في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (187)

172

هؤلاء الغافلون عما حولهم ، العميُ عما يحيط بهم . . يسألون الرسول [ ص ] عن الساعة البعيدة المغيبة في المجهول . كالذي لا يرى ما تحت قدميه ويريد أن يرى ما في الأفق البعيد !

( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ قل : إنما علمها عند ربي ، لا يجليها لوقتها إلا هو ، ثقلت في السماوات والأرض ، لا تأتيكم إلا بغتة . يسألونك كأنك حفي عنها ! قل : إنما علمها عند الله ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . قل : لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله . ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء . إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) . .

لقد كانت عقيدة الآخرة ، وما فيها من حساب وجزاء ، تفاجىء المشركين في الجزيرة مفاجأة كاملة . . ومع أن هذه العقيدة أصيلة في دين إبراهيم - عليه السلام - وهو جد هؤلاء المشركين ؛ وفي دين إسماعيل أبيهم الكريم ؛ إلا أنه كان قد طال عليهم الأمد ، وبعد ما بينهم وبين أصول الإسلام الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل . حتى لقد اندثرت عقيدة الآخرة تماماً من تصوراتهم ؛ فكانت أغرب شيء عليهم وأبعده عن تصورهم . حتى لقد كانوا يعجبون ويعجبون من رسول الله [ ص ] لأنه يحدثهم عن الحياة بعد الموت ؛ وعن البعث والنشور والحساب والجزاء ؛ كما حكى عنهم القرآن الكريم في السورة الأخرى : وقال الذين كفروا : هل ندلكم على رجل ينبئكم ، إذا مزقتم كل ممزق ، إنكم لفي خلق جديد ؟ أفترى على الله كذباً ؟ أم به جنة ؟ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد . . [ سبأ : 7 - 8 ] .

ولقد علم الله أن أمة من الأمم لا تملك أن تقود البشرية وتشهد عليها - كما هي وظيفة الأمة المسلمة - إلا أن تكون عقيدة الآخرة واضحة لها راسخة في ضميرها . . فتصور الحياة على أنها هذه الفترة المحدودة بحدود هذه الحياة الدنيا ، وحدود هذه الأرض الصغيرة ، لا يمكن أن ينشىء أمة هذه صفتها وهذه وظيفتها !

إن العقيدة في الآخرة فسحة في التصور ، وسعة في النفس ، وامتداد في الحياة ضروري في تكوين النفس البشرية ذاتها ، لتصلح أن تناط بها تلك الوظيفة الكبيرة . . كذلك هي ضرورية لضبط النفس عن شهواتها الصغيرة ومطامعها المحدودة ؛ ولفسحة مجال الحركة حتى لا تيئسها النتائج القريبة ولا تقعدها التضحيات الأليمة ، عن المضي في التبشير بالخير ، وفعل الخير والقيادة إلى الخير ، على الرغم من النتائج القريبة ، والتضحيات الأليمة . . وهي صفات ومشاعر ضرورية كذلك للنهوض بتلك الوظيفة الكبيرة . .

والاعتقاد في الآخرة مفرق طريق بين فسحة الرؤية والتصور في نفس " الإنسان " ، وضيق الرؤية واحتباسها في حدود الحس في إدراك " الحيوان " ! وما يصلح إدراك الحيوان لقيادة البشرية ، والقيام بأمانة الله في الخلافة الراشدة !

لذلك كله كان التوكيد شديداً على عقيدة الآخرة في دين الله كله . . ثم بلغت صورة الآخرة في هذا الدين الأخير غايتها من السعة والعمق والوضوح . . حتى بات عالم الآخرة في حس الأمة المسلمة أثبت وأوضح وأعمق من عالم الدنيا الذي يعيشونه فعلاً . . وبهذا صلحت هذه الأمة لقيادة البشرية ، تلك القيادة الراشدة التي وعاها التاريخ الإنساني !

ونحن في هذا الموضع من سياق سورة الأعراف أمام صورة من صور الاستغراب والاستنكار الذي يواجه به المشركون عقيدة الآخرة ، تبدو في سؤالهم عن الساعة سؤال الساخر المستنكر المستهتر :

( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ )

إن الساعة غيب ، من الغيب الذي استأثر الله بعلمه ، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه . . ولكن المشركينيسألون الرسول عنها . . إما سؤال المختبر الممتحن ! وإما سؤال المتعجب المستغرب ! وإما سؤال المستهين المستهتر ! ( أيان مرساها ؟ ) أي متى موعدها الذي إليه تستقر وترسو ؟ !

والرسول [ ص ] بشر لا يدعي علم الغيب ، مأمور أن يكل الغيب إلى صاحبه ، وأن يعلمهم أنها من خصائص الألوهية ، وأنه هو بشر لا يدعي شيئاً خارج بشريته ولا يتعدى حدودها ، إنما يعلمه ربه ويوحي إليه ما يشاء :

( قل : إنما علمها عند ربي ، لا يجليها لوقتها إلا هو ) .

فهو - سبحانه - مختص بعلمها ، وهو لا يكشف عنها إلا في حينها ، ولا يكشف غيره عنها .

ثم يلفتهم عن السؤال هكذا عن موعدها ، إلى الاهتمام بطبيعتها وحقيقتها ، وإلى الشعور بهولها وضخامتها . . . ألا وإن أمرها لعظيم ، ألا وإن عبئها لثقيل . ألا وإنها لتثقل في السماوات والأرضين . وهي - بعد ذلك - لا تأتي إلا بغتة والغافلون عنها غافلون :

( ثقلت في السماوات والأرض ، لا تأتيكم إلا بغتة ) . .

فأولى أن ينصرف الاهتمام للتهيؤ لها والاستعداد قبل أن تأتي بغتة ؛ فلا ينفع معها الحذر ، ولا تجدي عندها الحيطة ، ما لم يأخذوا حذرهم قبلها ، وما لم يستعدوا لها ، وفي الوقت متسع وفي العمر بقية . وما يدري أحد متى تجيء ، فأولى أن يبادر اللحظة ويسارع ، وألا يضيع بعد ساعة ، قد تفجؤه بعدها الساعة !

ثم يعجب من أمر هؤلاء الذين يسألون الرسول [ ص ] عن الساعة . . إنهم لا يدركون طبيعة الرسالة وحقيقة الرسول ؛ ولا يعرفون حقيقة الألوهية ، وأدب الرسول في جانب ربه العظيم .

( يسألونك كأنك حفي عنها ! )

أي كأنك دائم السؤال عنها ! مكلف أن تكشف عن موعدها ! ورسول الله [ ص ] لا يسأل ربه علم ما يعلم هو أنه مختص بعلمه :

( قل : إنما علمها عند الله ) . .

قد اختص سبحانه به ؛ ولم يطلع عليه أحداً من خلقه .

( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) . .

وليس الأمر أمر الساعة وحده . إنما هو أمر الغيب كله فلله وحده علم هذا الغيب . لا يطلع على شيء منه إلا من شاء ، بالقدر الذي يشاء ، في الوقت الذي يشاء . . لذلك لا يملك العباد لأنفسهم نفعاً ولا ضراً . . فقد يفعلون الأمر يريدون به جلب الخير لأنفسهم ، ولكن عاقبته تكون هي الضر لهم . وقد يفعلون الأمر يريدون به رفع الضر عنهم ، ولكن عاقبته المغيبة تجره عليهم ! وقد يفعلون الأمر يكرهونه فإذا عاقبته هي الخير ؛ ويفعلون الأمر يحبونه فإذا عاقبته هي الضر : ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ) . .

والشاعر الذي يقول :

ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ! % ومن أين والغايات بعد المذاهب

إنما يمثل موقف البشرية أمام الغيب المجهول . ومهما يعلم الإنسان ومهما يتعلم ، فإن موقفه أمام باب الغيب الموصد ، وأمام ستر الغيب المسدل ، سيظل يذكره ببشريته المحجوبة أمام عالم الغيب المحجوب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (187)

ثم لما تقدم ذكر اقتراب أجلهم عقبه سبحانه بذكر سؤالهم عن الساعة فقال تعالى : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة } وقيل هو استئناف مسوق لبيان بعض طغيانهم وضلالهم ، والساعة في الأصل اسم لمقدار قليل من الزمان غير معين ، وهي عند المنجمين جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الليل والنهار ، وتنقسم إلى معوجة ومستوية ، وتطلق في عرف الشرع على يوم موت الخلق وعلى يوم قيام الناس لرس العالمين ، وفسروها بيوم القيامة ، ولعل المراد منه أحد ذينك اليومين وإن كان المشهور فيه اليوم الآخر ، والظاهر أن المسؤول عنه اليوم الأول ، وإليه ذهب الزجاج ، والساعة في ذلك من الأسماء الغالبة ، ووجه إطلاقها عليه وكذا على وقت القيام ظاهر إن أريد زمان الموت أو زمان القيام بدون ملاحظة الامتداد لظهور أنه قدر يسير في نفسه ، وإن أريد الزمان الممتد فاطلاقها عليه إما لمجيئه بغتة كما قيل ، أو لأنه يدهش من يأتيهم فيقل عندهم أو يقلل ما قبله ، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله تعالى ، أو لسرعة حسابه ، وجوز أن يكون تسميته بذلك من باب التسمية بالضد تمليحا كما يسمى الأسود كافوراً ، والسائل عن ذلك أناس من اليهود ، فقد أخرج ابن اسحق وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال : حمل بن أبي قشير . وسمول بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً كما تقول فإنا نعلم متى هي ؟ وكان ذلك امتحاناً منهم مع علمهم أنه تعالى قد استأثر بعلمها فأنزل الله تعالى الآية . وذهب بعض إلى أن السائل قريش ، فقد أخرج عبد بن حميد . وابن جرير عن قتادة أن قريشاً قالوا : يا محمد أسر إلينا متى الساعة لما بيننا وبينك من القرابة ؟ فنزلت .

وقوله سبحانه :

{ أَيَّانَ مرساها } بفتح همزة أيان . وقرأ السلمي بكسرها وهو لغة فيها ، وهي ظرف زمان متضمن لمعنى الاستفهام ويليها المبتدأ أو الفعل المضارع دون الماضي بخلاف متى حيث يليها كلاهما ، والتحقيق أنها بسيطة مرتجلة ، وقيل : اشتقاقها من أي وهي فعلان منه لأن معناه أي وقت ، وأي فعل ، وأي من أويت بمعنى رجعت لأن باب طويت وشويت أضعاف باب حييت ووعيت ولقربه منه معنى لأن البعض آو إلى الكل ومستند إليه . وأصله على هذا أوي فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار أيا وإنما لم تجعل أيان فعلالا من أين لأنها ظرف زمان وأين ظرف مكان ، ومن الناس من زعم أن أصلها أي أوان أو أي آن وليس بشيء .

وتعقب في الكشف حديث الاشتقاق من أي بأنه مخالف لما ذكره الزمخشري في سورة النمل ولو سمي به لكان فعالاً من آن يئين ولا تصرف ، ثم قال : والوجه ما ذكره هناك لأن الاشتقاق في غير المتصرفة لا وجه له .

ثم إنه ليس اشتقاقه من أي أو لي من اشتقاقه من الأين بمعنى الحينونة لأن أيان زمان وكأنه غره الاستفهام وليس بشيء لأنه بالتضمين كما في متى ونحوه ؛ وكذلك اشتقاق أي من أويت لا وجه له إلا أن الأظهر أنه يجوز الصرف وعدمه كما في حمار قبان ا ه .

وأجيب بأن ما ذكر أمر قدروه للامتحان وليعلم حكمها إذا سمي بها فلا ينافي ما ذكره الزمخشري وكذا لا ينافي التحقيق فتأمل ، وأياً ما كان فهي في محل الرفع على أنها خبر مقدم ومرساها مبتدأ مؤخر ؛ وهو مصدر ميمي من أرساه إذا أثبته وأقره أي متى إثباتها وتقريرها ، ولا يكاد يستعمل الإرساء إلا في الشيء الثقيل كما في قوله تعالى : { والجبال أرساها } [ النازعات : 32 ] ومنه مرساة السفن ، ونسبته هنا إلى الساعة باعتبار تشبيه المعاني بالأجسام .

وجوز بعضهم أن يكون اسم زمان ، ولا يرد عليه أنه يلزم أن يكون للزمان زمان ، وفي جوازه خلاف الفلاسفة لأنه يؤول بمتى وقوع ذلك ، والجملة قيل في محل النصب على المفعولية به لقول محذوف وقع حالا من ضمير يسألونك أي يسألونك قائلين أيان مرساها ، وقيل في محل الجر على البدلية عن الساعة .

والتحقيق عند بعض جلة المحققين أن محلها النصب بنزع الخافض لأنها بدل من الجار والمجرور لا من الجرور فقط ، وفي تعليق السؤال بنفس الساعة أولا وبوقت وقوعها ثانياً تنبيه على أن المقصد الأصلي من السؤال نفسها باعتبار حلولها في وقتها المعين باعتبار كونه محلا لها ، وما في الجواب أعني قوله سبحانه : { قُلْ إِنَّمَا * عِلْمُهَا عِندَ رَبّى } مخرج على ذلك أيضاً أي إن علمها بالاعتبار المذكور عنده سبحانه لا غير فلا حاجة إلى أن يقال : إنما علم وقت إرسائها عنده عز وجل ، وبعضهم حيث غفل عن النكتة المشار إليها حمل النظم الجليل على حذف المضاف ، وإليه يشير كلام أبي البقاء ، ومعنى كون ذلك عنده عز وجل خاصة أنه استأثر به حيث لم يخبر أحداً به من ملك مقرب أو نبي مرسل ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم قيل للإيذان بأن توفيقه عليه الصلاة والسلام للجواب على الوجه المذكور من باب التربية والإرشاد وهو أولى مما سنشير إليه إن شاء الله تعالى ، وقوله سبحانه : { لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } بيان لاستمرار خفائها إلى حين قيامها واقناط كلي عن إظهار أمرها بطريق الأخبار ، والتجلية الكشف والإظهار ، واللام لام التوقيت واختلف فيها فقيل هي بمعنى في ، وقال ابن جني : بمعنى عند ، وقال الرضى : هي اللام المفيدة للاختصاص ، وهو على ثلاثة أضرب أما أن يحتص الفعل بالزمان لوقوعه فيهوإلا فحسب القرينة ، وفسرها هنا غير واحد بفي .

والمعنى لا يكشف عنها ولا يظهر للناس أمرها الذي تسألون عنه إلا الرب سبحانه بالذات من غير أن يشعر به أحد من المخلوقين فيتوسط في إظهاره لهم لكن لا بأن لا يخبرهم بوقتها كما هو المسؤول بل بأن يقيمها فيعلموها على أتم وجه ، والجار والمجرور متعلق بالتجلية وهو قيد لها بعد ورود الاستثناء كأنه قيل : لا يجليها إلا هو في وقتها إلا أنه قدم للتنبيه من أول الأمر على أن تجليها ليس بطريق الأخبار بوقتها بل باظهار عينها في وقتها الذي يسألون عنه ، وقوله تعالى : { ثَقُلَتْ فِى * السماوات والارض } استئناف كما قبله مقرر لما سبق ، والمراد كبرت وعظمت على أهلهما حيث لم يعلموا وقت وقوعها . وعن السدى أن من خفي عليه علم شيء كان ثقيلاً عليه ، وعن قتادة أن المعنى عظمت على أهل السموات والأرض حيث يشفقون منها ويخافون شدائدها ، وفي رواية أخرى عنه أن المراد ثقل علمها عليهم فلا يعلمونها ، ويرجع إلى ما ذكر أولا ، وقيل : المعنى ثقلت عنذ الوقوع على نفس السموات حتى انشقت وانتثرت تجومها وكورت شمسها وعلى نفس الأرض حتى سيرت جبالها وسجرت بحارها وكان ما كان فيها ، وإلى ذلك يشير ما روي عن ابن جريج وعليه فلا يحتاج إلى تقدير مضاف ، وكلمة في على سائر الأوجه استعارة منبهة على تمكن الفهل كما لا يخفى { لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } أي إلا فجأة على حين غفلة ، أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن الساعة وقد نشر رجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها » { يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } أي عالم بها كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما أخرجه عنه ابن المنذر وغيره ف{ حفي } فعيل من حفي عن الشيء إذا بحث عن تعرف حاله ، وذكر بعضهم أن الحفاوة في الأصل الاستقصاء في الأمر للاعتناء به قال الأعشى :

فإن تسألوا عني فيا رب سائل *** حفي عن الأعشى به حيث أصعدا

ومنه احفاء الشارب ، وتطلق أيضاً على البر واللطف كما قال تعالى : { إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } [ مريم : 47 ] ، والمعنى المراد هنا متفرع على المعنى الأول لأن من بحث عن شيء وسأل منه استحكم علمه به فاريد به لازم معناه مجازاً أو كناية وعدى الوصف بعن اعتباراً لأصل معناه وهو السؤال والبحث ، وقيل : لأنه ضمن معنى الكشف ولولا ذلك لعدي بالباء ، وجوز أبو البقاء أن تكون عن بمعنى الباء ، وروي عن الحبر .

وابن مسعود أنهما قرآ بها .

والجملة التشبيهية في محل نصب على أنها حال من مفعول يسألونك أي مشبها حالك عندهم بحال من هو حفي ، وقيل : إن عنها متعلق بيسألونك ، والجملة التشبيهية معترضة وصلة { حَفِىٌّ } محذوفة أي بها أو بهم بناء على ما قيل : إن حفي من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشاً قالوا له عليه الصلاة والسلام : إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة ؟ وروى ذلك عن قتادة وترجمات القرآن أيضاً ، والمعنى عليهم أنهم يظنون أن عندك علمها لكن تكتمه فلشفقتك عليهم طلبوا منك أن تخصهم به وتعلق { عَنْ } على هذا الوجه بمحذوف كتخبرهم وتكشف لهم عنها بعيد ، وقيل : هو من حفي بالشيء إذا فرح به ، وروي ذلك عن مجاهد . والضحاك وغيرهما ، والمعنى كأنك فرح بالسؤال عنها تحبه ، و { عَنْ } على هذا متعلقة بحفى كما قيل : لتضمنه معنى السؤال ، والكلام على ما قال شيخ الإسلام استئناف مسوق لبيان خطئهم في توجيه السؤال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على زعمهم أنه عليه الصلاة والسلام عالم بالمسؤول عنه أو أن العلم بذلك من مقتضيات الرسالة أثر بيان خطئهم في أصل السؤال باعلام بيان المسؤول عنه ، وفي الانتصاف في تويجه تكرير يسألونك أن المعهود في أمثال ذلك أن الكلام إذا بني على مقصد وعرض في أثنائه عارض فأريد الرجوع لتتمة المقصد الأول وقد بعد عهده طرى ذكره لتتصل النهاية بالبداية ، وهنا لما ابتدأ الكلام بقوله سبحانه : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها } ثم اعترض ذكر الجواب بقل إلى بغتة أريد تتمة سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم وهو المضمن في قوله سبحانه : { كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } وهو شديد التعلق بالسؤال وقد بعد عهده فطرى ذكره ليليه تمامه ، ولا تراه أبداً يطري إلا بنوع من الإجمال ، ومن ثم لم يذكر المسؤول عنه وهو الساعة اكتفاء بما تقدم ، ثم لما كرر جل وعلا السئال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضاً مجملاً فقال عز من قائل : { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله } ومنه يعلم وجه ذكر الاسم الجليل هنا ، وذكر المحقق الأول أنه عليه الصلاة والسلام أمر باعادة الجواب الأول تأكيداً للحكم وتقريراً له واسعاراً بعلته على الطريق البرهانية بإيراد اسم الذات المنبىء عن استتباعها لصفات الكمال التي من جملتها العلم وتمهيداً للتعريض بجهلهم بقوله تعالى : { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } وزعم الجبائي أن السؤال الأول كان عن وقت قيام الساعة وهذا السؤال كان عن كيفيتها وتفصيل ما فيها من الشدائد والأحوال قيل : ولذلك خص جوابه باسم الذات إذ هو أعظم الأسماء مهابة ، وإلى ذلك ذهب النيسابوري ونقل عن الإمام وغيره ، ولا أرى لهم مسنداً في ذلك ، ومفعول العلم على ما يشير إليه كلام بعضهم محذوف أي لا يعلمون ما ذكر من اختصاص علمها به تعالى فبعضهم ينكرها رأساً فلا يسأل عنها إلا متلاعباً ، وبعضهم يعلم أنها واقعة البتة ويزعم أنك واقف على وقت وقوعها فيسأل جهلاً ، وبعضهم يزعم أن العلم بذلك من مقتضيات الرسالة فيتخذ السؤال ذريعة إلى القدح فيها ، والواقف على جلية الحال ويسأل امتحانا ملحق بالجاهلين لعدم عمله بعلمه هذا ، وإنما أخفي سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكم التشريعية ذلك فإنه أدعي إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك ، ولو قيل بأن الحكمة التكوينية تقتضي ذلك أيضاً لم يبعد ، وظاهر الآيات أنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم وقت قيامها .

نعم علم عليه الصلاة والسلام قربها على الإجمال وأخبر صلى الله عليه وسلم به . فقد أخرج الترمذي وصححه عن أنس مرفوعاً «بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى » وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعاً أيضاً «إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى غروب الشمس » وجاء في غير ما أثر أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة وأنه عليه الصلاة والسلام بعث في أواخر الألف السادسة ومعظم الملة في الألف السابعة .

وأخرج الجلال السيوطي عدة أحاديث في أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة وذكر أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة ولا تبلغ الزيادة عليها خمسمائة سنة ، واستدل على ذلك بأخبار وآثار ذكرها في رسالته المسماة بالكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف وسمي بعضهم لذلك هذه الألف الثانية بالمخضرمة لأن نصفها دنيا ونصفها الآخر أخرى ، وإذا لم يظهر المهدي على رأس المائة التي نحن فيها بنهدم جميع ما بناه كما لا يخفى على من راجعه ، وكأني بك تراه منهدماف ، ونقل السفاريني عن الفلاسفة أنهم زعموا أن تدبير العالم الذي نحن فيه للسنبلة فإذا تم دورها وقع الفساد والدثور في العالم فإذا عاد الأمر إلى الميزان تجتمع المواد ويقدر النشور عودا ، وقال البكري : إن سلطان الحمل عندهم اثنا عشر ألف سنة وسلطان الثور دونه بألف وهكذا ينقص ألف ألف إلى الحوت فيكون سلطانه ألف سنة ومجموع ذلك ثمانية وسبعون ألف سنة فإذا كملت انقضى عالم الكون والفساد ، ونقل ذلك عن عرمس وادعى أنه قال : إنه لم يكن في حكم الحمل والثور والجوزاء على الأرض حيوان فلما كان حكم السرطان تكونت دواب الماء وهو أم الأرض ولما كان حكم الاسد تكونت الدواب ذوات الأربع ولما كان حكم السنبلة تولد الإنسانان الأولان آدم نوس وحوا نوس ؛ وزعم بعضهم أن مدة العالم مقدار قطع الكواكب الثابتة لدرج الفلك ، والكوكب منها يقطع البرج بزعمه في ثلاثة آلاف سنة فذلك ست وثلاثون ألف سنة انتهى .

ولا يخفى على من اطلع على كتب الأرصاد والزيجات أن الادوار عندهم ثلاثة أكبر وأوسط وأصغر ويسمونها التسييرات ، وهي على السوية في جميع البروج فالدور الأكبر ما يكون فيه قطع كل درجة بمائة سنة والأوسط ما يكون فيه قطع كل درجة بعشر سنين والأصغر ما يكون فيه قطع كل درجة بسنة ، وعدنهم دور أعظم ويسمونه أيضاً التسيير الأعظم وهو ما يكون فيه قطع كل درجة بألف سنة والتسيير اليوم في الميزان وقد مضى منه أربع درجات وست وخمسون دقيقة وإحدى وثلاثون ثانية واثنتا عشرة ثالثة ، وإذا اعتبرت مدة ذلك من نقطة رأس الحمل إلى هنا بلغت مائة ألف سنة وأربعاً وثمانين ألف سنة وتسعمائة وثلاثاً وأربعين سنة ، وأن مدة حركة الثواب على ما نقل عن بطليموس في كل برج ألفان ومائة واثنتان وستون سنة وثمانية أشهر وستة عشر يوماً وتسع عشرة ساعة ، وإذا ضرب ذلك في اثني عشر عدّة البروح خرج مدة قطعها الفلك كله وهو أقل مما ذكره بكثير ، ولعل المراد بدور البرج ما أريد بسلطانه من حكم تأثيره والتأثر العادي على ما يفهم من بعض كتب القوم بحكم الأصالة للبرج وهو الذي يفيض على الكوكب النازل فيه ، وكل ذلك مما لم ينزل الله تعالى به سلطاناً ، والحق الذي لا ينبغي المحيص عنه القول بحدوث العالم حدوثاً زمانياً ولا يعلم أوله إلا الله تعالى ، وكذلك عمر الدنيا وأول النشأة الإنسانية ومدة بقائها في هذا العالم وقدر زمان لبثها في البرزخ كل ذلك لا يعلمه ءلا الله تعالى ، وجيمع ما ورد في هذا الباب أمور ظنية لا سند يعول عليه لأكثرها ، ووراء هذا أقوال لأهل الصين وغيرهم هي أدهى وأمر مما تقدم ، وبالجملة الباقي من عمر الدنيا عند من يقول بفنائها أقل قليل بالنسبة إلى الماضي من ذلك والله تعالى أعلم بحقيقة ما هنالك .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (187)

قوله تعالى : { يسألونك عن الساعة أيان مرساها } قال قتادة : قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة ؟ فأنزل الله تعالى : { يسألونك عن الساعة } يعني : القيامة ، { أيان مرساها } قال ابن عباس رضي الله عنهما : منتهاها ، وقال قتادة : قيامها ، وأصله الثبات ، أي : متى مثبتها ؟

قوله تعالى : { قل } يا محمد .

قوله تعالى : { إنما علمها عند ربي } استأثر بعلمها ولا يعلمها إلا هو .

قوله تعالى : { لا يجليها } لا يكشفها ، ولا يظهرها ، وقال مجاهد : لا يأتي بها .

قوله تعالى : { لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض } . يعني : ثقل علمها ، وخفي أمرها على أهل السموات والأرض . وكل خفي ثقيل ، قال الحسن : يقول إذا جاء ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض .

قوله تعالى : { لا تأتيكم إلا بغتةً } ، فجأة على غفلة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ، فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها ) .

قوله تعالى : { يسألونك كأنك حفي عنها } ، فيه تقديم وتأخير ، أي : عالم بها ، من قولهم : أحفيت في المسألة ، أي : بالغت فيها ، معناها : كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمتها .

قوله تعالى : { قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . أن علمها عند الله ، حتى سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم عنها .