وبمناسبة ما سطر في كتاب الله ، وما سبقت به مشيئته ، ليكون هو الناموس الباقي ، والمنهج المطرد ، يشير إلى ميثاق الله مع النبيين عامة ، والنبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأولي العزم من الرسل خاصة ، في حمل أمانة هذا المنهج ، والاستقامة عليه ، وتبليغه للناس ، والقيام عليه في الأمم التي أرسلوا إليها ؛ وذلك حتى يكون الناس مسؤولين عن هداهم وضلالهم وإيمانهم وكفرهم ، بعد انقطاع الحجة بتبليغ الرسل عليهم صلوات الله وسلامه :
( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ، ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ؛ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا . ليسأل الصادقين عن صدقهم ، وأعد للكافرين عذابا أليما ) . .
إنه ميثاق واحد مطرد من لدن نوح - عليه السلام - إلى خاتم النبيين محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ميثاق واحد ، ومنهج واحد ، وأمانة واحدة يتسلمها كل منهم حتى يسلمها .
وقد عمم النص أولا : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ) . . ثم خصص صاحب القرآن الكريم وصاحب الدعوة العامة إلى العالمين : ( ومنك ) . . ثم عاد إلى أولي العزم من الرسل ، وهم أصحاب أكبر الرسالات -
وبعد بيان أصحاب الميثاق عاد إلى وصف الميثاق نفسه : ( وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) . . ووصف الميثاق بأنه غليظ منظور فيه إلى الأصل اللغوي للفظ ميثاق - وهو الحبل المفتول - الذي استعير للعهد والرابطة . وفيه من جانب آخر تجسيم للمعنوي يزيد إيحاءه للمشاعر . . وإنه لميثاق غليظ متين ذلك الميثاق بين الله والمختارين من عباده ، ليتلقوا وحيه ، ويبلغوا عنه ، ويقوموا على منهجه في أمانة واستقامة .
{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ } مقدر بأذكر على أنه مفعول لا ظرف لفساد المعنى ، وهو معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة أو على مقدر كخذ هذا ، وجوز أن يكون ذلك عطفاً على خبر { كان } وهو بعيد وإن كان قريباً ، ولما كان ما سبق متضمناً أحكاماً شرعها الله تعالى وكان فيها أشياء مما كان في الجاهلية وأشياء مما كان في الإسلام أبطلت ونسخت اتبعه سبحانه بما فيه حث على التبليغ فقال عز وجل : { وَإِذْ } الخ أي واذكر وقت أخذنا من النبيين كافة عهودهم بتبليغ الرسالة والشرائع والدعاء إلى الدين الحق وذلك على ما قال الزجاج وغيره وقت استخراج البشر من صلب آدم عليه السلام كالذر ، وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن قتادة أنه سبحانه أخذ من النبيين عهودهم بتصديق بعضهم بعضاً واتباع بعضهم بعضاً ، وفي رواية أخرى عنه أنه أخذ الله تعالى ميثاقهم بتصديق بعضهم بعضاً والإعلان بأن محمداً رسول الله وإعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نبي بعده { وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ } تخصيصهم بالذكر مع اندراجهم في النبيين اندراجاً بيناً للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع .
واشتهر أنهم هم أولو العزم من الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين وأخرج البزار عن أبي هريرة أنهم خيار ولد آدم عليهم الصلاة والسلام ، وتقديم نبينا صلى الله عليه وسلم مع أنه آخرهم بعثة للإيذان بمزيد خطره الجليل أو لتقدمه في الخلق ، فقد أخرج ابن أبي عاصم . والضياء في المختارة عن أبي بن كعب مرفوعاً بدئ بي الخلق وكنت آخرهم في البعث ، وأخرج جماعة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث » ، وكذا في الاستنباء فقد جاء في عدة روايات أنه عليه الصلاة والسلام قال : «كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد » وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد ، ولا يضر فيما ذكر تقديم نوح عليه السلام في آية الشورى أعني قوله تعالى : { شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً } [ الشورى : 3 1 ] الآية إذ لكل مقام مقال والمقام هناك وصف دين الإسلام بالأصالة والمناسب فيه تقديم نوح فكأنه قيل : شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم وبعث عليه محمد عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء في العهد الحديث وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء والمشاهير ، وقال ابن المنير : السر في تقديمه صلى الله عليه وسلم أنه هو المخاطب والمنزل عليه هذا المتلو فكان أحق بالتقديم ، وفيه بحث { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً } أي عهد عظيم الشأن أو وثيقاً قوياً وهذا هو الميثاق الأول وأخذه هو أخذه ، والعطف مبني على تنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى : { وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } [ هود : 8 5 ] إثر قوله سبحانه : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } [ هود : 8 5 ] وفي ذلك من تفخيم الشأن ما فيه ولهذا لم يقل عز وجل : وإذ أخذنا من النبيين ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ميثاقاً غليظاً مثلاً ، وقال سبحانه ما في «النظم الكريم ، وقيل : الميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى فيكون بعدما أخذ الله سبحانه من النبيين الميثاق بتبليغ الرسالة والدعوة إلى الحق أكد باليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا فالميثاقان متغايران بالذات .
ومن باب الإشارة : { وَإِذَا أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ } [ الأحزاب : 7 ] أي في الأزل إذ كانوا أعياناً ثابتة أو يوم الميثاق إذ صار لهم نوع تعين
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.