في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (176)

121

وأخيرا يتجه السياق في ختام الاستعراض والتعقيب ، إلى الرسول [ ص ] يسليه ويؤسيه عما يقع في قلبه الكريم من الأسى والحزن ، من مسارعة الكفار إلى الكفر ، ونشاطهم فيه كأنهم في سباق إلى هدف ! فإن هذا لن يضر الله شيئا . وإنما هي فتنة الله لهم ، وقدر الله بهم ، فقد علم الله من أمرهم وكفرهم ما يؤهلهم للحرمان في الآخرة ؛ فتركهم يسارعون في الكفر إلى نهايته ! وقد كان الهدى مبذولا لهم ، فآثروا عليه الكفر ؛ فتركوا يسارعون في الكفر . وأملي لهم ليزدادوا إثما مع الإملاء في الزمن والإملاء في الرخاء . فهذا الإمهال والإملاء إنما هو وبال عليهم وبلاء . . ويختم الاستعراض بكشف حكمة الله وتدبيره من وراء الأحداث كلها : من وراء ابتلاء المؤمنين وإمهال الكافرين . إنها تمييز الخبيث من الطيب ، بالاختبار والابتلاء ، فقد كان أمر القلوب غيبا مما يستأثر الله به ، ولا يطلع الناس عليه ، فشاء سبحانه أن يكشف هذا الغيب بالصورة المناسبة للبشر ، وبالوسيلة التي يدركها البشر . . فكان الابتلاء للمؤمنين والإمهال للكافرين ، ليتكشف المخبوء في القلوب ، ويتميز الخبيث من الطيب ؛ ويتبين المؤمنون بالله ورسله على وجه القطع واليقين :

( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، إنهم لن يضروا الله شيئا ، يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ، ولهم عذاب عظيم . إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ، ولهم عذاب أليم . ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ، ولهم عذاب مهين . ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه ، حتى يميز الخبيث من الطيب ، وما كان الله ليطلعكم على الغيب ، ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ، فآمنوا بالله ورسله ، وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) . .

إن هذا الختام هو أنسب ختام لاستعراض الغزوة التي أصيب فيها المسلمون هذه الإصابة ؛ والتي رجع منها المشركون بالنصر والغلبة . . فهناك دائما تلك الشبهة الكاذبة التي تحيك في بعض الصدور ؛ أو الأمنية العاتبة التي تهمس في بعض القلوب ، أمام المعارك التي تنشب بين الحق والباطل . ثم يعود فيها الحق بمثل هذه الإصابة ، ويعود منها الباطل ذا صولة وجولة !

هناك دائما الشبهة الكاذبة ، أو الأمنية العاتبة : لماذا يا رب ؟ لماذا يصاب الحق وينجو الباطل ؟ لماذا يبتلى أهل الحق وينجو أهل الباطل ؟ ولماذا لا ينتصر الحق كلما التقى مع الباطل ، ويعود بالغلبة والغنيمة ؟ أليس هو الحق الذي ينبغي أن ينتصر ؟ وفيم تكون للباطل هذه الصولة ؟ وفيم يعود الباطل من صدامه مع الحق بهذه النتيجة ، وفيها فتنة للقلوب وهزة ؟ !

ولقد وقع بالفعل أن قال المسلمون يوم أحد في دهشة واستغراب : " أنى هذا ؟ ! " . .

ففي هذا المقطع الختامي يجيء الجواب الأخير ، والبيان الأخير . ويريح الله القلوب المتعبة ، ويجلو كل خاطرة تتدسس إلى القلوب من هذه الناحية ، ويبين سنته وقدره وتدبيره في الأمر كله : أمس واليوم وغدا . وحيثما التقى الحق والباطل في معركة فانتهت بمثل هذه النهاية :

إن ذهاب الباطل ناجيا في معركة من المعارك وبقاءه منتفشا فترة من الزمان ، ليس معناه أن الله تاركه ، أو أنه من القوة بحيث لا يغلب ، أو بحيث يضر الحق ضررا باقيا قاضيا . .

وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك ، وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان ، ليس معناه إن الله مجافيه أو ناسيه ! أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه . .

كلا . إنما هي حكمة وتدبير . . هنا وهناك . . يملي للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق ؛ وليرتكب أبشع الآثام ، وليحمل أثقل الأوزار ، ولينال أشد العذاب باستحقاق ! . . ويبتلى الحق ، ليميز الخبيث من الطيب ، ويعظمالأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت . . فهو الكسب للحق والخسار للباطل ، مضاعفا هذا وذاك ! هنا وهناك !

( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، إنهم لن يضروا الله شيئا ، يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ، ولهم عذاب عظيم ) . .

إنه يواسي النبي [ ص ] ويدفع عنه الحزن الذي يساور خاطره ؛ وهو يرى المغالين في الكفر ، يسارعون فيه ، ويمضون بعنف واندفاع وسرعة ، كأنما هنالك هدف منصوب لهم يسارعون إلى بلوغه !

وهو تعبير مصور لحالة نفسية واقعية . فبعض الناس يرى مشتدا في طريق الكفر والباطل والشر والمعصية ؛ كأنه يجهد لنيل السبق فيه ! فهو يمضي في عنف واندفاع وحماسة كأن هناك من يطارده من الخلف ، أو من يهتف له من الإمام ، إلى جائزة تنال !

وكان الحزن يساور قلب رسول الله [ ص ] حسرة على هؤلاء العباد ؛ الذين يراهم مشمرين ساعين إلى النار ، وهو لا يملك لهم ردا ، وهم لا يسمعون له نذارة ! وكان الحزن يساور قلبه كذلك لما يثيره هؤلاء المشمرون إلى النار المسارعون في الكفر ، من الشر والأذى يصيب المسلمين ، ويصيب دعوة الله ، وسيرها بين الجماهير ، التي كانت تنتظر نتائج المعركة مع قريش لتختار الصف الذي تنحاز إليه في النهاية . . فلما أسلمت قريش واستسلمت دخل الناس في دين الله أفواجا . . ومما لا شك فيه أنه كان لهذه الاعتبارات وقعها في قلب الرسول الكريم . فيطمئن الله رسوله [ ص ] ويواسي قلبه ، ويمسح عنه الحزن الذي يساوره .

( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر . إنهم لن يضروا الله شيئا ) . .

وهؤلاء العباد المهازيل لا يبلغون أن يضروا الله شيئا . والأمر في هذا لا يحتاج إلى بيان . إنما يريد الله سبحانه أن يجعل قضية العقيدة قضيته هو ؛ وأن يجعل المعركة مع المشركين معركته هو . ويريد أن يرفع عبء هذه العقيدة وعبء هذه المعركة عن عاتق الرسول [ ص ] وعاتق المسلمين جملة . . فالذين يسارعون في الكفر يحاربون الله ، وهم أضعف من أن يضروا الله شيئا . . وهم إذن لن يضروا دعوته . ولن يضروا حملة هذه الدعوة . مهما سارعوا في الكفر ، ومهما أصابوا أولياء الله بالأذى .

إذن لماذا يتركهم الله يذهبون ناجين ، وينتفشون غالبين ، وهم أعداؤه المباشرون ؟

لأنه يدبر لهم ما هو أنكى وأخزى !

( يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) . .

يريد لهم أن يستنفدوا رصيدهم كله ؛ وأن يحملوا وزرهم كله ، وأن يستحقوا عذابهم كله ، وأن يمضوا مسارعين في الكفر إلى نهاية الطريق !

( ولهم عذاب عظيم ) . .

ولماذا يريد الله بهم هذه النهاية الفظيعة ؟ لأنهم استحقوها بشرائهم الكفر بالإيمان .

/خ179

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (176)

{ وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يسارعون في الكفر } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهه إليه تشريفاً له بالتسلية مع الإيذان بأنه الرئيس المعتنى بشؤونه . والمراد من الموصول إما المنافقون المتخلفون وإليه ذهب مجاهد وابن إسحق وإما قوم من العرب ارتدوا عن الإسلام لمقاربة عبدة الأوثان وإليه ذهب أبو علي الجبائي وإما سائر الكفار وإليه ذهب الحسن وإما المنافقون وطائفة من اليهود حسبما عين في قوله تعالى : { يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ في الكفر مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الذين هِادُواْ } [ المائدة : 41 ] وإليه ذهب بعضهم ومعنى : { يسارعون في الكفر } يقعون فيه سريعاً لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه ، ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بفي دون إلى الشائع تعديتها بها كما في { سَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } [ آل عمران : 133 ] وغيره ، وأوثر ذلك قيل : للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله سبحانه : { يسارعون في الخيرات } [ الأنبياء : 90 ] في حق المؤمنين ، وأما إيثار كلمة إلى في آيتها فلأن المغفرة والجنة منتهى المسارعة وغايتها والموصول فاعل { يَحْزُنكَ } وليست الصلة علة لعدم الحزن كما هو المعهود في مثله لأن الحزن من الوقوع في الكفر هو الأمر اللائق لأنه قبيح عند الله تعالى يجب أن يحزن من مشاهدته فلا يصح النهي عن الحزن من ذلك ، بل العلة هنا ما يترتب على تلك المسارعة من مراغمة المؤمنين وإيصال المضرة إليهم إلا أنه عبر بذلك مبالغة في النهي . والمراد لا يحزنك خوف أن يضروك ويعينوا عليك ، ويدل على ذلك إيلاء قوله تعالى :

{ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } رداً وإنكاراً لظن الخوف ، والكلام على حذف مضاف ، والمراد أولياء الله مثلاً للقرينة العقلية عليه ، وفي حذف ذلك وتعليق نفي الضرر به تعالى تشريف للمؤمنين وإيذان بأن مضارتهم بمنزلة مضارته سبحانه وتعالى ، وفي ذلك مزيد مبالغة في التسلية ، و { شَيْئاً } في موضع المصدر أي لن يضروه ضرراً ما ، وقيل : مفعول بواسطة حرف الجر أي لن يضروه بشيء ما أصلاً ، وتأويل يضروا بما يتعدى بنفسه إلى مفعولين مما لا داعي إليه ، ولعل المقام يدعو إلى خلافه ، وقرأ نافع يحزن بضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن إلا قوله تعالى : { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الاكبر } [ الأنبياء : 103 ] فإنه فتحها وضم الزاي ، وقرأ الباقون كما قرأ نافع في المستثنى . وقرأ أبو جعفر عكس ما قرأ نافع ، والماضي على قراءة الفتح حزن ، وعلى قراءة الضم من أحزن ، ومعناهما واحد إلا أن حزن لغة قليلة ، وقيل : حزنته بمعنى أحدثت له حزناً ، وأحزنته بمعنى عرضته للحزن ، وقال الخليل : خزنته بمعنى جعلت فيه حزناً كدهنته بمعنى جعلت فيه دهناً ، وأحزنته بمعنى جعلته حزيناً .

وقرىء يسرعون بغير ألف من أسرع ويسارعون بالإمالة والتفخيم .

{ يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً في الاخرة } استئناف لبيان الموجب لمسارعتهم كأنه قيل : لِمَ يسارعون في الكفر مع أنهم لا ينتفعون به ؟ فأجيب بأنه تعالى يريد أن لا يجعل لهم نصيباً مّا من الثواب في الآخرة فهو يريد ذلك منهم فكيف لا يسارعون ، وفيه دليل على أن الكفر بإرادة الله تعالى وإن عاقب فاعله وذمه لأن ذلك لسوء استعداده المقتضي إفاضة ذلك عليه ، وذكر بعض المحققين أن في ذكر الإرادة إيذاناً بكمال خلوص الداعي إلى حرمانهم وتعذبيهم حيث تعلقت بهما إرادة أرحم الراحمين ، وزعم بعضهم أنه مبني على مذهب الاعتزال وليس كذلك كما لا يخفى لأنه لم يقل لم يرد كفرهم ولا رمز إليه ، وصيغة المضارع للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها ، ويرجع إلى دوام واستمرار منشأ هذا المراد وهو الكفر ففيه إشارة إلى بقائهم على الكفر حتى يهلكوا فيه .

{ وَلَهُمْ } مع هذا الحرمان من الثواب بالكلية { عَذَابٌ عظِيمٌ } لا يقدر قدره ، نقل عن بعضهم أنه لما دلت المسارعة في الشيء على عظم شأنه وجلالة قدره عند المسارع وصف عذابه بالعظم رعاية للمناسبة وتنبيهاً على حقارة ما سارعوا فيه وخساسته في نفسه ، وقيل : إنه لما دل قوله تعالى : { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } على عظم قدر من قصدوا إضراره وصف العذاب بالعظم إيذاناً بأن قصد إضرار العظيم أمر عظيم يترتب عليه العذاب العظيم ، والجملة إما حال من الضمير في لهم أي يريد الله تعالى حرمانهم من الثواب معداً لهم عذاب عظيم ، وإما مبتدأة مبينة لحظهم من العذاب إثر بيان أن لا شيء لهم من الثواب . وزعم بعضهم أن هاتين الجملتين في موضع التعليل للنهي السابق ، وأن المعنى ولا يحزنك أنهم يسارعون في إعلاء الكفر وهدم الإسلام لا خوفاً على الإسلام ولا ترحماً عليهم أما الأول : لن يضروا الله شيئاً فلا يقدرون على هدم دينه الذي يريد إعلاءه ، وحينئذ لا حاجة إلى إرادة أولياء الله ، وأما الثاني : فلأنه يريد الله أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة ولهم عذاب عظيم . واستأنس له بأنه كثيراً ما وقع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إيقاعه نفسه الكريمة في المشقة لهدايتهم وعن كونه ضيق الصدر لكفرهم وخوطب بأنه ما عليك إلا البلاغ ولست عليهم بمسيطر ولا يخلو عن بعد .

( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { وَلاَ يَحْزُنكَ } لتوقع الضرر ، أو لشدة الغيرة { الذين يسارعون في الكفر } لحجابهم الأصلي وظلمتهم الذاتية { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } فإن ساحة الكبرياء مقدسة عن هجوم ظلال الضلال ، أو المراد لن يضروك أيها المظهر الأعظم إلا أنه تعالى أقام نفسه تعالى مقام نفسه صلى الله عليه وسلم ، وفي الآية إشارة إلى الفرق والجمع { يُرِيدُ الله } إظهاراً لصفة قهره { ألا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً في الآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ آل عمران : 176 ] لعظم حجابهم ونظرهم إلى الأغيار