بعد ذلك يبين الموعد الذي تعلن فيه هذه البراءة وتبلغ إلى المشركين لينذروا بها وبالموعد المضروب فيها :
{ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر : أن الله بريء من المشركين ورسوله . فإن تبتم فهو خير لكم ، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } . .
ويوم الحج الأكبر اختلفت الروايات في تحديده : أهو يوم عرفة أم يوم النحر . والأصح أنه يوم النحر : والأذان البلاغ ؛ وقد وقع للناس في الموسم ؛ وأعلنت براءة الله ورسوله من المشركين كافة - من ناحية المبدأ - وجاء الاستثناء في الإبقاء على العهد إلى مدته في الآية التالية . . والحكمة واضحة في تقرير المبدأ العام ابتداء في صورة الشمول ؛ لأنه هو الذي يمثل طبيعة العلاقات النهائية . أما الاستثناء فهو خاص بحالات تنتهي بانتهاء الأجل المضروب . وهذا الفهم هو الذي توحي به النظرة الواسعة لطبيعة العلاقات الحتمية بين المعسكر الذي يجعل الناس عبيداً لله وحده ، والمعسكرات التي تجعل الناس عبيداً للشركاء ، كما أسلفنا في التقديم للسورة والتقديم لهذا المقطع منها كذلك .
ومع إعلان البراءة المطلقة يجيء الترغيب في الهداية والترهيب من الضلالة :
{ فإن تبتم فهو خير لكم ، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } . .
وهذا الترهيب وذلك الترغيب في آية البراءة ؛ يشيران إلى طبيعة المنهج الإسلامي . إنه منهج هداية قبل كل شيء . فهو يتيح للمشركين هذه المهلة لا لمجرد أنه لا يحب أن يباغتهم ويفتك بهم متى قدر - كما كان الشأن في العلاقات الدولية ولا يزال ! - ولكنه كذلك يمهلهم هذه المهلة للتروي والتدبر ، واختيار الطريق الأقوم ؛ ويرغبهم في التوبة عن الشرك والرجوع إلى الله ، ويرهبهم من التولي ، وييئسهم من جدواه ، وينذرهم بالعذاب الأليم في الآخرة فوق الخزي في الدنيا . ويوقع في قلوبهم الزلزلة التي ترجها رجاً لعل الركام الذي ران على الفطرة أن ينفض عنها ، فتسمع وتستجيب !
ثم . . هو طمأنة للصف المسلم ، ولكل ما في قلوب بعضه من مخاوف ومن تردد وتهيب ؛ ومن تحرج وتوقع .
فالأمر قد صار فيه من الله قضاء . والمصير قد تقرر من قبل الابتداء !
{ وَأَذان مّنَ الله وَرَسُولِهِ } أي إعلام وهو فعال بمعنى الأفعال أي إيذان كالأمان والعطاء . ونقل الطبرسي أن أصله من النداء الذي يسمع بالأذن بمعنى أذنته أو صلته إلى أذنه ، ورفعه كرفه براءة والجملة معطوفة على مثلها .
وزعم الزجاج أنه عطف على { براءة } [ التوبة : 1 ] ، وتعقب بأنه لا وجه لذلك فإنه لا يقال : أن عمراً معطوف على زيد في قولك : زيد قائم وعمرو قاعد . وذكر العلامة الطيبي أن لقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يعطف على براءة على أن يكون من عطف الخبر على الخبر كأنه قيل : هذه السورة براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم خاصة وأذان من الله ورسوله { إِلَى الناس } عامة . نعم الأوجه أن يكون من عطف الجمل لئلا يتخلل بين الخبرين جمل أجنبية ولئلا تفوت المطابقة بين المبتدأ والخبر تذكيراً وتأنيثاً ، ونظر فيه بعضهم أيضاً بأنهم جوزوا في الدار زيد والحجرة عمرو وعدوا ذلك من العطف على معمولي عاملين ، وصرحوا بأن نحو زيد قائم وعمرو يحتمل الأمرين ، وأجيب بأنه أريد عطف أذان وحده على براءة من غير تعرض لعطف الخبر على الخبر كما في نحو أريد أن يضرب زيد عمراً ويهين بكر خالداً فليس العطف إلا في الفعلين دون معموليهما هذا الذي منعه من منع ؛
وإرادة العموم من { الناس } هو الذي ذهب إليه أكثر الناس لأن هذا الاذان ليس كالبراءة المختصة بالناكثين بل هو شامل للكفرة وسائر المؤمننين أيضاً ، وقال قوم : المراد بهم أهل العهد ، وقوله سبحانه : { يَوْمَ الحج الاكبر } منصوب بما تعلق به { إِلَى الناس } لا باذان لأن المصدر الموصوف لا يعمل على المشهور ، والمراد به يوم العيد لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله ولأن الأعلام كان فيه .
ولما أخرج البخاري تعليقاً . وأبو داود . وابن ماجه . وجماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال : أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم النحر ، قال : هذا يوم الحج الأكبر ، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس . وابن جبير . وابن زيد . ومجاهد . وغيرهم ، وقيل : يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة » ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً ، وأخرج ابن أبي حاتم عن المسور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأخرج ابن جرير عن أبي الصهباء أنه سأل علياً كرم الله تعالى وجهه عن هذا اليوم فقال : هو يوم عرفة ، وعن مجاهد . وسفيان أنه جميع أيام الحج كما يقال : يوم الجمل .
ويوم صفين ويراد باليوم الحين والزمان والأول أقوى رواية ودراية ، ووصف بالحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر أو لأن المراد بالحج ما وقع في ذلك اليوم من أعماله فانه أكبر من باقي الأعمال فالتفضيل نسبي وغير مخصوص بحج تلك السنة . وعن الحسن أنه وصف بذلك لأنه اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق عيده أعياد أهل الكتاب ، وقيل : لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين فالتفضيل مخصوص بتلك السنة ؛ وأما تسمية الحج الموافق يوم عرفة فيه ليوم الجمعة بالأكبر فلم يذكروها وإن كان ثواب ذلك الحج زيادة على غيره كما تقله الجلال السيوطي في بعض رسائله { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين } أي من عهودهم . وقرأ الحسن . والأعرج { ءانٍ } بالكسر لما أن الأذان فيه معنى القول ، وقيل : يقدر القول ، وعلى قراءة الفتح يكون بتقدير حرف جر وهو مطرد في إن وأن ، والجار والمجرور جوز أن يكون خبراً عن أذان وأن يكون متعلقاً به وأن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة له ، وقوله سبحانه : { وَرَسُولُهُ } عطف على المستكن في برىء ، وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف وأن يكون عطفاً على محل اسم إن لكن على قراءة الكسر ، لأن المكسورة لمالم تغير المعنى جاز أن تقدر كالعدم فيعطف على محل ما عملت فيه أي على محل كان له قبل دخولها فانه كان إذ ذاك مبتدأ ، ووقع في كلامهم محل أن مع اسمها والأمر فيه هين . ولم يجيزوا ذلك على المسهور مع المفتوحة لأن لها موضعاً غير الابتداء ، وأجاز ابن الحاجب ههنا العطف على المحل في قراءة الجماعة أيضاً بناء على ما ذكر من أن المفتوحة على قسمين ما يجوز فيه العطف على المحل وما لا يجوز ، فإن كان بمعنى إن المكسورة كالتي بعد أفعال القلوب نحو علمت أن زيداً قائم وعمر وجاز العطف لأنها لاختصاصها بالدخول على الجمل يكون المعنى معها ان زيداً قائم وعمرو في علمي ، ولذا وجب الكسر في علمت إن زيداً لقائم ، وإن لم تكن كذلك لا يجوز نحو أعجبني أن زيداً كريم وعمرو ويتعين النصب فيه لأنها حينئذ ليست مكسورة ولا في حكمها ، ووجه الجواز بناء على هذا أن الاذن بمعنى العلم فيدخل على الجمل أيضاً كعلم .
وقرأ يعقوب برواية روح . وزيد { وَرَسُولُهُ } بالنصب وهي قراءة الحسن . وابن أبي اسحق . وعيسى بن عمرو ، وعليها فالعطف على اسم ان وهو الظاهر ، وجوز أن تكون الواو بمعنى مع ونصب { وَرَسُولُهُ } على أنه مفعول معه أي برىء معه منهم .
وعن الحسن أنه قرأ بالجر على أن الواو للقسم وهو كالقسم بعمره صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه : { لَعَمْرُكَ } [ الحجر : 72 ] وقيل : يجوز كون الجر على الجوار وليس بشيء ، وهذه القراءة لعمري موهمة جداً وهي في غاية الشذوذ الظاهر أنها لم تصح .
يحكى أن إعرابياً سمع رجلاً يقرؤها فقال : إن كان الله تعالى بريئاً من رسوله فانا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر رضي الله تعالى عنه فحكى الاعرابي قراءته فعندها أمر عمر بتعليم العربية ، ونقل أن أبا الأسود الدؤلي سمع ذلك فرفع الأمر إلى علي كرم الله تعالى وجهه فكان ذلك سبب وضع النحو والله تعالى أعلم .
وفرق الزمخشري بين معنى الجملة الأولى وهذه الجملة بأن تلك اخبار بثبوت البراءة وهذه اخبار بوجوب الاعلام بما ثبت ، وفي الكشف أن هذا على تقدير رفعهما بالخبرية ظاهر إلا أن في قوله اخبار بوجوب الاعلام تجوزاً وأراد أن يبين أن المقصود ليس الاخبار بالاعلام بل أعلم سبحانه أنه بريء ليعلموا الناس به ، وعلى التقدير الثاني وجهه أن المعنى في الجملة الأولى البراءة الكائنة من الله تعالى حاصلة منتهية إلى المعاهدين من المشركين فهو إخبار بثبوت البراءة كما تقول في زيد موجود مثلا : إنه إخبار بثبوت زيد ، وفي الثانية إعلام المخاطبين الكائن من الله تعالى بتلك البراءة ثابت واصل إلى الناس فهو إخبار بثبوت الاعلام الخاص صريحاً ووجوب أن يعلم المخاطبون الناس ضمنا ، ولما كان المقصود هو المعنى المضمن ذكر أنها إخبار بوجوب الاعلام ، وزعم بعضهم لدفع التكرار أن البراءة الأولى لنقض العهد والبراءة الثانية لقطع الموالاة والاحسان وليس بذلك { فَإِن تُبْتُمْ } من الكفر والغدر بنقض العهد { فَهُوَ } أي التوب { خَيْرٌ لَّكُمْ } في الدارين والالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التهديد والتشديد ، والفاء الأولى لترتيب مقدم الشرطية على الاذان المذيل بالوعيد الشديد المؤذن بلين عريكتهم وانكسار شدة شكيمتهم { وَإِن تَوَلَّيْتُمْ } عن التوبة أو ثبتم على التولي عن الإسلام والوفاء { فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الله } غير سابقيه سبحانه ولا فائتيه { وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي في الآخرة على ما هو الظاهر .
ومن هنا قيد بعضهم غير معجزي الله بقوله في الدنيا ، والتعبير بالبشارة للتهكم ، وصرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل : لأن البشارة إنما تليق بمن يقف على الاسرار الالهية ، وقد يقال : لا يبعد كون الخطاب لكل من له حظ فيه وفيه من المبالغة ما لا يخفى .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الاكبر } أي وقت ظهور الجمع الذاتي في صورة التفصيل { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ } [ التوبة : 3 ] المراد بذلك كمال المخالفة والتضاد وانقطاع المدد الروحاني .