في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ} (285)

285

فلننظر في هذه النصوص بشيء من التفصيل :

أركان الإيمان 285

( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون . كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله . لا نفرق بين أحد من رسله . وقالوا : سمعنا وأطعنا . غفرانك ربنا وإليك المصير )

إنها صورة للمؤمنين ، للجماعة المختارة التي تمثلت فيها حقيقة الإيمان فعلا . ولكل جماعة تتمثل فيها هذه الحقيقة الضخمة . . ومن ثم كرمها الله - سبحانه - وهو يجمعها - في حقيقة الإيمان الرفيعة - مع الرسول - [ ص ] وهو تكريم تدرك الجماعة المؤمنة حقيقته ؛ لأنها تدرك حقيقة الرسول الكبيرة ؛ وتعرف أي مرتقى رفعها الله إليه عنده ، وهو يجمع بينها وبين الرسول [ ص ] في صفة واحدة ، في آية واحدة ، من كلامه الجليل :

( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ) . .

وإيمان الرسول بما أنزل إليه من ربه هو إيمان التلقي المباشر . تلقي قلبه النقي للوحي العلي . واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة . الحقيقة التي تتمثل في كيانه بذاتها من غير كد ولا محاولة ؛ وبلا أداة أو واسطة . وهي درجة من الإيمان لا مجال لوصفها فلا يصفها إلا من ذاقها ، ولا يدركها من الوصف - على حقيقتها - إلا من ذاقها كذلك ! فهذا الإيمان - إيمان الرسول [ ص ] هو الذي يكرم الله عباده المؤمنين فيجمعهم في الوصف مع الرسول الكريم . على فارق ما بين مذاقه في كيان الرسول [ ص ] بطبيعة الحال وكيان أي سواه ممن لم يتلق الحقيقة المباشرة من مولاه .

فما هي طبيعة هذا الإيمان وحدوده ؟

( كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله . لا نفرق بين أحد من رسله . وقالوا : سمعنا وأطعنا . غفرانك ربنا وإليك المصير ) . .

إنه الإيمان الشامل الذي جاء به هذا الدين . الإيمان الذي يليق بهذه الأمة الوارثة لدين الله ، القائمة على دعوته في الأرض إلى يوم القيامة ، الضاربة الجذور في أعماق الزمان ، السائرة في موكب الدعوة وموكبالرسول وموكب الإيمان الممتد في شعاب التاريخ البشري ، الإيمان الذي يتمثل البشرية كلها منذ نشأتها إلى نهايتها صفين اثنين : صف المؤمنين وصف الكافرين . حزب الله وحزب الشيطان . فليس هنالك صف ثالث على مدار الزمان .

( كل آمن بالله ) . .

والإيمان بالله في الإسلام قاعدة التصور . وقاعدة المنهج الذي يحكم الحياة . وقاعدة الخلق وقاعدة الاقتصاد . وقاعدة كل حركة يتحركها المؤمن هنا أو هناك .

الإيمان بالله معناه إفراده - سبحانه - بالألوهية والربوبية والعبادة . ومن ثم إفراده بالسيادة على ضمير الإنسان وسلوكه في كل أمر من أمور الحياة .

ليس هناك شركاء - إذن - في الألوهية أو الربوبية . فلا شريك له في الخلق . ولا شريك له في تصريف الأمور . ولا يتدخل في تصريفه للكون والحياة أحد . ولا يرزق الناس معه أحد . ولا يضر أو ينفع غيره أحد . ولا يتم شيء في هذا الوجود صغيرا كان أو كبيرا إلا ما يأذن به ويرضاه .

وليس هناك شركاء في العبادة يتجه إليهم الناس . لا عبادة الشعائر ولا عبادة الخضوع والدينونة . فلا عبادة إلا لله . ولا طاعة إلا لله ولمن يعمل بأمره وشرعه ، فيتلقى سلطانه من هذا المصدر الذي لا سلطان إلا منه . فالسيادة على ضمائر الناس وعلى سلوكهم لله وحده بحكم هذا الإيمان . ومن ثم فالتشريع وقواعد الخلق ، ونظم الاجتماع والاقتصاد لا تتلقى إلا من صاحب السيادة الواحد الأحد . . من الله . . فهذا هو معنى الإيمان بالله . . ومن ثم ينطلق الإنسان حرا إزاء كل من عدا الله ، طليقا من كل قيد إلا من الحدود التي شرعها الله ، عزيزا على كل أحد إلا بسلطان من الله .

( وملائكته ) .

والإيمان بملائكة الله طرف من الإيمان بالغيب ، الذي تحدثنا عن قيمته في حياة الإنسان في مطلع السورة - في الجزء الأول من الظلال - وهو يخرج الإنسان من نطاق الحواس المضروب على الحيوان ؛ ويطلقه يتلقى المعرفة مما وراء هذا النطاق الحيواني ؛ وبذلك يعلن " إنسانيته " بخصائصها المميزة . . ذلك بينما هو يلبي فطرة الإنسان وشوقه إلى المجاهيل التي لا تحيط بها حواسه ، ولكنه يحس وجودها بفطرته . فإذا لم تلب هذه الأشواق الفطرية بحقائق الغيب - كما منحها الله له - اشتطت وراء الأساطير والخرافات لتشبع هذه الجوعة ؛ أو أصيب الكيان الإنساني بالخلخلة والاضطراب .

والإيمان بالملائكة : إيمان بحقيقة غيبية ، لا سبيل للإدراك البشري أن يعرفها بذاته ، بوسائله الحسية والعقلية المهيأة له . . بينما كيانه مفطور على الشوق إلى معرفة شيء من تلك الحقائق الغيبية . ومن ثم شاءت رحمة الله بالإنسان - وهو فاطره وهو العليم بتكوينه وأشواقه وما يصلح له ويصلحه - أن يمده بطرف من الحقائق الغيبية هذه ، ويعينه على تمثلها - ولو كانت أدواته الذاتية قاصرة عن الوصول إليها - وبذلك يريحه من العناء ومن تبديد الطاقة في محاولة الوصول إلى تلك الحقائق التي لا يصلح كيانه وفطرته بدون معرفتها ، ولا يطمئن باله ولا يقر قراره قبل الحصول عليها ! بدليل أن الذين أرادوا أن يتمردوا على فطرتهم ، فينفوا حقائق الغيبمن حياتهم ، استبدت ببعضهم خرافات وأوهام مضحكة ؛ أو اضطربت عقولهم واعصابهم وامتلأت بالعقد والانحرافات !

وفضلا على ذلك كله فإن الإيمان بحقيقة الملائكة - شأنه شأن الإيمان بالحقائق الغيبية المستيقنة التي جاءت من عند الله - يوسع آفاق الشعور الإنساني بالوجود ، فلا تنكمش صورة الكون في تصور المؤمن حتى تقتصر على ما تدركه حواسه - وهو ضئيل - كما أنه يؤنس قلبه بهذه الأرواح المؤمنة من حوله ؛ تشاركه إيمانه بربه ، وتستغفر له ، وتكون في عونه على الخير - بإذن الله - وهو شعور لطيف ندي مؤنس ولا شك . . ثم هنالك المعرفة : المعرفة بهذه الحقيقة وهي في ذاتها فضل يمنحه الله للمؤمنين به وبملائكته . .

( وكتبه ورسله ) . . ( لا نفرق بين أحد من رسله ) .

والإيمان بكتب الله ورسله بدون تفرقة بين أحد من رسله هو المقتضى الطبيعي الذي ينبثق من الإيمان بالله في الصورة التي يرسمها الإسلام . فالإيمان بالله يقتضي الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله ، وصدق كل الرسل الذين يبعثهم الله ، ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم ، وتتضمنه الكتب التي نزلت عليهم . . ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير المسلم . فكلهم جاء من عند الله بالإسلام في صورة من صوره المناسبة لحال القوم الذين أرسل إليهم ؛ حتى انتهى الأمر إلى خاتم النبيين محمد [ ص ] فجاء بالصورة الأخيرة للدين الواحد ، لدعوة البشرية كلها إلى يوم القيامة .

وهكذا تتلقى الأمة المسلمة تراث الرسالة كله ؛ وتقوم على دين الله في الأرض ، وهي الوارثة له كله ؛ ويشعر المسلمون - من ثم - بضخامة دورهم في هذه الأرض إلى يوم القيامة . فهم الحراس على أعز رصيد عرفته البشرية في تاريخها الطويل . وهم المختارون لحمل راية الله - وراية الله وحدها - في الأرض ، يواجهون بها رايات الجاهلية المختلفة الشارات ، من قومية ووطنية وجنسية وعنصرية وصهيونية وصليبية واستعمارية وإلحادية . . إلى آخر شارات الجاهلية التي يرفعها الجاهليون في الأرض ، على اختلاف الأسماء والمصطلحات واختلاف الزمان والمكان .

إن رصيد الإيمان الذي تقوم الأمة المسلمة حارسة عليه في الأرض ، ووارثة له منذ أقدم الرسالات ، هو أكرم رصيد وأقومه في حياة البشرية . إنه رصيد من الهدى والنور ، ومن الثقة والطمأنينة ، ومن الرضى والسعادة ، ومن المعرفة واليقين . . وما يخلو قلب بشري من هذا الرصيد حتى يجتاحه القلق والظلام ، وتعمره الوساوس والشكوك ، ويستبد به الأسى والشقاء . ثم يروح بتخبط في ظلماء طاخية ، لا يعرف أين يضع قدميه في التيه الكئيب !

وصرخات القلوب التي حرمت هذا الزاد ، وحرمت هذا الأنس ، وحرمت هذا النور ، صرخات موجعة في جميع العصور . . هذا إذا كان في هذه القلوب حساسية وحيوية ورغبة في المعرفة ولهفة على اليقين . فأما القلوب البليدة الميتة الجاسية الغليظة ، فقد لا تحس هذه اللهفة ولا يؤرقها الشوق إلى المعرفة . . ومن ثم تمضيفي الأرض كالبهيمة تأكل وتستمتع كما تأكل الأنعام وتستمتع . وقد تنطح وترفس كالبهيمة ، أو تفترس وتنهش كالوحش ؛ وتزاول الطغيان والجبروت والبغي والبطش ، وتنشر الفساد في الأرض . . ثم تمضي ملعونة من الله ملعونة من الناس !

والمجتمعات المحرومة من تلك النعمة مجتمعات بائسة - ولو غرقت في الرغد المادي - خاوية - ولو تراكم فيها الإنتاج - قلقة - ولو توافرت لها الحريات والأمن والسلام الخارجي - وأمامنا في أمم الأرض شواهد على هذه الظاهرة لا ينكرها إلا مراوغ يتنكر للحس والعيان !

والمؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله ، يتوجهون إلى ربهم بالطاعة والتسليم ، ويعرفون أنهم صائرون إليه ، فيطلبون مغفرته من التقصير :

( وقالوا : سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا ، وإليك المصير ) .

ويتجلى في هذه الكلمات أثر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله . يتجلى في السمع والطاعة ، السمع لكل ما جاءهم من عند الله ، والطاعة لكل ما أمر به الله . فهو إفراد الله بالسيادة كما ذكرنا من قبل ، والتلقي منه في كل أمر . فلا إسلام بلا طاعة لأمر الله ، وإنفاذ لنهجه في الحياة . ولا إيمان حيث يعرض الناس عن أمر الله في الكبيرة والصغيرة من شؤون حياتهم ؛ أو حيث لا ينفذون شريعته ، أو حيث يتلقون تصوراتهم عن الخلق والسلوك والاجتماع والاقتصاد والسياسة من مصدر غير مصدره . فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل .

ومع السمع والطاعة . . الشعور بالتقصير والعجز عن توفية آلاء الله حق شكرها ؛ وفرائض الله حق أدائها . والالتجاء إلى رحمة الله لتتدارك تقصيرهم وعجزهم بسماحتها :

( غفرانك ربنا ) . .

ولكن طلب الغفران إنما يجيء بعد تقديم الاستسلام وإعلان السمع والطاعة ابتداء بلا عناد أو نكران . . وإنما يعقبه كذلك اليقين بأن المصير إلى الله . المصير إليه في الدنيا والآخرة . المصير إليه في كل أمر وكلعمل . فلا ملجأ من الله إلا إليه ؛ ولا عاصم من قدره ، ولا مرد لقضائه ولا نجوة من عقابه إلا برحمته وغفرانه :

( وإليك المصير ) .

وهذا القول يتضمن الإيمان باليوم الآخر - كما رأينا - والإيمان باليوم الآخر هو أحد مقتضيات الإيمان بالله وفق التصور الإسلامي ، الذي يقوم على أساس أن الله خلق الإنسان ليستخلفه في الأرض بعهد منه وشرط ، يتناول كل صغيرة وكبيرة من نشاطه في هذه الأرض ؛ وأنه خلقه واستخلفه ليبتليه في حياته الدنيا ، ثم ينال جزاءه بعد نهاية الابتلاء . . فاليوم الآخر والجزاء فيه حتمية من حتميات الإيمان وفق التصور الإسلامي . . وهذا الإيمان على هذا النحو هو الذي يكيف ضمير المسلم وسلوكه ، وتقديره للقيم والنتائج في هذه العاجلة . فهو يمضي في طريق الطاعة ، وتحقيق الخير ، والقيام على الحق والاتجاه إلى البر سواء كانت ثمرة ذلك - في الأرض - راحة له أم تعبا . كسبا له أم خسارة . نصرا له أم هزيمة . وجدانا له أو حرمانا . حياة له أو استشهادا . لأن جزاءه هناك في الدار الآخرة بعد نجاحه في الابتلاء ، واجتيازه للامتحان . . لا يزحزحه عن الطاعة والحق والخير والبر أن تقف له الدنيا كلها بالمعارضة والأذى والشر والقتل . . فهو إنما يتعامل مع الله ؛ وينفذ عهده وشرطه ؛ وينتظر الجزاء هناك !

إنها الوحدة الكبرى . طابع العقيدة الإسلامية . ترسمه هذه الآية القصيرة : الإيمان بالله وملائكته . والإيمان بجميع كتبه ورسله ، بلا تفريق بين الرسل ، والسمع والطاعة ، والإنابة إلى الله . واليقين بيوم الحساب .

إنه الإسلام . العقيدة اللائقة بأن تكون ختام العقائد ، وآخر الرسالات . العقيدة التي تصور موكب الإيمان الواصب من مبتدى الخليقة إلى منتهاها . وخط الهداية المتصل الموصول بأيدي رسل الله جميعا . المتدرج بالبشرية في مراقي الصعود . الكاشف لها عن الناموس الواحد بقدر ما تطيق : حتى يجيء الإسلام ، فيعلن وحدة الناموس كاملة ، ويدع للعقل البشري التفصيل والتطبيق .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ} (285)

{ ءامَنَ الرسول } قال الزجاج : لما ذكر الله تعالى عز وجل في هذه السورة الجليلة الشأن الواضحة البرهان فرض الصلاة الزكاة ، والطلاق ، والحيض ، والإيلاء ، والجهاد ، وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والدين ، والربا ختمها بهذا تعظيماً لنبيه صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، وتأكيداً وفذلكة لجميع ذلك المذكور من قبل ، وقد شهد سبحانه وتعالى هنا لمن تقدم في صدر السورة بكمال الإيمان وحسن الطاعة واتصافهم بذلك بالفعل وذكره صلى الله عليه وسلم بطريق الغيبة مع ذكره هناك/ بطريق الخطاب لما أن حق الشهادة الباقية على مر الدهور أن لا يخاطب بها المشهود له ولم يتعرض سبحانه ههنا لبيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حكى عنهم من الدعوات الآتية إيذاناً بأنه أمر محقق غني عن التصريح لا سيما بعد ما نص عليه فيما سلف وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة دون تعرض لاسمه الشريف تعظيم له وتمهيد لما يذكر بعده . أخرج الحاكم والبيهقي . عن أنس قال : «لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم { الرسول بِمَا } قال عليه الصلاة والسلام : «وحق له أن يؤمن » وفي رواية عبد بن حميد عن قتادة وهي شاهد لحديث أنس فينجبر انقطاعه ويحق له أن يؤمن .

{ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ } من الأحكام المذكورة في هذه السورة وغيرها والمراد إيمانه بذلك إيماناً تفصيلياً ، وأجمله إجلالاً لمحله صلى الله عليه وسلم وإشعاراً بأن تعلق إيمانه عليه الصلاة والسلام بتفاصيل ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ما انطوى عليه مما لا يكتنه كنهه ، ولا تصل الأفكار وإن حلقت إليه قد بلغ من الظهور إلى حيث استغنى عن ذكره واكتفى عن بيانه ، وفي تقديم الانتهاء على الابتداء مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من التعظيم لقدره الشريف والتنويه برفعة محله المنيف { والمؤمنون } يجوز أن يكون معطوفاً على الرسول مرفوعاً بالفاعلية فيوقف عليه ، ويدل عليه ما أخرجه أبو داود في «المصاحف » عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ وآمن المؤمنون وعليه يكون قوله تعالى : { كُلٌّ ءامَنَ } جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر ، وسوغ الابتداء بالنكرة كونها في تقدير الإضافة ويجوز أن يكون مبتدأ ، و{ كُلٌّ } مبتدأ ثان ، و{ مِن } خبره ، والجملة خبر الأول والرابط مقدر ولا يجوز كون { كُلٌّ } تأكيداً لأنهم صرحوا بأنه لا يكون تأكيداً للمعرفة إلا إذا أضيف لفظاً إلى ضميرها ، ورجح الوجه الأول بأنه أقضى لحق البلاغة وأولى في التلقي بالقبول لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حينئذ يكون أصلاً في حكم الإيمان بما أنزل الله والمؤمنون تابعون له ويا فخرهم بذلك ، ويلزم على الوجه في الثاني أن حكم المؤمنين أقوى من حكم الرسول صلى الله عليه وسلم لكون جملتهم اسمية ومؤكدة ، وعورض بأن في الثاني إيذاناً بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيداً للإشعار بما بين إيمانه صلى الله عليه وسلم المبني على المشاهدة والعيان وبين إيمان سائر المؤمنين الناشئ عن الحجة والبرهان من التفاوت البين والفرق الواضح كأنهما مختلفان من كل وجه حتى في هيئة التركيب ؛ ويلزم على الأول : أنه إن حمل كل من الإيمانين على ما يليق بشأنه صلى الله عليه وسلم من حيث الذات ومن حيث التعلق استحال إسنادهما إلى غيره عليه الصلاة والسلام وضاع التكرير ، وإن حمل على ما يليق بشأن آحاد الأمة كان ذلك حطاً لرتبته العلية وإذا حملا على ما يليق بكل واحد مما نسبا إليه ذاتاً وتعلقاً بأن يحملا بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم على الإيمان العياني المتعلق بجميع التفاصيل وبالنسبة إلى آحاد الأمة على الإيمان المكتسب من مشكاته صلى الله عليه وسلم واللائق بحالهم من الإجمال والتفصيل كان اعتسافاً بيناً ينزه عنه التنزيل والشبهة التي ظنت معارضة مدفوعة بأن الإتيان بالجملة الاسمية مع تكرار الإسناد المقوي للحكم لما في الحكم بإيمان كل واحد منهم على الوجه الآتي من نوع خفاء محوج لذلك ، وتوحيد الضمير في { مِن } مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المراد بيان إيمان كل فرد فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع كما اعتبر في قوله تعالى :

{ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين } [ النمل : 87 ] وهو أبعد عن التقليد الذي هو إن لم يجرح خدش أي كل واحدنهم على حياله آمن { بالله } أي صدق به وبصفاته ونفى التشبيه عنه وتنزيهه عما لا يليق بكبريائه من نحو الشريك في الألوهية والربوبية وغير ذلك { وَمَلَئِكَتُهُ } من حيث إنهم معصومون مطهرون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتب وإلقاء الوحي ولهذا ذكروا في النظم قبل قوله تعالى : { وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } أي من حيث مجيئهما منه تعالى على وجه يليق بشأن كل منهما ويلزم الإيمان التفصيلي فيما علم تفصيلاً من كل من ذلك والإجمالي فيما علم إجمالاً وإنما لم يذكر ههنا الإيمان باليوم الآخر كما ذكر في قوله تعالى : { ولكن البر مَنْ ءامَنَ } [ البقرة : 771 ] الخ لاندراجه في الإيمان بكتبه والثواني كثيراً ما يختصر فيها ، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكتابه بالإفراد فيحتمل أن يراد به القرآن بحمل الإضافة على العهد أو يراد الجنس فلا يختص به والفرق بينه وبين الجمع على ما ذهب إليه إمام الحرمين ، والزمخشري وروي عن الإمام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع لأن المفرد يتناول جميع الآحاد ابتداءاً فلا يخرج عنه شيء منه قليلاً أو كثيراً بخلاف الجمع فإنه يستغرق الجموع أولاً وبالذات ثم يسري إلى الآحاد وهذا المبحث من معضلات علم المعاني وقد فرغ من تحقيقه هناك .

{ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } في حيز النصب بقول مقدر مسند إلى ضمير { كُلٌّ } مراعى فيه اللفظ فيفرد أو المعنى فيجمع ولعله أولى والجملة منصوبة المحل على أنها حال من ضمير { مِن } أو مرفوعة على أنها خبر آخر لكل أي يقولون ، أو يقول : لا نفرق بين رسل الله تعالى بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتابين بل نؤمن بهم جميعاً ونصدق بصحة رسالة كل واحد منهم وقيدوا إيمانهم بذلك تحقيقاً للحق وتنصيصاً على مخالفة أولئك المفرقين من الفريقين بإظهار الإيمان بما كفروا به فلعنة الله على الكافرين .

ومن هنا يعلم أن القائلين هم آحاد المؤمنين خاصة إذ يبعد أن يسند إليه صلى الله عليه وسلم أن يقول لا أفرق بين أحد من رسله وهو يريد إظهار إيمانه برسالة نفسه وتصديقه في دعواها ، ومن اعتبر إدراج الرسول في { كُلٌّ } واستبعد هذا قال بالتغليب ههنا ، ومن لم يستبعد إذ كان صلى الله عليه وسلم يأتي بكلمة الشهادة كما يأتي بها سائر الناس أو يبدل العلم فيها بضمير المتكلم لم يحتج إلى القول بالتغليب ، وعدم التعرض لنفي التفريق بين الكتب لاستلزام المذكور إياه وإنما لم يعكس مع تحقق التلازم لما أن الأصل في تفريق المفرقين هو الرسل وكفرهم بالكتب متفرع على كفرهم بهم وإيثار إظهار الرسل على الإضمار الواقع مثله في قوله تعالى : { وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } [ البقرة : 136 ] إما للاحتراز عن توهم اندراج الملائكة ولو على بعد في الحكم وهو وإن لم يكن فيه بأس إلا أنه ليس في التعرض له كثير جدوى إذ لا مزاحم في الظاهر ، وإن كان فقليل أو للإشعار بعلة عدم التفريق للإيماء إلى عنوانه لأن المعتبر عدم التفريق من حيث الرسالة دون سائر الحيثيات وقرأ يعقوب ، وأبو عمرو في رواية عنه لا يفرق بالياء على لفظ { كُلٌّ } وقرئ لا يفرقون حملاً على معناه ، والجملة نفسها حينئذ حال أو خبر على نحو ما تقدم في القول المقدر ولا حاجة إليه هنا ، والكلام على { أَحَدٌ } وإدخال { بَيْنَ } عليه قد سبق في تفسير قوله تعالى : { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } [ البقرة : 136 ]

{ وَقَالُواْ } عطف على { مِن } والجمع باعتبار المعنى وهو حكاية لامتثالهم الأوامر والنواهي إثر حكاية إيمانهم { سَمِعْنَا } أي أجبنا وهو المعنى/ العرفي للسمع { وَأَطَعْنَا } وقبلنا عن طوع ما دعوتنا إليه في الأوامر والنواهي ، وقيل : ( سمعنا ) ما جاءنا من الحق وتيقناً بصحته ، و( أطعنا ) ما فيه من الأمر والنهي { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } أي اغفر غفرانك ما ينقص حظوظنا لديك ، أو نسألك غفرانك ذلك ، فغفران مصدر إما مفعول مطلق أو مفعول به ، ولعل الأول أولى لما في الثاني من تقدير الفعل الخاص المحوج إلى اعتبار القرينة وتقديم ذكر السمع على الطاعة لتقدم العام على الخاص ، أو لأن التكليف طريقه السمع والطاعة بعده وتقديم ذكرهما على طلب الغفران لما أن تقدم الوسيلة على المسؤول أقرب إلى الإجابة والقبول ، والتعرض لعنوان الربوبية قد تقدم سره غير مرة { وَإِلَيْكَ المصير } أي الرجوع بالموت والبعث وهو مصدر ميمي ، والجملة قيل : معطوفة على مقدر أي فمنك المبدأ وإليك المصير وهي تذييل لما قبله مقرر للحاجة إلى المغفرة وفيها إقرار بالمعاد الذي لم يصرح به قبل .

( ومن باب الإشارة ) :{ آمن الرسول } الكامل الأكمل { بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ } أي صدقه بقبوله والتخلق به فقد كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن والترقي بمعانيه والتحقق به { والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله } وحده مشاهدة حين لم يروا في الوجود سواه { وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } حين رجوعهم إلى مشاهدتهم تلك الكثرة مظاهر للوحدة يقولون { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } برد بعض وقبول بعض لمشاهدة الحق فيهم بالحق { وَقَالُواْ سَمِعْنَا } أجبنا ربنا في كتبه ورسله ونزول ملائكته واستقمنا في سيرنا { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } أي اغفر وجوداتنا وصفاتنا واستر ذلك بوجودك وصفاتك فمنك المبدأ { وَإِلَيْكَ المصير } [ البقرة : 285 ] بالفناء فيك .