في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ} (46)

26

ومن هذا المشهد الخاطف ليوم الحشر ، وما سبقه من أيام الحياة في الأرض إلى حديث مع الرسول - [ ص ] - في شأن وعيد الله للمكذبين ؛ ذلك الوعيد الغامض ، لا يدرون إن كان سيعاجلهم غداً ، أم إنهم سينظرون إلى يوم الدين ، ليبقى مصلتاً فوق رؤوسهم لعلهم يتقون ويهتدون . . وشيئاً فشيئاً تنتهي الجولة التي بدأت بالحديث عن الوعيد إلى نهايتها يوم لا ينفع الفداء ولو كان ما في الأرض كله ، ويوم يقضي الله بالقسط لا يظلم أحداً . . وذلك على طريقة القرآن في وصل الدنيا بالآخرة ، في كلمات ولحظات ، في تصوير حي يلمس القلوب ، ويصور في الوقت ذاته حقيقة الاتصال بين الدارين والحياتين كما هما في الواقع ، وكما ينبغي أن يكونا في التصور الإسلامي الصحيح :

( وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ، ثم الله شهيد على ما يفعلون . ولكل أمة رسول ، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون . ويقولون : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ? قل : لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله ، لكل أمة أجل ، إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون . قل أرأيتم : إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون . أثم إذا ما وقع آمنتم به ? آلآن وقد كنتم به تستعجلون ? ثم قيل للذين ظلموا : ذوقوا عذاب الخلد ، هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون . ويستنبئونك أحق هو ? قل : إي وربي إنه لحق ، وما أنتم بمعجزين . ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به ، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ، وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) .

تبدأ هذه الجولة بتقرير أن مرجع القوم إلى الله ، سواء وقع بعض الوعيد الذي كلف الرسول [ ص ] أن يبلغه لهم ، في حياته أو بعد وفاته . فالمرجع إلى الله في الحالين . وهو شهيد على ما يفعلون في حضور الرسول بالحياة ، وفي غيبته بالوفاة . فلن يضيع شيء من أعمالهم ولن تعفيهم وفاة الرسول [ ص ] مما يوعدون .

( وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ، ثم الله شهيد على ما يفعلون ) فالأمور مدبرة سائرة حسب التدبير ، لا يخرم منها حرف ، ولا يتغير بالطوارئ والظروف .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ} (46)

{ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } أصله إن نرينك و { مَا } مزيد لتأكيد معنى الشرط ومن ثمت أكد الفعل بالنون والرؤية بصرية أي اما نرينك بعينك { بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ } من العذاب بأن نعذبهم في حياتك { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل ذلك { فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } جواب للشرط وما عطف عليه ، والمعنى إن عذابهم في الآخرة مقرر عذبوا في الدنيا أولا ، وقيل : هو جواب { نَتَوَفَّيَنَّكَ } كأنه قيل : إنا نتوفينك فإلينا مرجعهم فنريكه في الآخرة وجواب الأول محذوف أي إما نرينك فذاك المراد أو المتمني أو نحو ذلك ، وقال الطيبي : أي فذاك حق وصواب أو واقع أو ثابت واختار الأول أبو حيان ، والاعتراض عليه بأن الرجوع لا يترتب على تلك الإراءة فيحتاج إلى التزام كون الشرطية اتفاقية ناشىء من الغفلة عن المعنى المراد ، والمراد من { نَعِدُهُمْ } وعدناهم إلا أنه عدل إلى صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة أو للدلالة على التجدد والاستمرار أن نعدهم وعداً متجدداً حسبما تقتضيه الحكمة من إنذار غب إنذار .

وفي تخصيص البعض بالذكر قيل رمز إلى أن العدة بإراءة بعض الموعود وقد أراه صلى الله عليه وسلم ذلك يوم بدر { ثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ } من الأفعال السيئة التي حكيت عنهم ، والمراد من الشهادة لازمها مجازاً وهو المعاقبة والجزاء فكأنه قيل : ثم الله تعالى معاقب على ما يفعلون ، وجوز أن يراد منها إقامتها وأداؤها بإنطاق الجوارح وإلا فشهادة الله سبحانه بمعنى كونه رقيباً وحافظاً أمر دائم في الدارين و { ثُمَّ } لا تناسب ذلك ، والظاهر أنها على هذين الوجهين على ظاهرها . وفي «الكشف » وغيره هي على الأول للتراخي الرتبي وعلى الثاني على الظاهر وظاهر كلام البعض استحسان حملها على التراخي الرتبي مطلقاً ولا أرى لارتكاب خلاف الظاهر بعد ذلك الارتكاب داعياً ، وأن العطف بها على الجزاء لا على مجموع الشرطية ، وأنت تعلم أن العطف على ذاك يمنع من إرادة التعذيب منه أو إراءته أو نحو ذلك مما لا يصح أن يكون المعنى المعطوف بثم بعده ومترتباً عليه ، ولعل ما اعتبروه هناك ليس تفسيراً للرجوع بل هو بيان للمقصود من الكلام ، وإظهار اسم الجلالة لإدخال الروعة وتربية المهابة وتأكيد التهديد . وقرأ ابن أبي عبلة { ثُمَّ } بالفتح أي هنالك .