ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين . وقد روى ابن جرير - بإسناده - عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : كانت فارس ظاهرة على الروم . وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ؛ و كان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ، لأنهم أهل كتاب ، وهم أقرب إلى دينهم . فلما نزلت : الم . غلبت الروم في أدنى الأرض ، وهم من بعد غلبهم سيغلبون ، في بضع سنين . قالوا : يا أبا بكر . إن صاحبك يقول : إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين . قال : صدق . قالوا : هل لك أن نقامرك ? فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين . فمضت السبع ولم يكن شيء . ففرح المشركون بذلك ، فشق على المسلمين فذكر ذلك للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : " ما بضع سنين عندكم ? " قالوا : دون العشر . قال : " اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل " . قال : فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس . ففرح المؤمنون بذلك .
وقد وردت في هذا الحادث روايات كثيرة اخترنا منها رواية الإمام ابن جرير . وقبل أن نتجاوز الحادث إلى ما وراءه في السورة من التوجيهات نحب أن نقف أمام بعض إيحاءاته القوية .
وأول هذه الإيحاءات ذلك الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان . ومع أن الدول قديما لم تكن شديدة الاتصال ، والأمم لم تكن وثيقة الاربتاط كما هو الشأن في عصرنا الحاضر . مع هذا فإن المشركين في مكة كانوا يحسون أن انتصار المشركين في أي مكان على أهل الكتاب هو انتصار لهم ؛ وكان المسلمون كذلك يحسون أن هناك ما يربطهم بأهل الكتاب ، وكان يسوءهم أن ينتصر المشركون في أي مكان ؛ وكانوا يدركون أن دعوتهم وأن قضيتهم ليست في عزلة عما يجري في أنحاء العالم من حولهم ، ويؤثر في قضية الكفر والإيمان .
وهذه الحقيقة البارزة هي التي يغفل عنها الكثيرون من أهل زماننا ؛ ولا ينتبهون إليها كما انتبه المسلمون والمشركون في عصر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] . منذ حوالي أربعة عشر قرنا . ومن ثم ينحصرون داخل حدود جغرافية أو جنسية ؛ ولا يدركون أن القضية في حقيقتها هي قضية الكفر والإيمان ؛ وأن المعركة في صميمها هي المعركة بين حزب الله وحزب الشيطان .
وما أحوج المسلمين اليوم في جميع بقاع الأرض أن يدركوا طبيعة المعركة ، وحقيقة القضية ؛ فلا تلهيهم عنها تلك الأعلام الزائفة التي تتستر بها أحزاب الشرك والكفر ، فإنهم لا يحاربون المسلمين إلا على العقيدة ، مهما تنوعت العلل والأسباب .
والإيحاء الآخر هو تلك الثقة المطلقة في وعد الله ، كما تبدو في قولة أبي بكر - رضي الله عنه - في غير تلعثم ولا تردد ، والمشركون يعجبونه من قول صاحبه ؛ فما يزيد على أن يقول : صدق . ويراهنونه فيراهن وهو واثق . ثم يتحقق وعد الله ، في الأجل الذي حدده : ( في بضع سنين ) . . وهذه الثقة المطلقة على هذا النحو الرائع هي التي ملأت قلوب المسلمين قوة ويقينا وثباتا في وجه العقبات والآلام والمحن ، حتى تمت كلمة الله وحق وعد الله . وهي عدة كل ذي عقيدة في الجهاد الشاق الطويل .
والإيحاء الثالث هو في تلك الجملة المعترضة في مساق الخبر ، من قول الله سبحانه : ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) . . والمسارعة برد الأمر كله لله . في هذا الحادث وفي سواه . وتقرير هذه الحقيقة الكلية ، لتكون ميزان الموقف وميزان كل موقف . فالنصر والهزيمة ، وظهور الدول ودثورها ، وضعفها وقوتها . شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال ، مرده كله إلى الله ، يصرفه كيف شاء ، وفق حكمته ووفق مراده . وما الأحداث والأحوال إلا آثار لهذه الإرادة المطلقة ، التي ليس لأحد عليها من سلطان ؛ ولا يدري أحد ما وراءها من الحكمة ؛ ولا يعرف مصادرها ومواردها إلا الله . و إذن فالتسليم والاستسلام هو أقصى ما يملكه البشر أمام الأحوال والأحداث التي يجريها الله وفق قدر مرسوم .
( ألم . غلبت الروم في أدنى الأرض . وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) . .
( لله الأمر من قبل ومن بعد ) . .
( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) . .
ولقد صدق وعد الله ، وفرح المؤمنون بنصر الله .
( ينصر من يشاء ، وهو العزيز الرحيم ) . .
فالأمر له من قبل ومن بعد . وهو ينصر من يشاء . لا مقيد لمشيئته سبحانه . والمشيئة التي تريد النتيجة هي ذاتها التي تيسر الأسباب . فلا تعارض بين تعليق النصر بالمشيئة ووجود الأسباب . والنواميس التي تصرف هذا الوجود كله صادرة عن المشيئة الطليقة . وقد أرادت هذه المشيئة أن تكون هناك سنن لا تتخلف ؛ وأن تكون هناك نظم لها استقرار وثبات . والنصر والهزيمة أحوال تنشأ عن مؤثرات ، وفق تلك السنن التي اقتضتها تلك المشيئة الطليقة .
والعقيدة الإسلامية واضحة ومنطقية في هذا المجال . فهي ترد الأمر كله إلى الله . ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب الطبيعية التي من شأنها أن تظهر النتائج إلى عالم الشهادة والواقع . أما أن تتحقق تلك النتائج فعلا أو لا تتحقق فليس داخلا في التكليف ، لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير الله . ولقد ترك الأعرابي ناقته طليقة على باب مسجد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ودخل يصلي قائلا : توكلت على الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اعقلها وتوكل " . فالتوكل في العقيدة الإسلامية مقيد بالأخذ بالأسباب ، ورد الأمر بعد ذلك إلى الله .
( ينصر من يشاء ، وهو العزيز الرحيم ) . .
فهذا النصر محفوف بظلال القدرة القادرة التي تنشئه وتظهره في عالم الواقع ؛ وبظلال الرحمة التي تحقق به مصالح الناس ؛ وتجعل منه رحمة للمنصورين والمغلوبين سواء . ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض )وصلاح الأرض رحمة للمنتصرين والمهزومين في نهاية المطاف .
وقوله تعالى : { فِى بِضْعِ سِنِينَ } متعلق بسيغلبون أيضاً .
والبضع ما بين الثلاث إلى العشرة عن الأصمعي ، وفي المجمل ما بين الواحد : إلى التسعة ، وقيل هو ما فوق الخمس ودون العشر » وقال المبرد : ما بين العقدين في جميع الأعداد . روى أن فارس غزوا الروم فوافوهم بأذرعات وبصرى فغلبوا عليهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم وفرح الكفار بمكة وشمتوا فلقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم الله فأنزل الله تعالى : { الم غُلِبَتِ الروم } [ الروم : 1 ، 2 ] الآيات فخرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى الكفار فقال : أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقرن الله تعالى عينكم فوالله تعالى ليظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبي بن خلف فقال : كذبت فقال له : أبو بكر رضي الله تعالى عنه : أنت أكذب يا عدو الله تعالى تعالى أناحبك{[605]} عشر قلائص مني وعشر قلائص منك فإن ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين فناحبه ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال عليه الصلاة والسلام : ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فخرج أبو بكر فلقي أبياً فقال : لعلك ندمت ؟ قال : لا تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال : قد فعلت فلما أراد أبو بكر الهجرة طلب منه أبي كفيلاً بالخطر إن غلب فكفل به ابنه عبد الرحمن فلما أراد أبي الخروج إلى أحد طلبه عبد الرحمن بالكفيل فأعطاه كفيلاً ومات أبي من جرح جرحه النبي صلى الله عليه وسلم وظهرت الروم على فارس لما دخلت السنة السابعة .
وجاء في بعض الروايات أنهم ظهروا عليهم يوم الحديبية ، وأخرج الترمذي وحسنه أنه لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأخذ أبو بكر رضي الله تعالى عنه الخطر من ورثة أبي وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : تصدق به ، وفي رواية أبي يعلى . وابن أبي حاتم . وابن مردويه . وابن عساكر عن البراء بن عازب أنه عليه الصلاة والسلام قال هذا السحت تصدق به .
واستشكل بأنه إن كان ذلك قبل تحريم القمار كما أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم والبيهقي عن قتادة والترمذي وصححه عن نيار بن مكرم السلمي وهو الظاهر لأن السورة مكية وتحريم الخمر والميسر من آخر القرآن نزولاً فما وجه كونه سحتاً ؟ وإن كان بعد التحريم فكيف يؤمر بالتصدق بالحرام الغير المختلط بغيره وصاحبه معلوم ، وفي مثل ذلك يجب رد المال عليه ، فإن قيل : إنه مال حربي والحادثة وقعت بمكة وهي قبل الفتح دار حرب والعقود الفاسدة تجوز فيها عند أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة لم يظهر كونه سحتاً ، وكأني بك تمنع صحة هذه الرواية وإذا لم تثبت صحتها يبقى الأمر بالتصدق ، وحينئذ يجوز أن يكون لمصلحة رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تصدق بحلال ؛ أما إذا كان ذلك قبل تحريم القمار كما هو المعول عليه فظاهر ، وأما إن كان بعد التحريم فلأن أبا حنيفة . ومحمداً قالا بجواز العقود الفاسدة في دار الحرب بين المسلمين والكفار واحتجا على صحة ذلك بما وقع من أبي بكر في هذه القصة ، وقد تظافرت الروايات أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه المناحبة وإنما أنكر عليه التأجيل بثلاث سنين وأرشده إلى أن يزايدهم ، وربما يقال على تقدير الصحة : إن السحت ليس بمعنى الحرام بل بمعنى ما يكون سبباً للعار والنقص في المروءة حتى كأنه يسحتها أي يستأصلها كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «كسب الحجام سحت » فقد قال الراغب : إن هذا لكونه ساحتاً للمروءة لا للدين فكأنه صلى الله عليه وسلم رأى أن تمول ذلك وإن كان حلالاً مخل بمروءة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فأطلق عليه السحت ، ولا يأبى ذلك إذنه عليه الصلاة والسلام في المناحبة لما أنها لا تضرب بالمروءة أصلاً وفيها من إظهار اليقين بصدق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ما فيها وكان عليه الصلاة والسلام على ثقة من صلاح الصديق رضي الله تعالى عنه وأنه إذا أمره بالتصدق بما يأخذه ونهاه عن تموله لم يخالفه ، وقيل : السحت هنا بمعنى ما لا شيء على من استهلكه وهو أحد إطلاقاته كما في النهاية ، والمراد هذا الذي لا شيء عليك إذا استهلكته وتصرفت فيه حسبما تشاء تصدق به كأنه عليه الصلاة والسلام بعد أن أخبر الصديق رضي الله تعالى عنه بأنه لا مانع له من التصرف فيه حسبما يريد أرشده إلى ما هو الأولى والأحرى فقال : تصدق به ، وهو كما ترى ، وقيل : إن السحت كما في النهاية يرد في الكلام بمعنى الحرام مرة وبمعنى المكروه أخرى ويستدل على ذلك بالقرائن فيجوز أن يكون في الخبر إذا صح فيه بمعنى المكروه إذ الأمر بالتصديق يمنع أن يكون بمعنى الحرام فيتعين كونه بمعنى المكروه ، وفيه نظر ، وأما تفسير السحت بالحرام والتزام القول بجواز التصدق بالحرام لهذا الخبر فمما لا يلتفت إليه أصلاً فتأمل .
وكانت كلتا الغلبتين في سلطنة خسروبرويز ، قال في روضة الصفا ما ترجمته : إنه لما مضى من سلطنة خسرو أربعة عشر سنة غدر الروميون بملكهم وقتلوه مع ابنه بناطوس وهرب ابنه الآخر إلى خسرو فجهز معه ثلاثة رؤساء أولى قدر رفيع مع عسكر عظيم فدخلوا بلاد الشام وفلسطين وبيت المقدس وأسروا من فيها من الأساقفة وغيرهم وأرسلوا إلى خسرو الصليب الذي كان مدفوناً عندهم في تابوت من ذهب وكذلك استولوا على الإسكندرية وبلاد النوبة إلى أن وصلوا إلى نواحي القسطنطينية وأكثروا الخراب وجهدوا على إطاعة الروميين لابن قيصر فلم تحصل ، قيل : إن الروميين جعلوا عليهم حاكماً شخصاً اسمه هرقل وكان سلطاناً عادلاً يخاف الله تعالى فلما رأى تخريب فارس قد شاع في بلاد الروم من النهب والقتل تضرع وبكى وسأل الله تعالى تخليص الروميين فصادف دعاؤه هدف الإجابة فرأى في ليالي متعددة في منامه أنه قد جيء إليه بخسرو في عنقه سلسلة ، وقيل له : عجل بمحاربة برويز لأنه يكون لك الظفر والنصرة فجمع هرقل عسكره بسبب تلك الرؤية وتوجه من قسطنطينية إلى نصيبين فسمع خسرو فجهز اثني عشر ألفاً مع أمير من أمرائه فقابلهم هرقل فكسرهم وقتل منهم تسعة آلاف مع رؤسائهم .
وفي بعض الروايات أنهم ربطوا خيولهم بالمدائن ، ورأيت في بعض الكتب أن سبب ظهور الروم على فارس أن كسرى بعث إلى أميره شهريار وهو الذي ولاه على محاربة الروم إن اقتل أخاك فرخان لمقالة قالها وهو قوله : لقد رأيتني جالساً على سرير كسرى فلم يقتله فبعث إلى فارس إني قد عزلت شهريار ووليت أخاه فرخان فاطلع فرخان على حقيقة الحال فرد الملك إلى أخيه وكتب شهريار إلى قيصر ملك الروم فتعاونا على كسرى فغلبت الروم فارس وجاء الخبر ففرح المسلمون وكان ذلك من الآيات البينات الباهرة الشاهدة بصحة النبوة وكون القرآن من عند الله عز وجل لما في ذلك من الأخبار عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى العليم الخبير ، وقد صح أنه أسلم عند ذلك ناس كثير . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس . وابن عمر . وأبو سعيد الخدري . والحسن . ومعاوية بن قرة { غُلِبَتِ الروم } على البناء للفاعل و { سَيَغْلِبُونَ } على البناء للمفعول ، والمعنى على ما قيل : إن الروم غلبوا على ريف الشام وسيغلبهم المسلمون وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزول الآية ففتحوا بعض بلادهم ، وإضافة { غلب } عليه من إضافة المصدر إلى الفاعل ، ووفق بين القراءتين بأن الآية نزلت مرتين مرة بمكة على قراءة الجمهور ومرة يوم بدر كما رواه الترمذي وحسنه عن أبي سعيد على هذه القراءة .
وقال بعض الأجلة : الصواب أن يبقى نزولها على ظاهره ويراد بغلب المسلمين إياهم ما كان في غزوة موتة وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان وذلك قريب من التاريخ الذي ذكروه لنزول الآية أولاً ولا حاجة إلى تعدد النزول فإنه يجوز تخالف معنى القراءتين إذا لم يتناقضا ، وكون فريق غالباً ومغلوباً في زمانين غير متدافع فتأمل انتهى .
ولا يخفى على من سبر السير أن هذا مما لا يكاد يتسنى لأن الروم لم يغلبهم المسلمون في تلك الغزوة بل انصرفوا عنهم بعد أن أصيبوا بجعفر بن أبي طالب . وزيد بن حارثة . وعبد الله بن رواحة . وعباد بن قيس في آخرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين كالمغلوبين ، بل ذكر ابن هشام أنهم لما أتوا المدينة جعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون : يا فرار فررتم في سبيل الله تعالى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى . وروى أن أم سلمة قالت لامرأة سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة : ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين ؟ فقالت : والله ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس يا فرار فررتم في سبيل الله حتى قعد في بيته ولم يخرج ، وذكر أبياتاً لقيس اليعمري يعتذر فيها مما صنع يومئذ وصنع الناس وقد تضمنت كما قال بيان أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت وأن خالد بن الوليد انحاز بمن معه ، على أن فيما ذكر أنه الصواب بحثا بعد ، فلعل الأولى في التوفيق إذا صحت هذه القراءة ما ذكر أولاً فتأمل .
وفي «البحر » كان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يحكي عن أبي الحكم بن برجان أنه استخرج من قوله تعالى : { الم غُلِبَتِ الروم –إلى- سِنِينَ } [ الروم : 1-4 ] افتتاح المسلمين بيت المقدس معيناً زمانه ويومه وكان إذ ذاك بيت المقدس قد غلبت عليه النصارى وإن ابن برجان مات قبل الوقت الذي عينه للفتح وأنه بعد موته بزمان افتتحه المسلمون في الوقت الذي عينه أبو الحكم وكان أبو جعفر يعتقد في أبي الحكم هذا أنه كان يتطلع على أشياء من المغيبات يستخرجها من كتاب الله تعالى انتهى ، واستخراج بعض العارفين كمحيي الدين قدس سره . والعراقي . وغيرهم المغيبات من القرآن العظيم أمر شهير وهو مبني على قواعد حسابية وأعمال حرفية لم يرد شيء منها عن سلف الأمة ولا حجر على فضل الله عز وجل وكتاب الله تعالى فوق ما يخطر للبشر ، وقد سئل علي كرم الله تعالى وجهه هل أسر إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كتمه عن غيركم فقال : لا إلا أن يؤتى الله تعالى عبداً فهما في كتابه ، هذا ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا لفهم أسرار كتابه بحرمة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
{ لِلَّهِ الامر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } أي من قبل هذه الحالة ومن بعدها وهو حاصل ما قيل أي من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين ، وتقديم الخبر للتخصيص ، والمعنى أن كلا من كونهم مغلوبين أولاً وغالبين آخراً ليس إلا بأمر الله تعالى شأنه وقضائه عز وجل { وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } [ آل عمران : 140 ] وقرأ أبو السمال . والجحدري عن العقيلي { مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } بالكسر والتنوين فيهما فليس هناك مضاف إليه مقدر أصلاً على المشهور كأنه قيل : لله الأمر قبلاً وبعداً أي في زمان متقدم وفي زمان متأخر ، وحذف بعضهم الموصوف ، وذكر السكاكي أن المضاف إليه مقدر في مثل ذلك أيضاً والتنوين عوضه عنه ، وجوز الراء الكسر من غير تنوين ، وقال الزجاج : إنه خطأ لأنه إما أن لا يقدر فيه الإضافة فينون أو يقدر فيبني على الضم ، وأما تقدير لفظه قياساً على قوله : بين ذراعي وجبهة الأسد فقياس مع الفارق لذكره فيه بعد وما نحن فيه ليس كذلك ، وقال النحاس : للفراء في كتابه في القرآن أشياء كثيرة الغلط ، منها أنه زعم يجوز { مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } بالكسر بلا تنوين وإنما يجوز { مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } على أنهما نكرتان أي من متقدم ومن متأخر ، وذهب إلى قول الفراء ابن هشام في بعض كتبه ، وحكى الكسائي عن بعض بني أسد { لِلَّهِ الامر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } على أن الأول مخفوض منون والثاني مضموم بلا تنوين .
{ وَيَوْمَئِذٍ } أي ويوم إذ يغلب الروم فارساً { يَفْرَحُ المؤمنون } .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{في بضع سنين} يعني خمس سنين، أو سبع سنين إلى تسع.
{لله الأمر من قبل} حين ظهرت فارس على الروم، {ومن بعد} ما ظهرت الروم على فارس.
{ويومئذ يفرح المؤمنون} وذلك أن فارس غلبت الروم، ففرح بذلك كفار مكة، فقالوا: إن فارس ليس لهم كتاب، ونحن منهم، وقد غلبوا أهل الروم، وهم أهل كتاب قبلكم، فنحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس الروم، فخاطرهم أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، على أن يظهر الله عز وجل الروم على فارس، فلما كان يوم بدر غلب المسلمون كفار مكة، وأتى المسلمين الخبر بعد ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بالحديبية أن الروم قد غلبوا أهل فارس، ففرح المسلمون بذلك، فذلك قوله تبارك وتعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون} {بنصر الله ينصر من يشاء} فنصر الله عز وجل الروم على فارس، ونصر المؤمنين على المشركين يوم بدر... {وهو العزيز} يعني المنيع في ملكه {الرحيم} بالمؤمنين حين نصرهم...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{لله الأمر من قبل ومن بعد} قال بعضهم: {لله الأمر من قبل} قبل غلبة فارس على الروم {ومن بعد} بعد غلبة فارس على الروم. ويقال: {لله الأمر من قبل} حين ظهرت الفارس على الروم {ومن بعد} بعدما ظهرت الروم [على فارس. وجائز أن يكون قوله: {لله الأمر} في خلقه، أي التدبير فيه وله الأمر فيهم، أي ليس لأحد في الخلق أمر ولا تدبير، وإنما ذلك له كقوله: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] له التدبير فيهم والأمر.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
قال أبو سعيد الخدري: كان النصر يوم بدر للفريقين للنبي (صلى الله عليه وآله) والروم على فارس، ففرح المؤمنون بالنصرين. وقيل: كان يوم الحديبية...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
" {قَبْلُ} إذا أُطْلق انتظم الأزل، "" وبَعْدُ "" إذا أطلق دلّ على الأبد؛ فالمعنى الأمر الأزلي لله، والأمر الأبدي للّهِ، لأنَّ الرَّبِّ الأزلي والسَّيِّدَ الأبدي اللَّهُ...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
أخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدره، فقال {لله الأمر} أي إنفاذ الأحكام {من قبل ومن بعد}.
{ويومئذ} يحتمل أن يكون عطفاً على القبل والبعد، كأنه حصر الأزمنة الثلاثة الماضي والمستقبل والحال، ثم ابتدأ الإخبار بفرح المؤمنين بالنصر، ويحتمل أن يكون الكلام تم في قوله {بعد}، ثم استأنف عطف جملة أخبر فيها أن يوم غلبت الروم الفرس {يفرح المؤمنون بنصر الله}، وعلى هذا الاحتمال مشى المفسرون.
والنصر الذي {يفرح} به {المؤمنون}...يحتمل أن يشار به إلى فرح المسلمين بنصر الله إياهم في أن صدق ما قال نبيهم من أن الروم ستغلب فارس فإن هذا ضرب من النصر عظيم...
{في بضع سنين} قيل هي ما بين الثلاثة والعشرة، أبهم الوقت مع أن المعجزة في تعيين الوقت أتم، فنقول السنة والشهر واليوم والساعة كلها معلومة عند الله تعالى وبينها لنبيه وما أذن له في إظهارها لأن الكفار كانوا معاندين، والأمور التي تقع في البلاد النائية تكون معلومة الوقوع بحيث لا يمكن إنكارها، لكن وقتها يمكن الاختلاف فيه، فالمعاند كان يتمكن من أن يرجف بوقوع الواقعة قبل الوقوع ليحصل الخلف في كلامه
{لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون}. ثم قال تعالى: {لله الأمر من قبل ومن بعد} أي من قبل الغلبة ومن بعدها أو من قبل هذه المدة ومن بعدها، يعني إن أراد غلبهم غلبهم قبل بضع سنين وإن أراد غلبهم غلبهم بعدها، وما قدر هذه المدة لعجز وإنما هي إرادة نافذة.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
وعبر بالبضع ولم يعين إبقاء للعباد في ربقة نوع من الجهل، تعجيزاً لهم، وتحدياً لمن عاند بنفي ما أخبر به أو يعلم ما ستر منه، وتشريعاً للتعمية إذا قادت إليها مصلحة... ولما أخبر بهذه المعجزة، تلاها بمعجزة أخرى، وهو أن أهل الإسلام لا يكون لهم ما يهمهم فيسرون بنصره فقال: {ويومئذ يفرح المؤمنون}
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وحكمة إبهام عدد السنين أنه مقتضى حال كلام العظيم الحكيم أن يقتصر على المقصود إجمالاً وأن لا يتنازل إلى التفصيل لأن ذلك التفصيل يتنزل منزلة الحشو عند أهل العقول الراجحة وليكون للمسلمين رجاء في مدة أقرب مما ظهر ففي ذلك تفريج عليهم.
وهذه الآية من معجزات القرآن، وكان غلبهم السابق أيضاً بنصر الله إياهم على الروم لحكمة اقتضت هذا التعاقب وهي تهيئة أسباب انتصار المسلمين على الفريقين إذا حاربوهم بعد ذلك لنشر دين الله في بلاديْهم، وقد أومأ إلى هذا قوله لله الأمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ}...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} وهذه هي الحقيقة الإيمانية التي تحكم كل قضايا الحياة المتعلقة بالناس في علاقاتهم في ساحة النصر أو الهزيمة، فقد يتحركون في ذلك بإرادتهم الذاتية، في ما يأخذون به أو يتركونه من الوسائل الواقعية، ولكن العمق الأساس للإرادة الإِلهية التي تخطط للحياة قوانينها وسننها الطبيعية، هو أن الله من وراء كل شيء، فهو يملك كل الأمر في حركة الواقع، لأنه هو السبب الأعمق في كل مواقع الأسباب في قانون السببية للأشياء، ما يجعل الإنسان المؤمن واثقاً بالله في كل الأمور التي يتحرك بها الحاضر، أو يختزنها المستقبل، فلا يعيش الإنسان القلق الذي يثير الاهتزاز في داخله أمام أيّ حدثٍ طارئ، بل يترك الأمر لله من خلال هذه الحقيقة التي تؤكد للناس كلهم بأن الأمر لله من قبل ومن بعد، وإذا كان الأمر كذلك، وكانت الحكمة هي الأساس في تدبير الله للكون، وكانت الرحمة هي الصفة الإلهية التي ترعى للإنسان حياته، فلا مشكلة هناك، فيسلّم الأمر له، وينطلق إلى الأهداف الكبرى بخطواتٍ ثابتة.
وهكذا ينبغي للمؤمنين أن يواجهوا الموقف المعقّد الذي حاول المشركون أن يُسقطوا به روحهم المعنوية، للإيحاء لهم بالهزيمة المرتقبة لهم، من خلال هزيمة المؤمنين الآخرين من أهل الكتاب، على أساس أن انتصار الكفر في موقع يعني انتصار كل الكافرين، وأن ضعف الإيمان في موقعٍ يعني ضعف كل المؤمنين. إن عليهم أن يواجهوا المسألة من خلال الحقيقة الإيمانية لا من خلال بعض الأحداث القلقة التي لا تمثل قاعدةً ثابتةً للحياة كلها، بل هي من بعض أوضاع الحياة العامة التي تنتقل بين انتصار فريق هنا وهزيمة فريقٍ هناك، وذلك في ما توحي به الآية الكريمة: {وَتِلْكَ الأيامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]. فإذا كان الله قد تكفل بنصر دينه، فعليهم أن يثقوا بذلك وينتظروا النصر المؤكد منه...