في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (65)

26

وفي ظل هذه الرعاية والحماية لأولياء الله يخاطب النبي [ ص ] وهو أولى الأولياء ، بما يطمئنه تجاه المكذبين والمفترين ، وكانوا في ذلك الوقت هم أصحاب القوة والجاه :

( ولا يحزنك قولهم . إن العزة لله جميعاً . هو السميع العليم ) . .

ويفرد الله بالعزة هنا ، ولا يضيفها إلى الرسول والمؤمنين - كما في الموضع الآخر - لأن السياق سياق حماية الله لأوليائه . فيفرده بالعزة جميعاً - وهي أصلاً لله وحده ، والرسول والمؤمنون يستمدونها منه - ليجرد منها الناس جميعاً ، ومشركو قريش العتاة داخلون في الناس . أما الرسول [ ص ] فهو في الحماية الإلهية التي أضفاها على أوليائه . فلا يحزن لما يقولون . والله معه وهو السميع العليم . الذي يسمع قولهم ويعلم كيدهم ويحمي أولياءه مما يقال ومما يكاد .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (65)

{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } معطوفاً على الجملة قبل أي ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فلا يحزنك قول أعداء الله تعالى فالاعتراض عنده بين متصلين لا في آخر الكلام لكنه ليس بشيء ، والذي عليه الجمهور أنه استئناف سيق تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يلقاه من جهة الاعداء من الأذية الناشئة من مقالاتهم الرديئة الوحشية وتبشيراً له عليه الصلاة والسلام بالنصر والعز إثر بيان أن له ولأتباعه أمناً من كل محذور وفوزاً بكل مطلوب فهو متصل بقوله سبحانه : { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله } [ يونس : 62 ] الخ معنى . وقيل : إنه متصل بقوله سبحانه : { وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لّى عَمَلِى * ولكن *عَمَلُكُمْ } [ يونس : 41 ] الآية واختاره على ما فيه من البعد الطبرسي .

وقرأ نافع { وَلاَ يَحْزُنكَ } من أحزن وهو في الحقيقة نهى له صلى الله عليه وسلم عن الحزن كأنه قيل : لا تحزن بقولهم ولا تبال بكل ما يتفوهون به في شأنك مما لا خير فيه ، وإنما عدل عنه إلى ما في النظم الجليل للمبالغة في النهي عن الحزن لما أن النهي عن التأثير نهى عن التأثر بأصله ونفى له بالمرة ، ونظير ذلك كما مر غير مرة قولهم لا أرينك ههنا ولا يأكلك السبع ونحوه ، وقد وجه فيه النهي إلى اللازم والمراد هو النهي عن الملزوم ، قيل : وتخصيص النهي عن الحزن بالإيراد مع شمول النفي السابق للخوف أيضاً لما أنه لم يكن فيه صلى الله عليه وسلم شائبة خوف حتى ينهى عنه وربما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات حزن فسلى عنه ، ولا يخفى أنه إذا قلنا أن الخوف والحزن متقاربان فإذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا كما علمت آنفاً كان النهي عن الحزن نهياً عن الخوف أيضاً إلا أن الأولى عدم اعتبار ما فيه توهم نسبة الخوف إلى ساحته عليه الصلاة والسلام وإن لم يكن في ذلك نقص . فقد جاء نهي الأنبياء عليهم السلام عن الخوف كنهيهم عن الحزن بل قد ثبت صريحاً نسبة ذلك إليهم وهو مما لا يخل بمرتبة النبوة إذ ليس كل خوف نقصاً لينزهوا عنه كيف كان .

{ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } كلام مستأنف سيق لتعليل النهي ، وقيل : جواب سؤال مقدر كأنه قيل : لم لا يحزنه ؟ فقيل : لأن الغلبة والقهر لله سبحانه لا يملك أحد شيئاً منها أصلاً لا هم ولا غيرهم فلا يقهر ولا يغلب أولياءه بل يقهرهم ويغلبهم ويعصمك منهم . وقرأ أبو حيوة { ءانٍ } بالفتح على صريح التعليل أي لأن ، وحمل قتيبة بن مسلم ذلك على البدل ثم أنكر القراءة لذلك لأنه يؤدي إلى أن يقال : فلا يحزنك أن العزة لله جميعاً وهو فاسد .

وذكر الزمخشري أنه لو حمل على البدل لكان له وجه أيضاً على أسلوب { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين } [ القصص : 86 ] { وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } [ القصص : 88 ] فيكون للتهييج والإلهاب والتعريض بالغير وفيه بعد { هُوَ السميع العليم } يسمع أقوالهم في حقك ويعلم ما يضمرونه عليك فيكافؤهم على ذلك وما ذكرناه في الآية هو الظاهر المتبادر . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : لما لم ينتفعوا بما جاءهم من الله تعالى وأقاموا على كفرهم كبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه من الله سبحانه فيما يعاتبه { وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً هُوَ السميع العليم } يسمع ما يقولون ويعلمه فلو شاء بعزته لانتصر منهم ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جداً مع ما فيه من تعليق العلم بما علق بالسمع ، ولعل روايته عن الحبر غير معول عليها .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } أي لا تتأثر به { إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } لا يملك أحد سواه منها شيئاً فسيكفيكهم الله تعالى ويقهرهم و { هُوَ السميع } لأقوالهم { العليم } [ يونس : 65 ] بما ينبغي أن يفعل بهم .