جاء موسى مجيء المشتاقين مجيء المهيَّمِين ، جاء موسى بلا موسى ، جاء موسى ولم يَبْقَ من موسى شيءٌ لموسى . آلافُ الرجال قطعوا مسافاتٍ طويلة فلم يذكرهم أحد ، وهذا موسى خطا خطواتٍ فإلى القيامة يقرأ الصبيان : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى } .
ويقال لمَّا جاء موسى لميقات باسطِ الحقِّ - سبحانه - سقط بسماع الخطاب ، فلم يتمالك حتى قال : { أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ } ، فإنَّ غَلَبَاتِ الوجد عليه استنطقته بطلب كمال الوصلة من الشهود ، وكذا قالوا :
وأبرحُ ما يكونُ الشوقُ يوماً *** إذا دَنَتْ الخيامُ من الخيام
ويقال صار موسى - عليه السلام - عند سماع الخطاب بعين السُّكْر فنطق ما نطق ، والسكران لا يُؤخذ بقوله ، ألا ترى أنه ليس في نص الكتاب معه عتاب بحرف ؟
ويقال أخذته عِزَّةُ السَّمَاعِ فخرج لسانه عن طاعته جرياً على مقتضى ما صحبه مِنَ الأَرْيَحَيَّةِ وبَسْطِ الوصلة .
ويقال جمع موسى - عليه السلام - كلماتٍ كثيرةً يتكلم بها في تلك الحالة ؛ فإن في القصص أنه كان يتحمل في أيام الوعد كلمات الحق ، ويقول لمعارفه : ألكم حاجة إلى الله ؟ ألكم كلام معه ؟ فإني أريد أن أمضي إلى مناجاته .
ثم إنه لما جاء وسمع الخطاب لم يذكر - مما دبَّره في نفسه ، وتحمله من قومه ، وجمعه في قلبه - شيئاً لا حرفاً ، بل نطق بما صار في الوقت غالباً على قلبه ، فقال : { رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } وفي معناه أنشدوا :
فيا ليلَ كم من حاجةٍ لي مهمة *** إذا جئتُكم ليلى فلم أدرِ ماهِيَا
ويقال أشدُّ الخَلْقِ شوقاً إلى الحبيب أقربُهم من الحبيب ؛ هذا موسى عليه السلام ، وكان عريق الوصلة ، واقفاً في محل المناجاة ، محدقة به سجوفُ التولي ، غالبة عليه بوادِهُ الوجود ، ثم في عين ذلك كان يقول : { رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ } كأنه غائب عن الحقيقة . ولكن ما ازداد القومُ شَرْباً إلا ازدادوا عطشاً ، ولا ازدادوا تيماً إلا ازدادوا شوقاً ، لأنه لا سبيل إلى الوصلة إلا بالكمال ، والحقُّ - سبحانه - يصونُ أسرار أصفيائه عن مداخلة الملال .
ويقال نطق موسى عليه السلام بلسان الافتقار فقال { رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ } ولا أقلَّ من نظرة - والعبد قتيل هذه القصة - فقوبل بالردِّ ، وقيل له : { لَنْ تَرَانِى } وكذا قهر الأحباب ولذا قال قائلهم :
جَوْرُ الهوى أحسن من عَدْلِه *** وبخله أظرف من بذله
ويقال لمَّا صرَّح بسؤال الرؤية ، وجهر صريحاً رُدَّ صريحاً فقيل له : { لَن تَرَانِى } ، ولما قال نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - بِسِرِّه في هذا الباب ، وأشار إلى السماء منتظراً الرد والجواب من حيث الرمز نزل قوله تعالى :{ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا }[ البقرة : 144 ] فردَّه إلى شهود الجهات والأطلال إشارة إلى أنه أعزُّ من أن يطمح إلى شهوده - اليوم - طَرْفٌ ، بل الألحاظ مصروفة موقوفة - اليومَ - على الأغيار .
ويقال لما سَمَتْ همَّتُه إلى أسنى المطالب - وهي الرؤية - قوبل " بِلَنْ ، ولمَّا رجِعَ إلى الخلْق وقال للخضر{ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا }[ الكهف : 66 ] ، قال الخضر :{ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا }[ الكهف : 67 ] فقابله بلن ، فصار الردُّ موقوفاً على موسى - عليه السلام من الحق ومن الخلْق ، ليكون موسى بلا موسى ، ويكون موسى صافياً عن كل نصيب لموسى من موسى ، وفي قريب منه أنشدوا :
( . . . . . . ) نحنُ أهلُ منازلٍ *** أبداً غرابُ البيْن فينا ينعق
ويقال طلب موسى الرؤية وهو بوصف التفرقة فقال : { رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } فأجيب بلن لأن عين الجمع أتم من عين الفَرْق . فزع موسى حتى خَرَّ صعقاً ، والجبل صار دَكَّاً . ثم الروْح بعد وقوع الصعقة على القالب مكاشفته بما هو حقائق الأحدية ، ويكون الحقُّ - بعد امتحاء معالم موسى - خيراً لموسى من بقاء موسى لموسى ، فعلى الحقيقة : شهود الحقائق بالحقِّ أتمُ من بقاء الخلق بالخلق ، كذا قال قائلهم :
ولوجهها من وجهها قمرٌ *** ولعينها من عينها كحل
ويقال البلاء الذي ورد على موسى بقوله : { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } أتمُّ وأعظم منه قولُه : { لَن تَرَانِى } لأن ذلك صريحٌ في الرد ، وفي اليأس راحة . لكنَّه لما قال فسوف أطْمِعُه فيما مُنعِه فلما اشتد موقُفه جعل الجبل دكاً ، وكان قادراً على إمساك الجَبَل ، لكنه قهر الأحباب الذي به جَرَتْ سُنَّتُهم .
ويقال في قوله : { انظُرْ إِلَى الجَبَلِ } بلاءٌ شديد لموسى لأنه نُفِيَ عن رؤية مقصوده ومُنِيَ برؤية الجبل ، ولو أذِنَ أَنْ يُغْمِضَ جفنَه فلا ينظر إلى شيء بعدما بقي عن مراده من رؤيته لكان الأمرُ أسهلَ عليه ، ولكنه قال له : { لَن تَرَانِى وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ } .
ثم أشدُّ من ذلك أنه أعطى الجبل التَّجليَ ؛ فالجبل رآه وموسى لم يَرَه ، ثم أَمَرَ موسى بالنظر إلى الجبل الذي قدم عليه في هذا السؤال ، وهذا - واللهِ - لصعبٌ شديد ! ! ولكن موسى لم ينازع ، ولم يقل أنا أريد النظر إليك فإذا لم أرَكَ لا أنظر إلى غيرك بل قال : لا أرفع بصري عما أمرتني بأن أنظر إليه ، وفي معناه أنشدوا :
أريدُ وصالَه ويريد هجري *** فأترك ما أريد لما يريد
ويقال بل الحق سبحانه أراد بقوله : { وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ } تداركه قلبُ موسى - عليه السلام - حيث لم يترك على صريح الرد بل علله برفق كما قيل :
فذريني أفني قليلاً قليلاً *** . . .
ويقال لما رُدَّ موسى إلى حال الصحو وأفاق رجع إلى رأس الأمر فقال : { تُبْتُ إِلَيْكَ } يعني إن لم تكن الرؤية هي غاية المرتبة فلا أقل من التوبة ، فَقَبِلَه - تعالى - لسمو همته إلى الرتبة العلية .
قوله جلّ ذكره : { تُبْتُ إِلَيْكَ } .
هذه إناخة بعقوة العبودية ، وشرط الإنصاف ألا تبرحَ محلّ الخدمة وإِنْ حيل بينك وبين وجود القربة ؛ لأن القربةَ حظُّ نفسك ، والخدمةَ حقُّ ربك ، وهي تتم بألا تكون بحظ نفسك .
دكا : أي : مدكوكا منهارا مهدوما .
{ 143 – ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك . . . }
أي : ولما جاء موسى إلى الجبل لأجل ميقات ربه .
أي : بلا واسطة ولا كيفية فكلام الله الأزلي ليس كمثله شيء ، وقال بعضهم : أنه كان يسمع الكلام في سائر الجهات الأربع ومن جنبات نفسه .
قال النسفي : وذكر الشيخ في التأويلات : إن موسى عليه السلام سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى ، وكان اختصاصه باعتبار أنه أسمعه صوتا تولى تخليقه من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسبا لأحد من الخلق .
عن قتادة : لما سمع موسى الكلام ؛ طمع في الرؤية – أي : اشتياقا – للجمع بين فضيلتي الكلام والرؤية . فقال : رب ذاتك المقدسة ومكني من رؤيتك بأن تتجلى لي حتى أراك .
{ قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني .
أي : قال الله لموسى : لن تراني في دنياك هذه ، بالعين الفانية في هذه الدنيا الفانية ، بل بعين باقية في الدار الباقية .
معناه : أنك لا تثبت لرؤيتي ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرما وصلابة وقوة وهو الجبل فانظر إليه .
فإن استقر مكانه ، ولم يتزلزل عند رؤيتي له ؛ فسوف تراني .
وإن ضعف ذلك عن الجبل فأنت منه أضعف ، فهذا الكلام بمزلة ضرب المثل لموسى عليه السلام بالجبل ، وقيل : هو من باب التعليق بالمجال ، وعلى تسليم هذا ؛ فهو في الرؤية في الدنيا .
وقد تمسك بهذه الآية كلتا طائفتي المعتزلة والأشعرية :
فالمعتزلة استدلوا بقوله : لن تراني ، وبأمره أن ينظر إلى الجبل .
والأشعرية قالوا : إن تعليق الرؤية باستقرار الجبل يدل على أنها جائزة غير ممتنعة .
ولا يخفاك أن الرؤية الأخروية هي بمعزل عن هذا كله ، والخلاف بينهم هو فيها ، لا في الرؤية في الدنيا ، فقد كان الخلاف فيها في زمن الصحابة وكلامهم فيها معروف23 .
{ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } .
تجلى : معناه : ظهر من قولك جلوت العروس : أي أبرزتها ، وجلوت السيف : أخلصته من الصدإ ، وتجلى الشيء : انكشف .
والمعنى : فلما ظهر ربه للجبل جعله دكا .
أي : جعله مدكوكا مدقوقا ، فصار ترابا ، وفي حديث أنس مرفوعا : فساخ الجبل .
أي : سقط من هول ما رأى من النور الذي حصل به التجلي مغشيا عليه كمن أخذته الصاعقة .
{ فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } .
أي : فلما أفاق من غشيته وعاد إلى وعيه وفهمه وذهبت عنه تلك الشدة قال تعظيما لله وإجلالا لمقامه .
سبحانك : أنزهك يا رب عن مشابهتك لشيء من خلقك .
تبت إليك : أي : من الإقدام على السؤال بغير إذن منك .
وأنا أول المؤمنين : أي : من بني إسرائيل .
وفي رواية : عن ابن عباس : وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة .
" أن موسى لما نال فضيلة التكليم بلا واسطة فسمع من عالم الغيب ما لم يسمع من قبل ؛ تاقت نفسه أن يمنحه الرب شرف رؤيته فطلب ذلك منه وهو يعلم أنه ليس كمثله شيء ، لا في ذاته ولا في صفاته ، ولكن الله تبارك وتعالى قال له : لن تراني . ولكي يخفف عليه ألم الردّ ، أراه بعينيه من تجليه للجبل ، ما فهم منه أن المانع من جهته ، لا من جانب الفيض الإلهي ؛ حينئذ نزه الله وسبّحه ، وتاب إليه من هذا الطلب ؛ فبشره الله بأنه اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه ، وأمره أن يأخذ ما أعطاه ويكون من الشاكرين له " 24 .