في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (41)

23

ولكن حيث لا ينفع الندم ، ولا يجدي المتاب :

( فأخذتهم الصيحة بالحق ، فجعلناهم غثاء ) . .

والغثاء ما يجرفه السيل من حشائش وأعشاب وأشياء مبعثرة ، لا خير فيها ، ولا قيمة لها ، ولا رابط بينها . . وهؤلاء لما تخلوا عن الخصائص التي كرمهم الله بها ، وغفلوا عن حكمة وجودهم في الحياة الدنيا ، وقطعوا ما بينهم وبين الملأ الأعلى . . لم يبق فيهم ما يستحق التكريم ؛ فإذا هم غثاء كغثاء السيل ، ملقى بلا احتفال ولا اهتمام وذلك من فرائد التعبير القرآني الدقيق .

ويزيدهم على هذه المهانة ، الطرد من رحمة الله ، والبعد عن اهتمام الناس :

( فبعدا للقوم الظالمين ) . .

بعدا في الحياة وفي الذكرى . في عالم الواقع وفي عالم الضمير . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (41)

{ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة } أي صيحة جبريل عليه السلام صاح عليه السلام بهم فدمرهم ، وهذا على القول بأن القرن قوم صالح عليه السلام ظاهر ، ومن قال : إنهم قوم هود عليه السلام أشكل ظاهر هذا عليه بناءاً على أن المصرح به في غير هذه السورة أنهم أهلكوا بريح عاتية ، وأجاب بأن جبريل عليه السلام صاح بهم من الريح كما روى في بعض الأحاديث ، وفي ذكر كل على حدة إشارة إلى أن كلا لو انفرد لتدميرهم لكفى ، ويجوز أن يراد بالصيحة العقوبة الهائلة والعذاب المصطلم كما في قوله

: صاح الزمان بآل برمك صيحة *** خروا لشدتها على الأذقان

{ بالحق } متعلق بالأخذ أي بالأمر الثابت الذي لا مدفع له كما في قوله تعالى : { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ } [ ق : 19 ] أو بالعدل من الله عز وجل من قولك : فلان يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضاياه أو بالوعد الصدق الذي وعده الرسول في ضمن قوله تعالى : { عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نادمين } [ المؤمنون : 40 ] { فجعلناهم غُثَاء } أي كغثاء السيل وهو ما يحمله من الورق والعيدان البالية ويجمع على أغثاء شذوذاً وقد تشدد ثاؤه كما في قول امرئ القيس

: كأن ذرى رأس المجيمر غدوة *** من السيل والغثاء فلكة مغزل

{ فَبُعْداً لّلْقَوْمِ الظالمين } يحتمل الإخبار والدعاء ، والبعد ضد القرب والهلاك وفعلهما ككرم وفرح والمتعارف الأول في الأول والثاني في الثاني وهو منصوب بمقدر أي بعدوا بعداً من رحمة الله تعالى أو من كل خير أو من النجاة أو هلكوا هلاكاً ، ويجب حذف ناصب هذا المصدر عند سيبويه فيما إذا كان دعائياً كما صرح به في «الدر المصون » ، واللام لبيان من دعى عليه أو أخبر ببعده فهي متعلقة بمحذوف لا ببعداً ، ووضع الظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن إبعادهم لظلمهم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (41)

وجاء الوعيد فعلاً . وأخبر - سبحانه - عن ذلك فقال : { فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق . . . } . . أى : فأهلكناهم إهلاكاً تامًّا ، بالصيحة التى صاحها بهم جبريل - عليه السلام - حيث صاح بهم مع الريح العاتية التى أرسلها الله عليهم فدمروا تدميرا .

وذكر - سبحانه - هنا الصيحة فقط مع أن قوم هود قد أهلكوا بها وبالريح الصرصر العاتية للإشعار بأن إحدى هاتين العقوبتين لو انفردت كافية لإهلاكهم ، فقد قال - سبحانه - فى شأن الريح التى أرسلها عليهم : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي القوم المجرمين } وقوله { بالحق } حال من الصيحة ، وهو متعلق بمحذوف ، والتقدير ، فأخذتهم الصيحة حالة كونها بالعدل الذى لا ظلم معه ، وإنما هم الذين ظلموا أنفسهم بتكذيبهم لنبيهم .

وقوله - سبحانه - { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين } بيان لمصيرهم الأليم . والغثاء : الرميم الهامد الذى يحمله السيل من ورق الشجر وغيره ، يقال : غثا الوادى يغثو إذا كثر غثاؤه .

أى : فصيرناهم هلكى هامدين كغثاء السيل البالى ، الذى اختلط بزبده ، فهلاكاً وبعداً لهؤلاء القوم الظالمين ، كما هلك وبعد من قبلهم قوم نوح - عليه السلام - .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (41)

قوله : ( فأخذتهم الصيحة بالحق ) صاح عليهم الملك الهائل جبريل فدمرهم ( بالحق ) أي بالعدل من الله . فما يفعله الله أو يقدره ، عدل . وما أنزله فيهم من كتدمير وإهلاك ليس إلا العدل ؛ لأنهم يستحقونه عقابا لهم .

قوله : ( فجعلناهم غثاء ) الغثاء ، معناه الزبد والبالي من ورق الشجر المخالط زبد السيل{[3171]} ، فقد شبههم بالغثاء وهو حميل السيل مما بلي واسود من ورق الشجر وغيره من الزبد . وذلك لفرط ما حل بهم من فظاعة التدمير والاصطلام .

قوله : ( فبعدا للقوم الظالمين ) ( بعدا ) ، مصدر لفعل محذوف تقديره : بعدوا ؛ بعدا أي هلكوا ( للقوم الظالمين ) بيان للهلكى الذين كفروا بربهم وكذبوا رسله وغالوا في المعاندة والاستكبار{[3172]} .


[3171]:- القاموس المحيط ص 1697.
[3172]:- تفسير البيضاوي ص 455 والبحر المحيط جـ6 ص 375.