ولم تدر الدائرة على المشركين من قريش وغطفان وحدهم . بل دارت كذلك على بني قريظة حلفاء المشركين من يهود :
( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ، وقذف في قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ، وأرضا لم تطؤوها . وكان الله على كل شيء قديرا ) . .
فأما قصة هذا فتحتاج إلى شيء من إيضاح قصة اليهود مع المسلمين . .
إن اليهود في المدينة لم يهادنوا الإسلام بعد وفوده عليهم إلا فترة قصيرة . وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عقد معهم مهادنة أول مقدمه إليها أوجب لهم فيها النصرة والحماية مشترطا عليهم ألا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدوا ، ولا يمدوا يدا بأذى .
ولكن اليهود ما لبثوا أن أحسوا بخطر الدين الجديد على مكانتهم التقليدية بوصفهم أهل الكتاب الأول . وقد كانوا يتمتعون بمكانة عظيمة بين أهل يثرب بسبب هذه الصفة . كذلك أحسوا بخطر التنظيم الجديد الذي جاء به الإسلام للمجتمع بقيادة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقد كانوا قبل ذلك يستغلون الخلاف القائم بين الأوس والخزرج لتكون لهم الكلمة العليا في المدينة . فلما وحد الإسلام الأوس والخزرج تحت قيادة نبيهم الكريم لم يجد اليهود الماء العكر الذي كانوا يصطادون بين الفريقين فيه !
وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير إسلام حبرهم وعالمهم عبدالله بن سلام . ذلك أن الله شرح صدره للإسلام فأسلم وأمر أهل بيته فأسلموا معه . ولكنه إن هو أعلن إسلامه خاف أن تتقول عليه يهود . فطلب إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يسألهم عنه قبل أن يخبرهم بإسلامه ! فقالوا : سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا . فخرج عندئذ عبد الله بن سلام إليهم ، وطلب منهم أن يؤمنوا بما آمن به . فوقعوا فيه ، وقالوا قالة السوء ، وحذروا منه أحياء اليهود . وأحسوا بالخطر الحقيقي على كيانهم الديني والسياسي . فاعتزموا الكيد لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] كيدا لا هوادة فيه .
ومنذ هذا اليوم بدأت الحرب التي لم تضع أوزارها قط حتى اليوم بين الإسلام ويهود !
لقد بدأت في أول الأمر حربا باردة ، بتعبير أيامنا هذه . بدأت حرب دعاية ضد محمد - عليه الصلاة والسلام - وضد الإسلام . واتخذوا في الحرب أساليب شتى مما عرف به اليهود في تاريخهم كله . اتخذوا خطة التشكيك في رسالة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وإلقاء الشبهات حول العقيدة الجديدة . واتخذوا طريقة الدس بين بعض المسلمين وبعض . بين الأوس والخزرج مرة ، وبين الأنصار والمهاجرين مرة . واتخذوا طريقة التجسس على المسلمين لحساب أعدائهم من المشركين . واتخذوا طريقة اتخاذ بطانة من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يوقعون بواسطتهم الفتنة في صفوف المسلمين . . و أخيرا أسفروا عن وجوههم واتخذوا طريق التأليب على المسلمين ، كالذي حدث في غزوة الأحزاب . .
وكانت أهم طوائفهم بني قينقاع ، وبني النضير ، وبني قريظة . وكان لكل منها شأن مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ومع المسلمين .
فأما بنو قينقاع وكانوا أشجع يهود ، فقد حقدوا على المسلمين انتصارهم ببدر ؛ وأخذوا يتحرشون بهم ويتنكرون للعهد الذي بينهم وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خيفة أن يستفحل أمره فلا يعودون يملكون مقاومته ، بعدما انتصر على قريش في أول اشتباك بينه وبينهم .
وقد ذكر ابن هشام في السيرة عن طريق ابن اسحاق ما كان من أمرهم قال :
وكان من حديث بني قينقاع أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال : " يا معشر يهود ، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة ، وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم " قالوا : يا محمد ، إنك ترى أنا قومك ، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة . إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس .
وذكر ابن هشام عن طريق عبد الله بن جعفر قال :
كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها ، فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوءتها ، فضحكوا بها ، فصاحت . فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ، وكان يهوديا ، وشدت يهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فغضب المسلمون ، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع .
وأكمل ابن إسحاق سياق الحادث قال :
فحاصرهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حتى نزلوا على حكمه ، فقام عبد الله بن أبي بن سلول ، حين أمكنه الله منهم ، فقال : يا محمد ، أحسن في موالي - وكانوا حلفاء الخزرج - قال : فأبطأ عليه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا محمد أحسن في موالي . قال : فأعرض عنه . فأدخل يده في جيب درع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أرسلني . وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا . ثم قال : ويحك ! أرسلني . قال : لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي . أربع مائة حاسر . وثلاث مائة دارع ، قد منعوني من الأحمر والأسود . تحصدهم في غداة واحدة . إني والله امرؤ أخشى الدوائر . فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] هم لك .
وكان عبد الله بن أبي لا يزال صاحب شأن في قومه . فقبل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] شفاعته في بني قينقاع على أن يجلوا عن المدينة ، وأن يأخذوا معهم أموالهم عدا السلاح . وبذلك تخلصت المدينة من قطاع يهودي ذي قوة عظيمة .
وأما بنو النضير ، فإن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرج إليهم في سنة أربع بعد غزوة أحد يطلب مشاركتهم في دية قتيلين حسب المعاهدة التي كانت بينه وبينهم . فلما أتاهم قالوا : نعم يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه . ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت ، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ?
ثم أخذوا في تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة ، فألهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما كان من أمرهم فقام وخرج راجعا إلى المدينة ، وأمر بالتهيؤ لحربهم . فتحصنوا منه في الحصون . وأرسل إليهم عبد الله بن أبي ابن سلول [ رأس النفاق ] أن اثبتوا وتمنعوا ، فإنا لن نسلمكم . إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم . ولكن المنافقين لم يفوا بعهدهم . وقذف الله الرعب في قلوب بني النضير فاستسلموا بلا حرب ولا قتال . وسألوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يجليهم ، ويكف عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح . ففعل . فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام . و من أشرافهم - ممن سار إلى خيبر - سلام بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب . . هؤلاء الذين كان لهم ذكر في تأليب مشركي قريش وغطفان في غزوة الأحزاب .
والآن نجيء إلى غزوة بني قريظة . وقد مر من شأنهم في غزوة الأحزاب أنهم كانوا إلبا على المسلمين مع المشركين ، بتحريض من زعماء بني النضير ، وحيي بن أخطب على رأسهم . وكان نقض بني قريظة لعهدهم مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في هذا الظرف أشق على المسلمين من هجوم الأحزاب من خارج المدينة .
ومما يصور جسامة الخطر الذي كان يتهدد المسلمين ، والفزع الذي أحدثه نقض قريظة للعهد ما روي من أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حين انتهى إليه الخبر ، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ، ومعهما عبدالله بن رواحة ، وخوات بن جبير - رضي الله عنهم - فقال " انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ? فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس . وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس " . . [ مما يصور ما كان يتوقعه [ صلى الله عليه وسلم ] من وقع الخبر في النفوس ] .
فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم . نالوا من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : من رسول الله ? لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد ! . . ثم رجع الوفد فأبلغوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالتلميح لا بالتصريح . فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " الله أكبر . أبشروا يا معشر المسلمين " . . [ تثبيتا للمسلمين من وقع الخبر السيئ أن يشيع في الصفوف ] .
ويقول ابن إسحاق : وعظم عند ذلك البلاء ؛ واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم . حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين . . الخ .
فهكذا كان الأمر إبان معركة الأحزاب .
فلما أيد الله تعالى نبيه بنصره ، ورد أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيرا ؛ وكفى الله المؤمنين القتال . . رجع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلى المدينة منصورا ، ووضع الناس السلاح ، فبينما رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يغتسل من وعثاء المرابطة ، في بيت أم سلمة - رضي الله عنها - إذ تبدى له جبريل - عليه السلام - فقال : " أوضعت السلاح يا رسول الله ? قال [ صلى الله عليه وسلم ] : " نعم " . قال : " ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها ! وهذا أوان رجوعي من طلب القوم " . ثم قال : " إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة " - وكانت على أميال من المدينة - . وذلك بعد صلاة الظهر . وقال [ صلى الله عليه وسلم ] : " لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة " . فسار الناس في الطريق ، فأدركتهم الصلاة في الطريق ، فصلى بعضهم في الطريق ، وقالوا : لم يرد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلا تعجيل المسير . وقال آخرون : لا نصليها إلا في بني قريظة . فلم يعنف واحدا من الفريقين .
وتبعهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم [ صاحب عبس وتولى أن جاءه الأعمى . . . ] رضي الله عنه - وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ثم نازلهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة . فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس - رضي الله عنه - لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية . واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه بني قينقاع حتى استطلقهم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك . ولم يعلموا أن سعدا - رضي الله عنه - كان قد أصابه سهم في أكحله [ وهو عرق رئيسي في الذراع لا يرقأ إذا قطع ] أيام الخندق فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكحله ، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب وقال سعد - رضي الله عنه - فيما دعا به : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنا لها وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة . فاستجاب الله تعالى دعاءه . وقدر عليهم أن ينزلوا على حكمه باختيارهم ، طلبا من تلقاء أنفسهم .
فعند ذلك استدعاه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من المدينة ليحكم فيهم . فلما أقبل - وهو راكب على حمار قد وطأوا له عليه - جعل الأوس يلوذون به ، يقولون : يا سعد إنهم مواليك ، فأحسن عليهم ويرققونه عليهم ويعطفونه . وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال - رضي الله عنه - : لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم . فعرفوا أنه غير مستبقيهم !
فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال رسول الله : " قوموا إلى سيدكم " فقام إليه المسلمون فأنزلوه إعظاما وإكراما واحتراما له في محل ولايته ، ليكون أنفذ لحكمه فيهم .
فلما جلس قال له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " إن هؤلاء - وأشار إليهم - قد نزلوا على حكمك . فاحكم فيهم بما شئت " فقال - رضي الله عنه - : وحكمي نافذ عليهم ? قال [ صلى الله عليه وسلم ] : " نعم " . قال : وعلى من في هذه الخيمة ? قال : " نعم " . قال : وعلى من ها هنا [ وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو معرض بوجهه عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إجلالا وإكراما وإعظاما ] . فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " نعم " . فقال - رضي الله عنه - : إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذريتهم وأموالهم . فقال له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوقسبعة أرقعة " [ أي سماوات ] .
ثم أمر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالأخاديد فخدت في الأرض ، وجيء بهم مكتفين ، فضرب أعناقهم . وكانوا ما بين السبع مائة ، والثماني مائة . وسبي من لم ينبت [ كناية عن البلوغ ] مع النساء والأموال . وفيهم حيي بن أخطب . وكان قد دخل معهم في حصنهم كما عاهدهم .
ومنذ ذلك اليوم ذلت يهود ، وضعفت حركة النفاق في المدينة ؛ وطأطأ المنافقون رؤوسهم ، وجبنوا عن كثير مما كانوا يأتون . وتبع هذا وذلك أن المشركين لم يعودوا يفكرون في غزو المسلمين ، بل أصبح المسلمون هم الذين يغزونهم . حتى كان فتح مكة والطائف . ويمكن أن يقال : إنه كان هناك تلازم بين حركات اليهود وحركات المنافقين وحركات المشركين . وإن طرد اليهود من المدينة قد أنهى هذا التلازم ، وإنه كان فارقا واضحا بين عهدين في نشأة الدولة الإسلامية واستقرارها .
( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ، وقذف في قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها . وكان الله على كل شيء قديرا ) .
والصياصي : الحصون . و الأرض التي ورثها المسلمون ولم يطؤوها ، ربما كانت أرضا مملوكة لبني قريظة خارج محلتهم . وقد آلت للمسلمين فيما آل إليهم من أموالهم . وربما كانت إشارة إلى تسليم بني قريظة أرضهم بغير قتال . ويكون الوطء معناه الحرب التي توطأ فيها الأرض .
( وكان الله على كل شيء قديرا ) . .
فهذا هو التعقيب المنتزع من الواقع ؛ وهو التعقيب الذي يرد الأمر كله إلى الله . وقد مضى السياق في عرض المعركة كلها يرد الأمر كله إلى الله . ويسند الأفعال فيها إلى الله مباشرة . تثبيتا لهذه الحقيقة الكبيرة ، التي يثبتها الله في قلوب المسلمين بالأحداث الواقعة ، وبالقرآن بعد الأحداث ، ليقوم عليها التصور الإسلامي في النفوس .
وهكذا يتم استعراض ذلك الحادث الضخم . وقد اشتمل على السنن والقيم والتوجيهات والقواعد التي جاء القرآن ليقيمها في قلوب الجماعة المسلمة وفي حياتها على السواء .
وهكذا تصبح الأحداث مادة للتربية ؛ ويصبح القرآن دليلا وترجمانا للحياة وأحداثها ، ولاتجاهها وتصوراتها . وتستقر القيم ، وتطمئن القلوب ، بالابتلاء وبالقرآن سواء !
{ وَأَنزَلَ الذين ظاهروهم } أي عاونوا الأحزاب المردودة { مّنْ أَهْلِ الكتاب } وهو بنو قريظة عند الجمهور ، وعن الحسن أنهم بنو النضير وعلى الأول المعول { مِن صَيَاصِيهِمْ } أي من حصونهم جمع صيصية وهي كل ما يمتنع به ويقال لقرن الثور والظباء ولشوكة الديك التي في رجله القرن الصغير ، وتطلق الصياصي على الشوك الذي للنساجين ويتخذ من حديد قاله أبو عبيدة وأنشد لدريد بن الصمة الجشمي :
نظرت إليه والرماح تنوشه *** كوقع الصياصي في النسيج الممدد
وتطلق على الأصول أيضاً قال : أبو عبيدة إن العرب تقول : جذ الله تعالى صئصئة أي أصله .
{ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب } أي الخوف الشديد بحيث أسلموا أنفسهم للقتل وأهليهم وأولادهم للأسر حسبما ينطق به قوله تعالى : { فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } أي من غير أن يكون من جهتهم حراك فضلاً عن المخالفة والاستعصاء . وفي البحر أن قذف الرعب سبب لإنزالهم ولكن قدم المسبب لما أن السرور بإنزالهم أكثرو الإخبار به أهم ، وقدم مفعول { تَقْتُلُونَ } لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين وكان الاعتناء بحالهم أهم ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل الاعتناء هناك بالأسر أشد ، ولو قيل : وفريقاً تأسرون لربما ظن قبل سماع تأسرون أنه يقال بعد تهزمون : أو نحو ذلك ، وقيل : قدم المفعول في الجملة الأولى لأن مساق الكلام لتفصيله وأخر في الثانية لمراعاة الفواصل ، وقيل التقديم لذلك وأما التأخير فلئلا يفصل بين القتل وأخيه وهو الأسر فاصل ، وقيل : غوير بين الجملتين في النظم لتغاير حال الفريقين في الواقع فقد قدم أحدهما فقتل وأخر الآخر فأسر وقرأ ابن عامر والكسائي { الرعب } بضم العين وقرأ أبو حيوة { تاسرون } بضم السين ، وقرأ اليماني { ياسرون } بياء الغيبة وقرأ ابن أنس عن ابن ذكوان بها فيه وفي يقتلون ولا يظهر لي وجه وجيه لتخصيص الاسم بصيغة الغيبة فتأمل ، وتفصيل القصة على سبيل الاختصار أنه لما كانت صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب أو ظهر يوم تلك الليلة على ما في بعض الروايات وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى داخل المدينة أتي جبريل عليه السلام معتجراً بعمامة استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند زينب بنت جحش تغسل رأسه الشريف وقد غسلت شقه فقال : أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال : نعم ، فقال : عفا الله تعالى عنك ما وضعت الملائكة عليهم السلام السلاح بعد وما رجعت إلا الآن من طلب القوم وإن الله تعالى يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم فأمر عليه الصلاة والسلام مؤذناً فأذن في الناس من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وقدم علي بن طالب كرم الله تعالى وجهه برايته إليهم وابتدرها الناس فسار كرم الله تعالى وجهه حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقيه عليه الصلاة والسلام فقال : يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابث قال : لم ؟ أظنك سمعت لي منهم أذى قال : نعم يا رسول الله قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال : يا اخوان القردة هل أخزاكم الله تعالى وأنزل بكم نقمته ؟ قالوا : يا أبا القاسم ما كنت جهولاً وفي رواية فحاشا وكان عليه الصلاة والسلام قد مر بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إليهم فقال : هل مر بكم أحد قالوا : يا رسول الله قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج فقال عليه الصلاة والسلام : ذلك جبريل عليه السلام بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم ولما أتاهم صلى الله عليه وسلم نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم يقال لها بئر أنا وتلاحق الناس فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة وقد شغلهم ما لم يكن لهم منه بد في حربهم فلما أتوا صلوها بعد العشاء فما عابهم الله تعالى بذلك في كتابه ولا عنفهم رسوله عليه الصلاة والسلام .
وحاصرهم صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين ليلة ، وقيل : إحدى وعشرين ، وقيل : خمس عشرة وجهدهم الحصار وخافوا أشد الخوف وقد كان حي بن أخطب دخل معهم في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما عاهده عليه فلما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال لهم كعب : يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالاً ثلاثاً فخذوا أيها شئتم قالوا : وما هي ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبداً ولا نستبدل به غيره قال فإذا أبيتم على هذه فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رجالاً مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلاً حتى يحكم الله تعالى بيننا وبينهم فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى عليه وأن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء قالوا : نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم قال : فإن أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت وأنه عسى أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب منهم غرة قالوا : نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ قال : فما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف .
وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا فأرسله عليه الصلاة والسلام إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا له : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم قال : نعم وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح فعرف أنه قد خان الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فلم يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب إلى المدينة وربط نفسه بجذع في المسجد حتى نزلت توبته رضي الله تعالى عنه ثم إنه عليه الصلاة والسلام ستنزلهم فتواثب الأوس فقالوا : يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وقد كانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه فسأله إياهم عبد الله بن أبي بن سلول فوهبهم له فلما كلمته الأوس قال عليه الصلاة والسلام ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : بلى قال فذاك إلى سعد بن معاذ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعله في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به صنيعة من المسلمين وقد كان رضي الله تعالى عنه قد أصيب يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله تعالى فقال : اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة ، وروي أن بني قريظة هم اختاروا النزول على حكم سعد ورضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فأتاه قومه وهو في المسجد فحملوه على حمار وقد وطأوا له بوسادة من ادم وكان رجلاً جسيماً جميلاً ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون : يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما أكثروا عليه قال : لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل فنعى إليهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد عن كلمته التي سمع منه فلما انتهى سعد إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام والمسلمين قال صلى الله عليه وسلم :
«قوموا إلى سيدكم » فأما المهاجرون من قريش فقالوا : إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار وأما الأنصار فيقولون : قد عم بها عليه الصلاة والسلام المسلمين فقاموا إليه فقالوا : يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فقال سعد : عليكم عهد الله تعالى وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت ؟ قالوا : نعم قال : وعلى من ههنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض برسول الله عليه الصلاة والسلام ؟ فقال صلى الله عليه وسلم . نعم قال سعد : فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبي الذراري والنساء فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحرث امرأة من بني النجار ثم خرج إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج إليهم بها إرسالاً وفيهم عدو الله تعالى حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة والمستكثر لهم يقول : كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة وقد قالوا لكعب وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسالاً يا كعب ما تراه يصنع بنا ؟ قال : أفي كل موطن لا تعقلون أما ترون الداعي لا ينزع ومن ذهب منكم لا يرجع هو والله القتل فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأتى بحي بن أخطب عدو الله تعالى وعليه حلة تفاحية قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله تعالى يخذل ثم أقبل على الناس فقال : أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله تعالى كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضربت عنقه فقال فيه جبل بن جدال التغلبي :
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه *** ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد
حتى أبلغ النفس عذرها *** وقلقل يبغي العز كل مقلقل
وروي أن ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه استوهب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن باطا القرظي لأنه من عليه في الجاهلية يوم بعاث فقال صلى الله عليه وسلم هو لك فأتاه فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك فهو لك قال : شيخ كبير فما يصنع بالحياة ولا أهل له ولا ولد ؟ فأتى ثابت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله امرأته وولده قال : هم لك فأتاه فقال : قد وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك وولدك فهم لك قال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك فأتى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال : ما له قال : هو لك فأتاه فقال : قد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك فهو لك فقال أي ثابت : ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية يتمرأ فيها عذارى الحي كعب بن أسد ؟ قال : قتل قال : فما فعل مقدمتها إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن شموال ؟ قال : قتل قال : فما فعل المجلسان ؟ يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة قال : قتلوا قال : فإني أسألك يا ثابت بيدي عندكم إلا ألحقتني بالقوم فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر لله تعالى قتلة ذكر ناصح حتى ألقى الأحبة فقدمه ثابت فضرب عنقه فلما بلغ أبا بكر رضي الله تعالى عنه قوله : ألقى الأحبة قال : يلقاهم والله في جهنم خالدين فيها مخلدين ، واستوهبت سلمى بنت أقيس أم المنذر أخت سليط بن قيس وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلت معه القبلتين وبايعته مبايعة النساء رفاعة بن شموال القرظي وقالت : بأبي أنت وأمي يا نبي الله هب لي رفاعة فإنه زعم أنه سيصل ويأكل لحم الجمل فوهبه عليه الصلاة والسلام لها فاستحيته .
وقتل منه كل من أنبت من الذكور ، وأما النساء فلم يقتل منهم إلا امرأة يقال لها لبابة زوجة الحكم القرظي وكانت قد طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته . أخرج ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : والله إن هذه المرأة لعندي تحدث معي وتضحك ظهراً وبطناً ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها بالسيوف إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت : أنا والله قلت لها : ويلك ما لك ؟ قالت : أقتل قلت : ولم ؟ قالت : لحدث أحدثته فانطلق بها فضربت عنقها فكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول : فوالله ما أنسى عجباً منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين ، وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال ، وأخرج منها الخمس وكان للفرس سهمان وللفارس سهم وللراجل الذي ليس له فرس سهم ، وكانت الخيل في تلك الغزوة ستة وثلاثين فرساً وهو أول فيء وقعت فيه السهمان وأخرج منه الخمس على ما ذكر ابن إسحاق ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا القوم وكانت السبايا كلها على ما قيل سبعمائة وخمسين إلى نجد فابتاع بها لهم خيلاً وسلاحاً وكان عليه الصلاة والسلام قد اصطفى لنفسه الكريمة من نسائهم ريحانة بنت عمرو وكانت في ملكه صلى الله عليه وسلم حتى توفى ، وقد كان عليه الصلاة والسلام عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت : يا رسول الله بل تتركني في ملك فهو أخف على وعليك فتركها صلى الله عليه وسلم وكانت حين سباها قد أبت إلا اليهودية فعزلها عليه الصلاة والسلام ووجد في نفسه لذلك فبينما هو صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال : إن هذا لنعلا ابن شعبة جاء يبشرني بإسلام ريحانة فجاءه فقال : يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك من أمرها ، وكان الفتح على ما في «البحر » في آخر ذي القعدة وهذه الغزوة وغزوة الخندق كانتا في سنة واحدة كما يدل عليه ما ذكرناه أول القصة وهو الصحيح خلافاً لمن قال : إن كلاً منهما في سنة ، ولما انقضى شأن بني قريظة انفجر لسعد رضي الله تعالى عنه جرحه فمات شهيداً ، وقد استبشرت الملائكة عليهم السلام بروحه واهتز له العرش ، وفي ذلك يقول رجل من الأنصار :
وما اهتز عرش الله من موت هالك *** سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو
واستشهد يوم بني قريظة على ما روي عن ابن إسحاق من المسلمين ثم من بني الحرث بن الخزرج خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو طرحت عليه رحا فشدخته شدخاً شديداً ، وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن له لأجر شهيدين ، ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان أخو بني أسد بن خزيمة ورسول الله عليه الصلاة والسلام محاصر بني قريظة فدفن في مقبرتهم التي يدفنون فيها اليوم وإليه دفنوا موتاهم في الإسلام ، وتمام الكلام فيما وقع في هذه الغزوة في كتب السير .
قوله تعالى : { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب } أي : عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وهم بنو قريظة ، { من صياصيهم } حصونهم ومعاقلهم ، واحدها صيصية ، ومنه قيل للقرن ولشوكة الديك والحاكة صيصية ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح من الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين إلى بلادهم وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عن الخندق إلى المدينة ، ووضعوا السلاح فلما كان الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجراً بعمامة من استبرق على بلغة عليها رحالة وعليها قطيفة من ديباج ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه وقد غسلت شقه ، فقال : قد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال : نعم ، فقال جبريل : عفا الله عنك ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة ، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم . وروي أنه كان الغبار على وجه جبريل عليه السلام وفرسه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجهه وعن وجه فرسه ، فقال : إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة وأنا عامد إلى بني قريظة ، فانهزم إليهم ، فإني قد قطعت أوتارهم ، وفتحت أبوابهم ، وتركتهم في زلزال وبلبال ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً فأذن : أن من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه برايته إليهم ، وابتدرها الناس فصار علي رضي الله عنه حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق ، فقال : يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث ، قال : لم ، أظنك سمعت لي منهم أذىً ؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال : لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً . فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال : يا إخوان القردة والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته ؟ . قالوا : يا أبا القاسم ما كنت جهولاً . ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه بالصور من قبل أن يصل إلى بني قريظة ، فقال هل مر بكم أحد ؟ فقالوا : نعم يا رسول الله مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج ، فقال عليه السلام : ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم . فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم ، فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد صلاة العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله بذلك ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب . وكان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده . فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم ، قال كعب بن أسد : يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالاً ثلاثاً فخذوا أيها شئتم ، قالوا : وما هن ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنوا على دياركم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم ، قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبداً ولا نستبدل به غيره ، قال : فإذا أبيتم هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد رجالاً مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلاً يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئاً نخشى عليه ، وإن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء ، فقالوا : نقتل هؤلاء المساكين فما خير في العيش بعدهم ؟ قال : فإن أبيتم هذه فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا أن نصيب من محمد وأصحابه غرة . قالوا : أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا ؟ أما من قد عملت فصأبهم من المسخ ما لم يخف عليك ؟ فقال : ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة في الدهر حازماً ؟ قال : ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف ، وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا ، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، فلما رأوه قام إليه الرجال وهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم ، فقالوا : يا أبا لبابة أترى لنا أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم ، قالوا : ماذا يفعل بنا إذا نزلنا ؟ فأشار بيده إلى حلقة أنه الذبح ، قال أبو لبابة : فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده ، وقال : لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما صنعت ، وعاهد الله أن لا يطأ أرض بني قريظة أبداً ، ولا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبداً ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه ، قال : أما لو جاءني لاستغفرت له ، فأما إذا فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه ، ثم إن الله تعالى أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة ، قالت أم سلمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك قلت مما تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك ؟ قال : تيب على أبي لبابة ، فقلت : ألا أبشره بذلك يا رسول الله ؟ فقال : بلى إن شئت ، فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب ، فقالت يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك ، قال فثار الناس إليه ليطلقوه فقال : لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده ، فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجاً إلى الصبح أطلقه ، ثم قال : إن ثعلبة بن سعيد وأسيد بن شعبة ، وأسيد بن عبيد وهم نفر من بني هذيل ليسوا من قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة ، فلما رآه قال : من هذا ؟ قال : عمرو بن سعدي ، وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا أغدر بمحمد أبداً ، فقال محمد بن مسلمة حين عرفه : اللهم لا تحرمني عثرات الكرام ثم خلى سبيله ، فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلا يدري أين يذهب من أرض الله ، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه ، فقال : ذاك رجل قد نجاه الله بوفائه . وبعض الناس يزعم أنه كان قد أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصبحت رمته ملقاة لا يدري أين يذهب ، فقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة ، والله أعلم . فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله فتواثبت الأوس فقالوا : يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج ، وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج ، فنزلوا على حكمه فسألهم إياه عبد الله بن أبي بن سلول ، فوهبهم له فلما كلمه الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : بلى ، قال : فذاك إلى سعد بن معاذ ، وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها رفيدة في مسجده ، وكانت تداوي الجرحى ، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب ، فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أتاه قومه فاحتملوه على حمار قد وطأوا له بوسادة من أدم ، وكان رجلاً جسيماً ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم ، فلما أكثروا عليه قال : قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم ، فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني الأشهل فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه ، فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قوموا إلى سيدكم فأنزلوه ، فقاموا إليه فقالوا : يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك مواليك لتحكم فيهم ، فقال سعد : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت ؟ قالوا : نعم ، قال : وعلى من ها هنا من الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، قال سعد : فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ، ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم ، فخندق بها خندقاً ثم بعث إليهم فضربت أعناقهم في تلك الخنادق ، يخرج بهم إليه أرسالاً أرسالا وفيهم عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رئيسا القوم ، وهم ستمائة أو سبعمائة ، والمكثر لهم يقول كانوا بين ثمانمائة إلى تسعمائة ، وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالاً : يا كعب ما ترى ما يصنع بنا فقال كعب : أفي كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع وأن من يذهب به منكم لا يرجع ، هو والله القتل ، فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم النبي صلى الله عليه وسلم وأتى بحيي بن أخطب عدو الله عليه حلة تفاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة أنملة أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل ، ثم أقبل على الناس فقال يا أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل ، ثم جلس فضرب عنقه . وروى عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت لم يقتل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة قالت والله إنها لعندي تتحدث معي وتضحك ظهراً وبطناً ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يقتل رجالهم بالسيوف إذ هتف هاتف باسمها : أين فلانة ؟ قالت : أنا والله هي قالت قلت : ويلك مالك ؟ قالت : أقتل ، قلت : ولم ؟ قالت : حدث أحدثته ، قالت : فانطلق بها فضربت عنقها ، وكانت عائشة تقول : ما أنسى عجباً منها طيب نفس وكثرة ضحك ، وقد عرفت أنها تقتل . قال الواقدي : وكان اسم تلك المرأة بنانة امرأة الحكم القرظي كانت قتلت خلاد بن سويد ، رمت عليه رحى فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فضربت عنقها بخلاد بن سويد ، قال : وكان علي والزبير يضربان أعناق بني قريظة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هنالك . وروى محمد بن إسحاق عن الزهري أن الزبير بن باطل القرظي ، وكان يكنى أبا عبد الرحمن ، كان قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث ، أخذه فجز ناصيته ، ثم خلى سبيله ، فجاءه يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال : يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني ؟ قال : وهل يجهل مثلي مثلك ؟ قال : إني أردت أن أجزيك بيدك عندي ، قال : إن الكريم يجزي الكريم ، قال : ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله قد كانت للزبير عندي يد وله علي منة ، وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو لك فأتاه فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك ، قال شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة ، فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أهله وماله ؟ قال : هم لك فأتاه فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني امرأتك وولدك فهم لك قال : أهل بيت الحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك ، فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ماله يا رسول الله ؟ قال : هو لك ، قال : فأتاه فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاني مالك فهو لك ، فقال : أي ثابت ما فعل الله بمن كان وجهه مرآة مضيئة تتراءى فيها عذارى الحي كعب بن أسد ، قال : قتل ، قال : فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب ؟ قال : قتل ، قال : فما فعل مقدمنا إذا شددنا وحامينا إذا كررنا عزال بن شموال ؟ قال : قتل ، قال : فما فعل المجلسان يعني بني كعب ابن قريظة وبني عمرو بن قريظة ؟ قال : ذهبوا قتلوا ، قال : فإني أسألك بيدي عندك يا ثابت إلا ما ألحقتني بالقوم ، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء خير ، فما أنا بصابر حتى ألقى الأحبة فقدمه ثابت فضرب عنقه ، فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله ألقى الأحبة ، قال : يلقاهم والله في نار جهنم خالداً فيها مخلداً أبداً . قالوا : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل من أنبت منهم ، ثم قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأموالهم على المسلمين ، وأعزل في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال وأخرج منها الخمس ، فكان للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان وللفارس سهم وللراجل ممن ليس له فرس سهم ، وكانت الخيل ستة وثلاثين فرساً وكان أول فيء وقع فيه السهمان ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع لهم بهم خيلاً وسلاحاً ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنانة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة ، فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وهي في ملكه ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب ، فقالت : يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك . فتركها وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا اليهودية ، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه بذلك من أمرها ، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال إن هذا لثعلبة بن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة ، فجاءه فقال : يا رسول الله قد أسلمت ريحانة ، فبشره بذلك . فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ ، وذلك أنه دعا بعد أن حكم في بني قريظة ما حكم فقال : اللهم إنك قد علمت أنه لم يكن قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك ، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئاً فأبقني لها وإن كنت قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك ، فانفجر كلمه فرجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد ، قالت عائشة : فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فوالذي نفسي بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي ، قالت : وكانوا كما قال الله تعالى : { رحماء بينهم } وكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا عبد الله بن محمد ، أنبأنا يحيى بن آدم ، أنبأنا إسرائيل ، سمعت أبا إسحاق يقول ، سمعت سليمان بن صرد يقول ، " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول حين أجلى الأحزاب عنه : الآن نغزوهم ولا يغزونا ، نحن نسير إليهم " . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا قتيبة ، أنبأنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : لا إله إلا الله وحده ، أعز جنده ، ونصر عبده ، وغلب الأحزاب وحده ، فلا شيء بعده " . قال الله تعالى في قصة قريظة : { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم } { وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون } وهم الرجال ، يقال : كانوا ستمائة ، { وتأسرون فريقاً } وهم النساء والذراري ، يقال : كانوا سبعمائة وخمسين ، ويقال : تسعمائة .