في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ} (3)

واللمسة الثالثة تضم اللمستين الأوليين في إطار واحد ؛ وتقرر ألوهية الله في الكون والحياة الإنسانية سواء :

( وهو الله في السماوات وفي الأرض ، يعلم سركم وجهركم ، ويعلم ما تكسبون ) . .

إن الذي خلق السماوات والأرض هو الله في السماوات وفي الأرض . هو المتفرد بالألوهية فيهما على السواء . وكل مقتضيات الألوهية متحققة عليهما ، من خضوع للناموس الذي سنه الله لهما ، وائتمار بأمره وحده . وكذلك ينبغي أن يكون الشأن في حياة الإنسان . فلقد خلقه الله كما خلق السماوات والأرض ؛ وهو في تكوينه الأول من طين هذه الأرض ؛ وما رزقه من خصائص جعلت منه إنسانا رزقه إياه الله ؛ وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الذي سنه الله له - رضي أم كره - يعطى وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة الله ، لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه : فهما يلتقيان ولكن لا يملكان أن يعطيا جنينا وجوده ! وهو يولد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة ! وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه ؛ ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له . وهو يحس ويتألم ، ويجوع ويعطش ، ويأكل ويشرب . . وبالجملة يعيش . . وفق ناموس الله ، على غير إرادة منه ولا اختيار . . شأنه في هذا شأن السماوات والأرض سواء .

والله - سبحانه - يعلم سره وجهره . ويعلم ما يكسب في حياته في سره وجهره .

والأليق به أن يتبع - إذن - ناموس الله في حياته الاختيارية - فيما يتخذه من تصورات اعتقادية ، وقيم اعتبارية ، وأوضاع حيوية - لتستقيم حياته الفطرية المحكومة بناموس الله ؛ مع حياته الكسبية حين تحكمها شريعة الله . ولكي لا يناقض بعضه بعضا ، ولا يصادم بعضه بعضا ؛ ولا يتمزق مزقا بين ناموسين وشرعين : أحدهما إلهي والأخر بشري وما هما بسواء . .

حاضر المسلمين

إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة ، إنما تخاطب القلب البشري والعقل البشري بدليل " الخلق " ودليل " الحياة " ممثلين في الآفاق وفي الأنفس . . ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطابا جدليا ، لاهوتيا أو فلسفيا ! ولكن خطابا موحيا موقظا للفطرة ، حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء ؛ وحركة التدبير والهيمنة ؛ في صورة التقرير لا في صورة الجدل ؛ وبسلطان اليقين المستمد من تقرير الله ؛ ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه .

ووجود السماوات والأرض ، وتدبيرهما وفق هذا النظام الواضح ؛ ونشأة الحياة - وحياة الإنسان في قمتها - وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه . . كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق ، ويوقع فيها اليقين بوحدانية الله . . والوحدانية هي القضية التي تستهدف السورة كلها - بل القرآن كله - تقريرها . وليست هي قضية " وجود " الله . فلقد كانت المشكلة دائما في تاريخ البشرية هي مشكلة عدم معرفة الإله الحق ، بصفاته الحقة ؛ ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود إله !

ومشركو العرب الذين كانت هذه السورة تواجههم ما كانوا يجحدون الله البتة ؛ بل كانوا يقرون بوجوده سبحانه ، وبأنه الخالق الرازق ، المالك ، المحيي المميت . . إلى كثير من الصفات - كما يقرر القرآن ذلك في مواجهتهم ، وفي حكاية أقوالهم - ولكن انحرافهم الذي وصمهم بالشرك هو أنهم ما كانوا يعترفون بمقتضىاعترافهم ذاك : من تحكيم الله - سبحانه - في أمرهم كله ؛ ونفي الشركاء له في تدبير شؤون حياتهم ؛ واتخاذ شريعته وحدها قانونا ، ورفض مبدأ تحكيم غير الله في أي شأن من شؤون الحياة .

هذا هو الذي وصمهم بالشرك وبالكفر ؛ مع إقرارهم بوجود الله سبحانه ، ووصفه بتلك الصفات ، التي من مقتضاها أن يتفرد سبحانه بالحكم في شأنهم كله ، بما أنه الخالق الرازق المالك ، كما كانوا يعترفون . . ومواجهتهم في مطلع هذه السورة بصفات الله هذه من الخلق للكون وللإنسان ، ومن تدبيره لأمر الكون وأمر الإنسان ؛ ومن علمه وإحاطته بسرهم وجهرهم وعملهم وكسبهم . . إنما هو المقدمة التي يرتب عليها ضرورة إفراده سبحانه بالحاكمية والتشريع ، كما أوضحنا في التعريف المجمل بخط السورة ومنهجها .

ودليل الخلق ودليل الحياة كما أنهما صالحان لمواجهة المشركين لتقرير الوحدانية ، ولتقرير الحاكمية ، هما كذلك صالحان لمواجهة اللوثات الجاهلية الحديثة التافهة في إنكار الله . .

والحقيقة أن هناك شكا كثيرا فيما إذا كان هؤلاء الملحدون يصدقون أنفسهم ! فأغلب الظن أنها بدأت مناورة في وجه الكنيسة ؛ ثم استغلها اليهود لرغبتهم في تدمير قاعدة الحياة البشرية الأساسية ، كي لا يبقى على وجه الأرض من يقوم على هذه القاعدة غيرهم - كما يقولون في بروتوكولات حكماء صهيون - ومن ثم تنهار البشرية وتقع تحت سيطرتهم ، بما أنهم هم وحدهم الذين سيحافظون على مصدر القوة الحقيقية الذي توفره العقيدة !

واليهود - مهما بلغ من كيدهم ومكرهم - لا يملكون أن يغلبوا الفطرة البشرية ، التي تجد في قرارتها الإيمان بوجود إله - وإن كانت تضل فقط في معرفة الإله الحق بصفاته الحقة ؛ كما أنها تنحرف بعدم توحيد سلطانه في حياتها ، فتوصم بالشرك والكفر على هذا الأساس - ولكن بعض النفوس تفسد فطرتها ، وتتعطل فيها أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية . وهذه النفوس وحدها هي التي يمكن أن يفلح معها كيد اليهود الذي يستهدف نفي وجود الله فيها . ولكن هذه النفوس المعطلة الفطرة ستظل قليلة وشاذة في مجموع البشر في كل زمان . . والملحدون الحقيقيون على ظهر الأرض اليوم لا يتجاوزون بضعة ملايين في روسيا والصين من بين مئات الملايين الذين يحكمهم الملحدون بالحديد والنار ؛ على الرغم من الجهد الناصب خلال أربعين عاما في نزع الإيمان بكل وسائل التعليم والإعلام !

إنما يفلح اليهود في حقل آخر . وهو تحويل الدين إلى مجرد مشاعر وشعائر . وطرده من واقع الحياة . وإيهام المعتقدين به أنهم يمكن أن يظلوا مؤمنين بالله ؛ مع أن هناك أربابا أخرى هي التي تشرع لحياتهم من دون الله ! ويصلون بذلك إلى تدمير البشرية فعلا ، حتى مع وهمها أنها لا تزال تؤمن بالله .

وهم يستهدفون الإسلام - قبل كل دين آخر - لأنهم يعرفون من تاريخهم كله ، أنهم لم يغلبهم إلا هذا الدين يوم كان يحكم الحياة . وأنهم غالبوا أهله طالما أهله لا يحكمونه في حياتهم ؛ مع توهمهم أنهم ما يزالون مسلمين مؤمنين بالله ! فهذا التخدير بوجود الدين - وهو غير موجود في حياة الناس - ضروري لتنجح المؤامرة . . أو يأذن الله فيصحو الناس !

وأحسب - والله أعلم - أن اليهود الصهيونيين ، والنصارى الصليبيين ، كليهما ، قد يئسوا من هذا الدين في هذه المنطقة الإسلامية الواسعة في إفريقية وآسيا وأوربا كذلك . . يئسوا من أن يحولوا الناس فيها إلى الإلحاد - عن طريق المذاهب المادية - كما يئسوا كذلك من تحويلهم إلى ديانات أخرى عن طريق التبشير أو الاستعمار . . ذلك أن الفطرة البشرية بذاتها تنفر من الإلحاد وترفضه حتى بين الوثنيين - فضلا على المسلمين - وأن الديانات الأخرى لا تجرؤ على اقتحام قلب عرف الإسلام ، أو حتى ورث الإسلام !

وأحسب - والله أعلم - أنه كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدل اليهود والصهيونيون والنصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام جهرة عن طريق الشيوعية أو عن طريق التبشير ؛ فعدلوا إلى طرائق أخبث ، وإلى حبائل أمكر . . لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع في المنطقة كلها تتزيا بزي الإسلام ؛ وتتمسح في العقيدة ؛ ولا تنكر الدين جملة . . ثم هي تحت هذا الستار الخادع ، تنفذ جميع المشروعات التي أشارت بها مؤتمرات التبشير وبروتوكولات صهيون ، ثم عجزت عن تنفيذها كلها في المدى الطويل !

إن هذه الأنظمة والأوضاع ترفع راية الإسلام - أو على الأقل تعلن احترامها للدين - بينما هي تحكم بغير ما أنزل الله ؛ وتقصي شريعة الله عن الحياة ؛ وتحل ما حرم الله ؛ وتنشر تصورات وقيما مادية عن الحياة والأخلاق تدمر التصورات والقيم الإسلامية ؛ وتسلط جميع أجهزة التوجيه والإعلام لتدمير القيم الأخلاقية الإسلامية ، وسحق التصورات والاتجاهات الدينية ؛ وتنفذ ما نصت عليه مؤتمرات المبشرين وبروتوكولات الصهيونيين ، من ضرورة إخراج المرأة المسلمة إلى الشارع ، وجعلها فتنة للمجتمع ، باسم التطور والتحضر ومصلحة العمل والإنتاج ؛ بينما ملايين الأيدي العاملة في هذه البلاد متعطلة لا تجد الكفاف ! وتيسر وسائل الانحلال وتدفع الجنسين إليها دفعا بالعمل والتوجيه . . كل ذلك وهي تزعم أنها مسلمة وأنها تحترم العقيدة ! والناس يتوهمون أنهم يعيشون في مجتمع مسلم ، وأنهم هم كذلك مسلمون ! أليس الطيبون منهم يصلون ويصومون ؟ أما أن تكون الحاكمية لله وحده أو تكون للأرباب المتفرقة ، فهذا ما قد خدعتهم عنه الصليبية والصهيونية والتبشير والاستعمار والاستشراق وأجهزة الإعلام الموجهة ؛ وأفهمتهم أنه لا علاقة له بالدين . وأن المسلمين يمكن أن يكونوا مسلمين ؛ وفي دين الله ؛ بينما حياتهم كلها تقوم على تصورات وقيم وشرائع وقوانين ليست من هذا الدين !

وإمعانا في الخداع والتضليل ؛ وإمعانا من الصهيونية العالمية والصليبية العالمية في التخفي ، فإنها تثير حروبا مصطنعة - باردة أو ساخنة - وعداوات مصطنعة في شتى الصور ، بينها وبين هذه الأنظمة والأوضاع التي أقامتها والتي تكفلها بالمساعدات المادية والأدبية ، وتحرسها بالقوى الظاهرة والخفية ، وتجعل أقلام مخابراتها في خدمتها وحراستها المباشرة !

تثير هذه الحروب المصطنعة والعداوات المصطنعة ، لتزيد من عمق الخدعة ؛ ولتبعد الشبهة عن العملاء ، الذين يقومون لها بما عجزت هي عن إتمامه في خلال ثلاثة قرون أو تزيد ؛ من تدمير القيم والأخلاق ؛ وسحق العقائد والتصورات ؛ وتجريد المسلمين في هذه الرقعة العريضة من مصدر قوتهم الأول . . وهو قيام حياتهم على أساس دينهم وشريعتهم . . وتنفيذ المخططات الرهيبة التي تضمنتها بروتوكولات الصهيونيين ومؤتمرات المبشرين ؛ في غفلة من الرقباء والعيون !

فإذا بقيت بقية في هذه الرقعة لم تجز عليها الخدعة ؛ ولم تستسلم للتخدير باسم الدين المزيف ؛ وباسم الأجهزة الدينية المسخرة لتحريف الكلم عن مواضعه ؛ ولوصف الكفر بأنه الإسلام ؛ والفسق والفجور والانحلال ، بأنه تطور وتقدم وتجدد . . إذا بقيت بقية كهذه سلطت عليها الحرب الساحقة الماحقة ؛ وصبت عليها التهم الكاذبة الفاجرة وسحقت سحقا ، بينما وكالات الأنباء العالمية وأجهزة الإعلام العالمية خرساء صماء عمياء ! ! !

ذلك بينما الطيبون السذج من المسلمين يحسبون أنها معركة شخصية ، أو طائفية ، لا علاقة لها بالمعركة المشبوبة مع هذا الدين ؛ ويروحون يشتغلون في سذاجة بلهاء - من تأخذه الحمية للدين منهم وللأخلاق - بالتنبيه إلى مخالفات صغيرة ، وإلى منكرات صغيرة ، ويحسبون أنهم أدوا واجبهم كاملا بهذه الصيحات الخافتة . .

بينما الدين كله يسحق سحقا ، ويدمر من أساسه ؛ وبينما سلطان الله يغتصبه المغتصبون ، وبينما الطاغوت - الذي أمروا أن يكفروا به - هو الذي يحكم حياة الناس جملة وتفصيلا !

إن اليهود الصهيونيين والنصارى الصليبيين يفركون أيديهم فرحا بنجاح الخطة وجواز الخدعة ؛ بعدما يئسوا من هذا الدين أن يقضوا عليه مواجهة باسم الإلحاد ، أو يحولوا الناس عنه باسم التبشير ، فترة طويلة من الزمان . .

إلا أن الأمل في الله أكبر ؛ والثقة في هذا الدين أعمق ، وهم يمكرون والله خير الماكرين . وهو الذي يقول : ( وقد مكروا مكرهم ، وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال . فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ، إن الله عزيز ذو انتقام ) . .

أما مواجهة دليل الخلق ودليل الحياة للوثة الإلحاد ، فهي مواجهة قوية ، لا يجد الملحدون إزاءها إلا المماحلة والمغالطة والالتواء :

إن وجود هذا الكون ابتداء ، بهذا النظام الخاص ، يستلزم - بمنطق الفطرة البديهي وبمنطق العقل الواعي على السواء - أن يكون وراءه خالق مدبر . .

فالمسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يملك الإدراك البشري أن يعبرها ، إلا بتصور إله ينشى ء ويخلق ويوجد هذا الوجود .

والذين يلحدون يعمدون إلى هذه الفجوة فيريدون ملأها بالمكابرة . ويقولون : إنه لا داعي لأن نفترض أنه كان هناك عدم قبل الوجود ! . . ومن هؤلاء فيلسوف عرف بأنه فيلسوف " الروحية " المدافع عنها في وجه " المادية " . وعلى هذا الأساس ربما أشاد به بعض المخدوعين من " المسلمين " واستأنسوا بأقواله لدينهم كأنما ليؤازروا دين الله بقول عبد من العبيد . . هذا الفيلسوف هو " برجسون " . . اليهودي ! ! !

إنه يقول : إن هذا الوجود الكوني لم يسبقه عدم ! وإن فرض الوجود بعدم العدم ناشى ء من طبيعة العقل البشري الذي لا يستطيع أن يتصور إلا على هذا النحو . .

فإلى أي منطق يا ترى يستند برجسون إذن في إثبات أن الوجود الكوني لم يسبقه عدم ؟

إلى العقل ؟ لا . فإن العقل - كما يقرر - لا يمكن أن يتصور إلا وجودا بعد عدم ! إلى وحي من الله ؟ إنه لا يدعي هذا . وإن كان يقول : إن حدس المتصوفة كان دائما يجد إلها ولا بد أن نصدق هذا الحدس المطرد [ الإله الذي يتحدث عنه برجسون ليس هو الله إنما هو الحياة ! ] . . فأين المصدر الثالث الذي يعتمد عليه [ برجسون ] إذن في إثبات أن الوجود الكوني غير مسبوق بعدم ؟ لا ندري !

إنه لا بد من الالتجاء إلى تصور خالق خلق هذا الكون . . لا بد من الالتجاء إلى هذا التصور لتعليل مجرد وجود الكون . . فكيف إذا كان الحال أنه لم يوجد مجرد وجود . ولكنه وجد محكوما بنواميس لا تتخلف ، محسوبا فيها كل شيء بمقاييس ، قصارى العقول البشرية أن تدرك أطرافا منها ، بعد التدبر الطويل ؟ !

كذلك نشأة هذه الحياة . والمسافة بينها وبين المادة - أيا كان مدلول المادة ولو كان هو الإشعاع - لا يمكن تعليلها إلا بتصور وجود إله خالق مدبر . يخلق الكون بحالة تسمح بنشأة الحياة فيه ؛ وتسمح بكفالة الحياة أيضا بعد وجودها . والحياة الإنسانية بخصائصها الباهرة درجة فوق مجرد الحياة . . وأصله من طين . . أي من مادة هذه الأرض وجنسها ؛ ولا بد من إرادة مدبرة تمنحه الحياة ، وتمنحه خصائص الإنسان عن قصد واختيار .

وكل المحاولات التي بذلها الملحدون لتعليل نشأة الحياة باءت بالفشل - عند العقل البشري ذاته - وآخر ما قرأته في هذا الباب محاولة [ ديورانت ] المتفلسف الأمريكي للتقريب بين نوع الحركة الذي في الذرة - وهو يسميه درجة من الحياة - ونوع الحياة المعروف في الأحياء . وذلك في جهد مستميت لملء الفجوة بين المادة الهامدة والحياة النابضة . بقصد الاستغناء عن الإله الذي ينشى ء الحياة في الموات !

ولكن هذه المحاولة المستميتة لا تنفعه ولا تنفع الماديين في شيء . . ذلك أنه إن كانت الحياة صفة كامنة في المادة ، ولم يكن وراء هذه المادة قوة أخرى ذات إرادة ، فما الذي يجعل الحياة التي في المادة الكونية تتبدى في درجات بعضها أرقى وأعقد من بعض ؟ فتتبدى في الذرة مجرد حركة آلية غير واعية . ثم تتبدى في النبات في صورة عضوية . ثم تتبدى في الأحياء المعروفة في صورة عضوية أكثر تركيبا وتعقيدا . .

ما الذي جعل المادة - المتضمنة للحياة كما يقال - يأخذ بعضها من عنصر الحياة أكثر مما يأخذ البعض الأخر ، بلا إرادة مدبرة ؟ ما الذي جعل الحياة الكامنة في المادة ، تختلف في مدارجها المترقية ؟ !

إننا نفهم هذا التفاوت يوم نقدر أن هناك إرادة مدبرة هي التي تصنع ذلك مختارة مريدة . فأما حين تكون المادة [ الحية ولنفرض ذلك ! ] هي وحدها ، فإنه يستحيل على العقل البشري ذاته أن يفهم هذا التفاوت أو يعلله !

إن التعليل الإسلامي لانبثاق الحياة في درجاتها المتفاوتة هو الحل الوحيد لهذه الظاهرة التي لا تعللها المحاولات المادية البائسة !

وإذ كنا - في هذه الظلال - لا نخرج عن المنهج القرآني ؛ فإننا لا نمضي أكثر من هذا في مواجهة لوثة الإلحاد ببراهين الخلق والتدبير والحياة . . فالقرآن الكريم لم يجعل قضية وجود الله قضيته . لعلم الله أن الفطرة ترفض هذه اللوثه . إنما القضية هي قضية توحيد الله ؛ وتقرير سلطانه في حياة العبد ؛ وهي القضية التي تتوخاها السورة في هذه الموجة التي استعرضناها .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ} (3)

وقوله سبحانه وتعالى :

{ وَهُوَ الله } جملة من مبتدأ عائد إليه سبحانه كما قال الجمهور وخبر معطوفه على ما قبلها مسوقة لبيان شمول أحكام إلهيته لجميع المخلوقات وإحاطة علمه بتفاصيل أحوال العباد وأعمالهم المؤدية إلى الجزاء إثر الإشارة إلى تحقق المعاد في تضاعيف ما تقدم ، والحمل ظاهر الفائدة إذا اعتبر ما يأتي وإلا فهو على حد

أنا أبو النجم وشعري شعري *** .

وقوله تعالى : { فِي السموات وَفِى الارض } متعلق على ما قيل بالمعنى الوصفي الذي تضمنه الاسم الجليل كما في قولك : هو حاتم في طيىء على معنى الجواد . والمعنى الذي يعتبر هنا يجوز أن يكون هو المأخوذ من أصل اشتقاق الاسم الكريم أعني المعبود أو ما اشتهر به الاسم من صفات الكمال إلا أنه يلاحظ في هذا المقام ما يقتضيه منها أو ما يدل عليه التركيب الحصري لتعريف طرفي الإسناد فيه من التوحيد والتفرد بالألوهية أو ما تقرر عند الكل من إطلاق هذا الاسم عليه تعالى خاصة فكأنه قيل : وهو المعبود فيهما أو وهو المالك والمتصرف المدبر فيهما حسبما يقتضيه المشيئة المبنية على الحكم البالغة أو وهو المتوحد بالألوهية فيهما أو وهو الذي يقال له : الله فيهما لا يشرك به شيء في هذا الاسم ، ومعنى ذلك مجرد ملاحظة أحد المعاني المذكورة في ضمن ذلك الاسم الجليل ويكفي مثل ذلك في تعلق الجار لا أنه يحمل لفظ الله على معناه اللغوي أو على نحو المالك والمتصرف أو المتوحد أو يقدر القول ، وعلى كل تقدير يندفع ما يقال : إن الظرف لا يتعلق باسم الله تعالى لجموده ولا بكائن لأنه حيئنذ يكون ظرفاً لله تعالى وهو سبحانه وتعالى منزه عن المكان والزمان . ومن الناس من جوز تعلقه بكائن على أنه خبر بعد خبر والكلام حينئذ من التشبيه البليغ أو كناية على رأي من لم يشترط جواز المعنى الأصلي أو استعارة تمثيلية بأن شبهت الحالة التي حصلت من إحاطة علمه سبحانه وتعالى بالسموات والأرض وبما فيهما بحالة بصير تمكن في مكان ينظره وما فيه والجامع بينهما حضور ذلك عنده . وجوز أن يكون مجازاً مرسلاً باستعماله في لازم معناه وهو ظاهر ، وأن يكون استعارة بالكناية بأن شبه عز اسمه بمن تمكن في مكان وأثبت له من لوازمه وهو علمه به وبما فيه ، وليس هذا من التشبيه المحظور في شيء .

وعليه يكون قوله تعالى : { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } أي ما أسررتموه وما جهرتم به من الأقوال أو منها ومن الأفعال بياناً للمراد وتوكيداً لمن يفهم من الكلام . وتعليق علمه سبحانه بما ذكر خاصة مع شموله لجميع من في السموات وصاحبتها لانسياق النظم الكريم إلى بيان حال المخاطبين وكذا يعتبر بياناً على تقدير اعتبار ما اشتهر به الاسم الجليل من صفات الكمال عند تعلق الجار على ما علمت فإن ملاحظته من حيث المالكية الكاملة والتصرف الكامل حسبما تقدم مستتبعة لملاحظة علمه تعالى المحيط حتماً .

وعلى التقادير الأخر لا مساغ كما قيل لجعله بياناً لأن ما ذكر من العلم غير معتبر في مفهوم شيء من المعبودية واختصاص إطلاق الاسم عليه تعالى ، وكذا مفهوم المتوحد بالألوهية فكيف يكون هذا بياناً لذلك . واعتبار العلم فيما صدق عليه المتوحد غير كاف في البيانية ، وقيل في بيانها على تقدير اعتبار المتوحد بالألوهية : إن حصر الألوهية بمعنى تدبير الخلق ، ومن تفرد بتدبير جميع أمور أحد لزمه معرفة جميعها حتى يتم له تدبيرها فملاحظة المتوحد بالألوهية مستتبعة لملاحظة علمه تعالى المحيط على طرز ما تقرر في ملاحظة اسمه عز اسمه من حيث المالكية الكاملة والتصرف الكامل على الوجه المتقدم .

ومن هذا يعلم اندفاع ما أورد على احتمال تعلق الجار السابق باعتبار ملاحظة المتوحد بالألوهية من أن التوحيد بها أمر لا تعلق له بمكان فلا معنى لجعله متعلقاً بمكان فضلاً عن جميع الأمكنة فإن تدبير الخلق مما يتعلق بما في حيز الجار من الحيز ، وكذا بما فيه . وتعقب ذلك بمنع تفسير الألوهية بما ذكر ؛ ولعل الجملة على هاتيك التقادير خبر ثالث ، وقد جوز غير واحد الإخبار بالجملة بعد الإخبار بالمفرد ، وبعضهم جعلها كذلك مطلقاً ، والقرينة على إرادة المراد من الجملة الظرفية حينئذ عقلية ، وهي أن كل أحد يعلم أنه تقدس وتعالى منزه عما يقتضيه الظاهر من المكان ، وذلك كما في قوله تعالى : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [ الحديد : 4 ] إذ لم يردف بما يبينه ، وجوز أن تكون كلاماً مبتدأ وهو استئناف نحوي . ورجحه غير واحد لخلوه عن التكلف أو استئناف بياني ويتكلف له تقدير سؤال ، وقيل : إن الجملة هي خبر { هُوَ } والاسم الجليل بدل منه والظرف متعلق بيعلم . ويكفي في ذلك كون المعلوم فيما ذكر ولا يتوقف على كون العالم فيه ليلزم تحيزه سبحانه وتعالى المحال . وهذا ما قيل كقولك : رميت الصيد في الحرم فإنه صادق إذا كنت خارجه والصيد فيه .

ونقل بعض المدققين عن الإمام التمرتاشي في الأيمان إذا ذكر ظرف بعد فعل له فاعل كما إذا قلت : إذا ضربت في الدار أو في المسجد فإن كان معاً فيه فالأمر ظاهر وإن كان الفاعل فيه دون المفعول أو بالعكس فإن كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح فالمعتبر كون المفعول فيه وإن كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر كون الفاعل فيه فلذا قال بعض الفقهاء : لو قال إن شتمته في المسجد أو رميت إليه فكذا فشرط حنثه كون الفاعل فيه .

وإن قال : إن ضربته في المسجد أو جرحته أو قتلته أو رميته فكذا فشرطه كون المفعول فيه . وفرق بين الرميين المتعدي بإلى والمتعدي بنفسه بأن الأول : إرسال السهم من القوم بنية وذلك مما لا يظهر له أثر في المحل ولا يتوقف على وصول فعل الفاعل . والثاني : إرسال السهم أو ما يضاهيه على وجه يصل إلى المرمى إليه فيؤثر فيه ولذا عد كل منهما في قبيل . وعلى هذا يشكل ما نحن فيه لأن العلم لا يظهر له أثر في المعلوم فيلزم أن يكون الكلام من قبيل شتمته في المسجد ويجيء المحال وكون العلم هنا مجازاً عن المجازاة وهي مما يظهر أثرها في المفعول فيكون الكلام من قبيل إن ضربته في المسجد ويكفي كون المفعول فيه دون الفاعل في القلب منه شيء على أن كون المفعول هنا أعني سر المخاطبين وجهرهم في السموات مما لا وجه له .

/ والقول بأن المعنى حينئذ يعلم نفوسكم المفارقة الكائنة في السموات ونفوسكم المقارنة لأبدانكم الكائنة في الأرض تعسف وخروج عن الظاهر على أن الخطاب حينئذ يكون للمؤمنين وقد كان فيما قبل للكافرين فتفوت المناسبة والارتباط ، ومثله القول بتعميم الخطاب بحيث يشمل الملائكة وظاهر أن سرهم وجهرهم في السموات . وأجيب بأنه يمكن أن يكون جعل سر المخاطبين وجهرهم فيها لتوسيع الدائرة وتصوير أنه سبحانه وتعالى لا يعزب عن علمه شيء في أي مكان كان لا أنهما يكونان في السموات أيضاً ، وقيل : المراد بالسر ما كتم عنهم من عجائب الملك وأسرار الملكوت مما لم يطلعوا عليه وبالجهر ما ظهر لهم من السموات والأرض . وإضافة السر والجهر إلى ضمير المخاطبين مجازية وليس بشيء كما لا يخفى .

وجوز بعضهم أن يكون الجار متعلقاً بالمصدر على سبيل التنازع ، واعترض بأن معمول المصدر لا يتقدم عليه . ويلزم أيضاً التنازع مع تقدم المعمول . وأجيب بأن منهم من يجوز التنازع مع تقدم المعمول ومن يقول : بجواز تقديم الظرف على المصدر لتوسعهم فيه ما لم يتوسع في غيره ، ونقل عن ابن هشام أنه قال : إنما يمتنع تقدم متعلق المصدر إذا قدر بحرف مصدري وفعل وهذا ليس كذلك فليس مما منعوه ، وقال مولانا صدر الدين : يرد على منع تعلق الجار بالمصدر المتأخر تعلقه بإله في قوله تعالى : { وَهُوَ الذى فِى السماء إله } [ الزخرف : 84 ] مع أن إلهاً مصدر وصرح بتعلقه به غير واحد فإن أول بالصفة مثل المعبود فليؤول السر والجهر بالخفي والظاهر . وعن أبي علي الفارسي أنه جعل { هُوَ } ضمير الشأن و { الله } مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر عن ضمير الشأن أي الشأن والقصة ذلك .

{ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } أي ما تفعلونه لجلب نفع أو دفع ضر من الأعمال المكتسبة بالقلوب والجوارح سراً وعلانية . وتخصيص ذلك بالذكر مع اندراجه فيما تقدم على تقدير تعميم السر والجهر لإظهار كمال الاعتناء به لأنه مدار فلك الجزاء وهو السر في إعادة { يَعْلَمْ } . ومن الناس من غاير بين المتعاطفين بجعل العلم هنا عبارة عن جزائه وإبقائه على معناه المتبادر فيما تقدم . وتفسير المكتسب بجزاء الأعمال من المثوبات والعقوبات غير ظاهر . وكذا حمل السر والجهر على ما وقع والمكتسب على ما لم يقع بعد .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَهُوَ الله فِى * السموات * وَفِى الارض } أي سواء ألوهيته بالنسبة إلى العالم العلوي والسفلي { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ } في عالم الأرواح وهو عالم الغيب { وَجَهْرَكُمْ } في عالم الأجسام وهو عالم الشهادة { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } [ الأنعام : 3 ] فيهما من العلوم والحركات والسكنات وغيرها فيجازيكم بحسبها ، وقيل : المعنى يعلم جولان أرواحكم في السماء لطلب معادن الأفراح وتقلب أشباحكم في الأرض لطلب الوسيلة إلى مشاهدته ويعلم ما تحصلونه بذلك