في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ} (206)

204

ويمضي السياق يوضح معالم الصورة ببعض اللمسات :

( وإذا قيل له : اتق الله أخذته العزة بالإثم . فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) . .

إذا تولى فقصد إلى الإفساد في الأرض ؛ وأهلك الحرث والنسل ؛ ونشر الخراب والدمار ؛ وأخرج ما يعتمل في صدره من الحقد والضغن والشر والفساد . . إذا فعل هذا كله ثم قيل له : ( اتق الله ) . . تذكيرا له بخشية الله والحياء منه والتحرج من غضبه . . أنكر أن يقال له هذا القول ؛ واستكبر أن يوجه إلى التقوى ؛ وتعاظم أن يؤخذ عليه خطأ وأن يوجه إلى صواب . وأخذته العزة لا بالحق ولا بالعدل ولا بالخير ولكن( بالإثم ) . . فاستعز بالإجرام والذنب والخطيئة ، ورفع رأسه في وجه الحق الذي يذكر به ، وامام الله بلا حياء منه ؛ وهو الذي كان يشهد الله على ما في قلبه ؛ ويتظاهر بالخير والبر والإخلاص والتجرد والاستحياء !

إنها لمسة تكمل ملامح الصورة ، وتزيد في قسماتها وتمييزها بذاتها . . وتدع هذا النموذج حيا يتحرك . تقول في غير تردد : هذا هو . هذا هو الذي عناه القرآن ! وأنت تراه أمامك ماثلا في الأرض الآن وفي كل آن !

وفي مواجهة هذا الاعتزاز بالإثم ؛ واللدد في الخصومة ؛ والقسوة في الفساد ؛ والفجور في الإفساد . . في مواجهة هذا كله يجبهه السياق باللطمة اللائقة بهذه الجبلة النكدة :

( فحسبه جهنم ، ولبئس المهاد ! ) . .

حسبه ! ففيها الكفاية ! جهنم التي وقودها الناس والحجارة . جهنم التي يكبكب فيها الغاوون وجنود إبليس أجمعون . جهنم الحطمة التي تطلع على الأفئدة . جهنم التي لا تبقي ولا تذر . جهنم التي تكاد تميز من الغيظ ! حسبه جهنم ( ولبئس المهاد ! )ويا للسخرية القاصمة في ذكر( المهاد )هنا . . ويا لبؤس من كان مهاده جهنم بعد الاعتزاز والنفخة والكبرياء !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ} (206)

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله } في فعلك { أَخَذَتْهُ العزة } أي احتوت عليه وأحاطت به ، وصار كالمأخوذ بها ، والعزة في الأصل خلاف الذل وأريد بها الأنفة والحمية مجازاً { بالإثم } أي مصحوباً أو مصحوبة به أو بسبب إثمه السابق ، ويجوز أن يكون أخذ من الأخذ بمعنى الأسر ، ومنه الأخيذ للأسير ، أي جعلته العزة وحمية الجاهلية أسيراً بقيد الإثم لا يتخلص منه { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } مبتدأ وخبر أي كافيه جهنم وقيل : جهنم فاعل لحسبه ساد مسدّ خبره ، وهو مصدر بمعنى الفاعل وقوي لاعتماده على الفاء الرابطة للجملة بما قبلها ، وقيل : حسب اسم فعل ماض بمعنى كفى وفيه نظر وجهنم علم لدار العقاب أو لطبقة من طبقاتها ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث ، وهي من الملحق بالخماسي بزيادة الحرف الثالث ووزنه فعنلل ، وفي «البحر » إنها مشتقة من قولهم : ركية جهنام إذا كانت بعيدة القعر وكلاهما من الجهم ، وهي الكراهية ، والغلظ ، ووزنها فعنل ، ولا يلتفت لمن قال : وزنها فعنلل كعرندس ، وأن فعنلا مفقود لوجود فعنل نحو دونك وخفنك وغيرهما ، وقيل : إنها فارسي وأصلها كهنام فعرّبت بإبدال الكاف جيماً وإسقاط الألف والمنع من الصرف حينئذٍ للعلمية والعجمة { وَلَبِئْسَ المهاد } جواب قسم مقدر ، والمخصوص بالذم محذوف لظهوره وتعينه ، والمهاد الفراش ، وقيل : ما يوطئ للجنب والتعبير به للتهكم وفي الآية ذم لمن يغضب إذا قيل له اتق الله ولهذا قال العلماء : إذا قال الخصم للقاضي : اعدل ونحوه له أن يعزره ، وإذا قال له : اتق الله لا يعزره . وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «إنّ من أكبر الذنب أن يقول الرجل لأخيه : اتق الله تعالى فيقول : عليك بنفسك عليك بنفسك » .

( ومن باب الإشارة ) : { وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله } حملته الحمية النفسانية حمية الجاهلية على الإثم لجاجاً وحباً لظهور نفسه وزعماً منه أنه أعلم بالله سبحانه من ناصحه { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } [ البقرة : 6 20 ] أي يكفيه حبسه في سجين الطبيعة وظلماتها ، وهذه صفة أكثر أرباب الرسوم الذين حجبوا عن إدراك الحقائق بما معهم من العلوم

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ} (206)

قوله تعالى : { وإذا قيل له اتق الله } . أي خف الله .

قوله تعالى : { أخذته العزة بالإثم } . أي حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم أي بالظلم ، والعزة : التكبر والمنعة ، وقيل معناه : أخذته العزة للإثم الذي في قلبه ، فأقام الباء مقام اللام .

قوله تعالى : { فحسبه جهنم } . أي كافيه .

قوله تعالى : { ولبئس المهاد } . أي الفراش ، قال عبد الله بن مسعود : إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال : للعبد اتق الله ، فيقول : عليك بنفسك . وروي أنه قيل لعمر بن الخطاب : اتق الله ، فوضع خده على الأرض تواضعاً لله عز وجل .