القليل الثواب الجزيل وهو واسع العلم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض .
فما أعظم فضله ، وما أجزل نعمه ، وما أكثر عطاءه . وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها .
وكان من دعاء رسوله الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل : ( ( اللهم ، لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد . أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ضياء السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد . لا إله إلا أنت وعدك حق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والنبيون حق ، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق ) ) {[137]} .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات : تمت كتابة تفسير القرآن الكريم ( الجزء الخامس ) ضحى يوم الأربعاء 28 شوال 1407 ه الموافق 24 يونيو 1987 م بمنيل الروضة القاهرة ، والحمد لله رب العالمين .
اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.