ولهذا كان ذلك التوكيد على حقيقة الآخرة . . أولا لأنها حقيقة . والله يقص الحق . وثانيا لأن اليقين بها ضرورة لاستكمال إنسانية الإنسان : تصورا واعتقادا ، وخلقا وسلوكا ، وشريعة ونظاما .
ومن ثم كانت هذه الإيقاعات العنيفة العميقة التي نراها في هذه الموجة من نهر السورة المتدفق . . الإيقاعات التي يعلم الله أن فطرة الإنسان تهتز لها وترجف ؛ فتفتح نوافذها ، وتستيقظ أجهزة الاستقبال فيها ، وتتحرك وتحيا ، وتتأهب للتلقي والاستجابة . . ذلك كله فضلا على أنها تمثل الحقيقة :
( ولو ترى إذ وقفوا على ربهم . قال : أليس هذا بالحق ؟ قالوا : بلى وربنا . قال : فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) . .
هذا مصير الذين قالوا : ( إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) . . وهذا هو مشهدهم البائس المخزي المهين ؛ وهم موقوفون في حضرة ربهم الذي كذبوا بلقائه ، لا يبرحون الموقف . وكأنما أخذ بأعناقهم حتى وقفوا في هذا المشهد الجليل الرهيب :
( قال : أليس هذا بالحق ؟ ) . .
وهو سؤال يخزي ويذيب ! ( قالوا : بلى وربنا ) . .
الآن . وهم موقوفون على ربهم . في الموقف الذي نفوا على سبيل التوكيد أن يكون ! وفي اختصار يناسب جلال الموقف ، ورهبة المشهد ، وهول المصير ، يجيء الأمر العلوي بالقضاء الأخير : قال : ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) . .
وهو مصير يتفق مع الخلائق التي أبت على نفسها سعة التصور الإنساني وآثرت عليه جحر التصور الحسي ! والتي أبت أن ترتفع إلى الأفق الإنساني الكريم ، وأخلدت إلى الأرض ، وأقامت حياتها وعاشت على أساس ذلك التصور الهابط الهزيل ! لقد ارتكست هذه الخلائق حتى أهلت نفسها لهذا العذاب ؛ الذي يناسب طبائع الكافرين بالآخرة ؛ الذين عاشوا ذلك المستوى الهابط من الحياة ! بذلك التصور الهابط الهزيل !
{ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ } تمثيل لحبسهم للسؤال والتوبيخ أو كناية عنه عند من لم يشترط فيها إمكان الحقيقة وجوز اعتبار التجوز في المفرد إلا أن الأرجح عندهم اعتباره في الجملة ، وقيل : الوقوف بمعنى الاطلاع المتعدي بعلى أيضاً وفي الكلام مضاف مقدر أي وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه ، ولا حاجة إلى التضمين وجعله من القلب كما توهم ، وقيل : هو بمعنى الاطلاع من غير حاجة إلى تقدير مضاف على معنى عرفوه سبحانه وتعالى حق التعريف ولا يلزم من حق التعريف حق المعرفة ليقال كيف هذا وقد قيل : ما عرفناك حق معرفتك ، واستدل بعض الظاهرية بالآية على أن أهل القيامة يقفون بالقرب من الله تعالى في موقف الحساب ولا يخفى ما فيه .
{ قَالَ } استئناف نشأ من الكلام السابق كأنه قيل : فماذا قال لهم ربهم سبحانه وتعالى إذ ذاك ؟ فقيل : قال : الخ . وجوز أن يكون في موضع الحال أي قائلاً { أَلَيْسَ هذا } أي البعث وما يتبعه { بالحق } أي حقاً لا باطلاً كما زعمتم ، وقيل : الإشارة إلى العقاب وحده وليس بشيء ، ولا دلالة في { فَذُوقُواْ } عند أرباب الذوق على ذلك ، والهمزة للتقريع على التكذيب { قَالُواْ } استئناف كما سبق { بلى } هو حق { وَرَبُّنَا } أكدوا اعترافهم باليمين إظهاراً لكمال تيقنهم بحقيته وإيذاناً بصدور ذلك عنهم برغبة ونشاط طمعاً بأن ينفعهم وهيهات { قَالَ فَذُوقُواْ العذاب } الذي كفرتم به من قبل وأنكرتموه { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } أي بسبب كفركم المستمر أو ببدله أو بمقابلته أو بالذي كنتم تكفرون به ، فما إما مصدرية أو موصولة والأول أولى ، ولعل هذا التوبيخ والتقريع كما قيل «إنما يقع بعدما وقفوا على النار فقالوا ما قالوا إذ الظاهر أنه لا يبقى بعد هذا الأمر إلا العذاب » ، ويحتمل العكس وأمر الأمر سهل .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ } [ الأنعام : 30 ] الآية قال بعض أهل التأويل : هذا تصوير لحالهم في الاحتجاب والبعد وإن كانوا في عين الجمع المطلق ، والوقوف على الشيء غير الوقوف معه فإن الأول : لا يكون إلا كرهاً والثاني : يكون طوعاً ورغبة ، فالواقف مع الله سبحانه بالتوحيد لا يوقف للحساب ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [ الكهف : 28 ] { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } [ الأنعام : 52 ] ويثاب هذا بأنواع النعيم في الجنان كلها . ومن وقف مع الغير بالشرك وقف على الرب تعالى وعذب بأنواع العذاب لأن الشرك ظلم عظيم .
ومن وقف مع الناسوت بمحبة الشهوات وقف على الملكوت وعذب بنيران الحرمان وسلط عليه زبانية الهيئات المظلمة وقرن بشياطين الأهواء المردية ، ومن وقف مع الأفعال وقف على الجبروت وعذب بنار الطمع والرجاء ورد إلى مقام الملكوت ، ومن وقف مع الصفات وقف على الذات وعذب بنار الشوق والهجران . وليس هذا هو الوقوف عل الرب لأن فيه حجاب الأنية وفي الوقوف على الذات معرفة الرب الموصوف بصفات اللطف . والمشرك موقوف أولاً على الرب فيحجب بالرد والطرد { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] ثم على الجبروت فيطرد بالسخط واللعن { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة } [ آل عمران : 77 ] ثم على الملكوت فيزجر بالغضب واللعن { قِيلَ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ } [ الزمر : 72 ] ثم على النار يسجرون فيعذب بأنواع النيران أبداً فيكون وقفه على النار متأخراً عن وقفه على الرب تعالى معلولاً له كما قال تعالى : { ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } [ يونس : 70 ] وأما الواقف مع الناسوت فيوقف للحساب على الملكوت ثم على النار . وقد ينجو لعدم السخط وقد لا ينجو لوجوده . والواقف مع الأفعال لا يوقف على النار أصلاً بل يحاسب ويدخل الجنة . وأما الواقف مع الصفات فهو من الذين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه انتهى . فتأمل فيه
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.