ثم يعلن في الآفاق ، على الناس جميعا ، إعلانا مدويا عاما . . يعلن عن ضعف الآلهة المدعاة ؛ الآلهة كلها التي يتخذها الناس من دون الله . ومن بينها تلك الآلهة التي يستنصر بها أولئك الظالمون ، ويركن إليها أولئك الغاشمون . يعلن عن هذا الضعف في صورة مثل معروض للأسماع والأبصار ، مصور في مشهد شاخص متحرك ، تتملاه العيون والقلوب . . مشهد يرسم الضعف المزري ويمثله أبرع تمثيل :
( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ) . .
إنه النداء العام ، والنفير البعيد الصدى : ( يا أيها الناس ) . . فإذا تجمع الناس على النداء أعلنوا أنهم أمام مثل عام يضرب ، لا حالة خاصة ولا مناسبة حاضرة : ( ضرب مثل فاستمعوا له ) . . هذا المثل يضع قاعدة ، ويقرر حقيقة . ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ) . . كل من تدعون من دون الله من آلهة مدعاة . من أصنام وأوثان ، ومن أشخاص وقيم وأوضاع ، تستنصرون بها من دون الله ، وتستعينون بقوتها وتطلبون منها النصر والجاه . . كلهم ( لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ) . . والذباب صغير حقير ؛ ولكن هؤلاء الذين يدعونهم آلهة لا يقدرون - ولو اجتمعوا وتساندوا - على خلق هذا الذباب الصغير الحقير !
وخلق الذباب مستحيل كخلق الجمل والفيل . لأن الذباب يحتوي على ذلك السر المعجز سر الحياة . فيستوي في استحالة خلقه مع الجمل والفيل . . ولكن الأسلوب القرآني المعجز يختار الذباب الصغير الحقير لأن العجز عن خلقه يلقي في الحس ظل الضعف أكثر مما يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل ! دون أن يخل هذا بالحقيقة في التعبير . وهذا من بدائع الأسلوب القرآني العجيب !
ثم يخطو خطوة أوسع في إبراز الضعف المزري : ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ) . . والآلهة المدعاة لا تملك استنقاذ شيء من الذباب حين يسلبها إياه ، سواء كانت أصناما أو أوثانا أو أشخاصا ! وكم من عزيز يسلبه الذباب من الناس فلا يملكون رده . وقد اختير الذباب بالذات وهو ضعيف حقير . وهوفي الوقت ذاته يحمل أخطر الأمراض ويسلب أغلى النفائس : يسلب العيون والجوارح ، وقد يسلب الحياة والأرواح . . إنه يحمل ميكروب السل والتيفود والدوسنتاريا والرمد . . ويسلب ما لا سبيل إلى استنقاذه وهو الضعيف الحقير !
وهذه حقيقة أخرى كذلك يستخدمها الأسلوب القرآني المعجز . . ولو قال : وإن تسلبهم السباع شيئا لا يستنقذوه منها . . لأوحى ذلك بالقوة بدل الضعف . والسباع لا تسلب شيئا أعظم مما يسلبه الذباب ! ولكنه الأسلوب القرآني العجيب !
ويختم ذلك المثل المصور الموحي بهذا التعقيب : ( ضعف الطالب والمطلوب ) . ليقرر ما ألقاه المثل من ظلال ، وما أوحى به إلى المشاعر والقلوب !
{ يأَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ } أي بين لكم حال مستغربة أو قصة بديعة رائقة حقيقة بأن تسمى مثلاً وتسير في الأمصار والأعصار ، وعبر عن بيان ذلك بلفظ الماضي لتحقق الوقوع ، ومعنى المثل في الأصل المثل ثم خص بما شبه بمورده من الكلام فصار حقيقة ثم استعير لما ذكر ، وقيل المثل على حقيقته و { ضُرِبَ } بمعنى جعل أي جعل لله سبحانه شبه في استحقاق العبادة وحكي ذلك عن الأخفش ، والكلام متصل بقوله تعالى : { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } [ الحج : 71 ] { فاستمعوا لَهُ } أي للمثل نفسه استماع تدبر وتفكر أو لأجله ما أقول فقوله تعالى : { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } إلى آخره بيان للمثل وتفسير له على الأول وتعليل لبطلان جعلهم معبوداتهم الباطلة مثلاً لله تعالى شأنه في استحقاق العبادة على الثاني ، ومنهم من جعله على ما ذكرنا وعلى ما حكي عن الأخفش تفسيراً أما على الأول فللمثل نفسه بمعناه المجازي وأما على الثاني فلحال المثل بمعناه الحقيقي ، فإن المعنى جعل الكفار لله مثلاً فاستمعوا لحاله وما يقال فيه ، والحق الذي لا ينكره إلا مكابر أن تفسير الآية بما حكى فيه عدول عن المتبادر .
والظاهر أن الخطاب في { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } لجميع المكلفين لكن الخطاب في { تَدْعُونَ } للكفار . واستظهر بعضهم كون الخطاب في الموضعين للكفار والدليل على خصوص الأول الثاني ، وقيل هو في الأول للمؤمنين ناداهم سبحانه ليبين لهم خطأ الكافرين ، وقيل هو في الموضعين عام وأنه في الثاني كما في قولك : أنتم يا بني تميم قتلتم فلاناً وفيه بحث .
وقرأ الحسن . ويعقوب . وهارون . والخفاف . ومحبوب عن أبي عمرو { يَدَّعُونَ } بالياء التحتية مبنياً للفاعل كما في قراءة الجمهور . وقرأ اليماني . وموسى الأسواري { يَدَّعُونَ } بالياء من تحت أيضاً مبنياً للمفعول ، والراجع للموصول على القراءتين السابقتين محذوف { لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } أي لا يقدرون على خلقه مع صغره وحقارته ، ويدل على أن المراد نفي القدرة السباق مع قوله تعالى : { وَلَوِ اجتمعوا لَهُ } أي لخلقه فإن العرف قاض بأنه لا يقال : لن يحمل الزيدون كذا ولو اجتمعوا لحمله إلا إذا أريد نفي القدرة على الحمل ، وقيل جاء ذلك من النفي بلن فإنها مفيدة لنفي مؤكد فتدل على منافاة بين المنفى وهو الخلق والمنفى عنه وهو المعبودات الباطلة فتفيد عدم قدرتها عليه ، والظاهر أن هذا لا يستغنى عن معونة المقام أيضاً ، وأنت تعلم أن في إفادة لن النفي المؤكد خلافاً ؛ فذهب الزمخشري إلى إفادتها ذلك وأن تأكيد النفي هنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل وقال في أنموذجه بإفادتها التأبيد .
وذهب الجمهور وقال أبو حيان : هو الصحيح إلى عدم إفادتها ذلك وهي عندهم أخت لا لنفي المستقبل عند الإطلاق بدون دلالة على تأكيد أو تأبيد وأنه إذا فهم فهو من خارج وبواسطة القرائن وقد يفهم كذلك مع كون النفي بلا فلو قيل هنا لا يخلقون ذباباً ولو اجتمعوا له لفهم ذلك ، ويقولون في كل ما يستدل به الزمخشري لمدعاه : إن الإفادة فيه من خارج ولا يسلمون أنها منها ولن يستطيع إثباته أبداً . والانتصار بأن سيفعل في قوة مطلقة عامة ولن يفعل نقيضه فيكون في قوة الدائمة المطلقة ولا يتأتى ذلك إلا بإفادة لن التأبيد ليس بشيء أصلاً كما لا يخفى ، وكأن الذي أوقع الزمخشري في الغفلة فقال ما قال اعتماداً على ما لا ينتهض دليلاً شدة التعصب لمذهبه الباطل واعتقاده العاطل نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الخذلان ، والذباب اسم جنس ويجمع على أذبة وذبان بكسر الذال فيهما وحكى في البحر ضمها في ذبان أيضاً ، وهو مأخوذ من الذب أي الطرد والدفع أو من الذب بمعنى الاختلاف أي الذهاب والعود وهو أنسب بحال الذباب لما فيه من الاختلاف حتى قيل : إنه منحوت من ذب آب أي طرد فرجع ، وجواب { لَوْ } محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والجملة معطوفة على شرطية أخرى محذوفة ثقة بدلالة هذه عليها أي لو لم يجتمعوا له ويتعاونوا عليه لن يخلقوه ولو اجتمعوا له وتعاونوا عليه لن يخلقوا وهما في موضع الحال كأنه قيل : لن يخلقوا ذباباً على كل حال .
وقال بعضهم : الواو للحال { وَلَّوْاْ اجتمعوا لَهُ } بجوابه حال ، وقال آخرون : إن { لَوْ } هنا لا تحتاج إلى جواب لأنها انسلخت عن معنى الشرطية وتمحضت للدلالة على الفرض والتقدير ، والمعنى لن يخلقوا ذباباً مفروضاً اجتماعهم { وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً } بيان لعجزهم عن أمر آخر دون الخلق أي وإن يأخذ الذباب منها شيئا { لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } أي لا يقدروا على استنقاذه منه مع غاية ضعفه .
والظاهر أن استنقذ بمعنى نقذ ، وفي الآية من تجهيلهم في إشراكهم بالله تعالى القادر على جميع الممكنات المتفرد بإيجاد كافة الموجودات عجزة لا تقدر على خلق أقل الأحياء وأذلها ولو اجتمعوا له ولا على استنقاذ ما يختطفه منهم ما لا يخفى . والآية وإن كانت نازلة في الأصنام فقد كانوا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يطلونها بالزعفران ورؤسها بالعسل ويغلقون عليها فيدخل الذباب من الكوى فيأكله ، وقيل : كانوا يضمخونها بأنواع الطيب فكان الذباب يذهب بذلك إلا أن الحكم عام لسائر المعبودات الباطلة .
{ ضَعُفَ الطالب والمطلوب } تذييل لما قبل اختبار أو تعجب والطالب عابد غير الله تعالى والمطلوب الآلهة كما روي عن السدى .
والضحاك ، وكون عابد ذلك طالباً لدعائه إياه واعتقاده نفعه ، وضعفه لطلبه النفع من غير جهته ، وكون الآخر مطلوباً ظاهراً كضعفه ، وقيل الطالب الذباب يطلب ما يسلبه عن الآلهة والمطلوب الآلهة على معنى المطلوب منه ما يسلب .
وروي ابن مردويه . وابن جرير . وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما واختاره الزمخشري أن الطالب الأصنام والمطلوب الذباب ، وفي هذا التذييل حينئذ ايهام التسوية وتحقيق أن الطالب أضعف لأنه قدم عليه أن هذا الخلق الأقل هو السالب وذلك طالب خاب عن طلبته ولما جعل السلب المسلوب لهم وأجراهم مجرى العقلاء أثبت لهم طلباً ولما بين أنهم أضعف من أذل الحيوانات نبه به على مكان التهكم بذلك . ومن الناس من اختار الأول لأنه أنسب بالسياق إذ هو لتجهيلهم وتحقير ءالهتهم فناسب إرادتهم وآلهتهم من هذا التذييل .
ومن باب الإشارة :وفي قوله تعالى : { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } [ الحج : 73 ] الخ إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى وينذرون لهم النذور والعقلاء منهم يقولون : إنهم وسائلنا إلى الله تعالى وإنما ننذر لله عز وجل ونجعل ثوابه للولي ، ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين إن { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [ الزمر : 3 ] ، ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم أو رد غائبهم أو نحو ذلك ، والظاهر من حالهم الطلب ، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل : انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا ، ورأيت كثيراً منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء ، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعاً في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم ، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة وإذا طولبوا بالدليل قالوا : ثبت ذلك بالكشف قاتلهم الله تعالى ما أجهلهم وأكثر افترائهم ، ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة ، وعلماؤهم يقولون : إنما تظهر أرواحهم متشكلة وتطوف حيث شاءت وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة ، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى وكذا لأهل النحل والدهرية ، نسأل الله تعالى العفو والعافية .
قوله تعالى : { يا أيها الناس ضرب مثل } معنى ضرب : جعل ، كقولهم : ضرب السلطان البعث على الناس ، وضرب الجزية على أهل الذمة ، أي : جعل ذلك عليهم . ومعنى الآية : جعل لي شبه ، وشبه بي الأوثان ، أي : جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها ومعنى { فاستمعوا له } أي : فاستمعوا حالها وصفتها . ثم بين ذلك فقال : { إن الذين تدعون من دون الله } يعني : الأصنام ، قرأ يعقوب بالياء والباقون بالتاء { لن يخلقوا ذباباً } واحداً في صغره وقلته لأنها لا تقدر عليه . والذباب : واحد وجمعه القليل : أذبة ، والكثير : ذباب ، مثل غراب وأغربة ، وغربان { ولو اجتمعوا له } أي : لخلقه { وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه } قال ابن عباس : كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ، فإذا جف جاء الذباب فاستلب منه . وقال السدي : كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام فتقع الذباب عليه فيأكلن منه . وقال ابن زيد : كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر ، ويطيبونها بألوان الطيب فربما تسقط منها واحدة فيأخذها طائر أو ذباب فلا تقدر اللآلهة على استردادها ، فذلك قوله : { وإن يسلبهم الذباب شيئاً } أي : وإن يسلب الذباب الأصنام شيئاً مما عليها لا يقدرون أن يستنقذوه منه ، { ضعف الطالب والمطلوب } قال ابن عباس : الطالب الذباب . يطلب ما يسلب من الطيب من الصنم ، والمطلوب الصنم يطلب الذباب منه السلب . وقيل : على العكس :الطالب الصنم و المطلوب الذباب . وقال الضحاك : الطالب العابد والمطلوب المعبود .