في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (261)

كانت الدروس الثلاثة الماضية في هذا الجزء تدور - في جملتها - حول إنشاء بعض قواعد التصور الإيماني ؛ وإيضاح هذا التصور ؛ وتعميق جذوره في نواح شتى . وكان هذا محطا في خط السورة الطويلة ؛ التي تعالج - كما أسلفنا - إعداد الجماعة المسلمة للنهوض بتكاليف دورها في قيادة البشرية .

261

والأن نواجه النصوص القرآنية في هذا الدرس تفصيلا :

( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ، في كل سنبلة مائة حبة . والله يضاعف لمن يشاء . والله واسع عليم ) . .

إن الدستور لا يبدأ بالفرض والتكليف ؛ إنما يبدأ بالحض والتأليف . . إنه يستجيش المشاعر والانفعالات الحية في الكيان الإنساني كله . . إنه يعرض صورة من صور الحياة النابضة النامية المعطية الواهبة : صورة الزرع . هبة الأرض أو هبة الله . الزرع الذي يعطي أضعاف ما يأخذه ، ويهب غلاته مضاعفة بالقياس إلى بذوره . يعرض هذه الصورة الموحية مثلا للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله :

( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ، في كل سنبلة مائة حبة ) . .

إن المعنى الذهني للتعبير ينتهي إلى عملية حسابية تضاعف الحبة الواحدة إلى سبعمائة حبة ! أما المشهد الحي الذي يعرضه التعبير فهو أوسع من هذا وأجمل ؛ وأكثر استجاشة للمشاعر ، وتأثيرا في الضمائر . . إنه مشهد الحياة النامية . مشهد الطبيعة الحية . مشهد الزرعة الواهبة . ثم مشهد العجيبة في عالم النبات : العود الذي يحمل سبع سنابل . والسنبلة التي تحوي مائة حبة !

وفي موكب الحياة النامية الواهبة يتجه بالضمير البشري إلى البذل والعطاء . إنه لا يعطي بل يأخذ ؛ وإنه لا ينقص بل يزاد . . وتمضي موجة العطاء والنماء في طريقها . تضاعف المشاعر التي استجاشها مشهد الزرع والحصيلة . . إن الله يضاعف لمن يشاء . يضاعف بلا عدة ولا حساب . يضاعف من رزقه الذي لا يعلم أحد حدوده ؛ ومن رحمته التي لا يعرف أحد مداها :

( والله واسع عليم ) . .

واسع . . لا يضيق عطاؤه ولا يكف ولا ينضب . عليم . . يعلم بالنوايا ويثبت عليها ، ولا تخفى عليه خافية .

/خ274

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (261)

قوله تعالى : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) .

إن هذه الآية نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما . وذلك في غزوة تبوك لما حضّ النبي ( ص ) المسلمين على الصدقة فجاءه إذ ذاك عبد الرحمن ابن عوف بأربعة ألاف وقال : يا رسول الله كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف ، وأربعة آلاف أقرضتها لربي . فقال رسول الله ( ص ) : " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " . وقال عثمان بن عفان : يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له . وقيل : نزلت في نفقة التطوّع . وقيل غير ذلك . وعلى أية حال فإن الآية تفيد العموم لتناول وجوه الإنفاق في طاعة الله . ويأتي في طليعة ذلك الإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد{[339]} .

والله جلت قدرته يحض عباده على الإنفاق مخلصين لوجهه . وقد وعدهم بدل ذلك من الأجر ما يكون أضعافا كثيرة . فما ينفق العبد نفقته يبتغي بها وجه ربه إلا جزاه الله أجرا عظيما ، وذلك كالحبة يضعها الزارع في الأرض ، تؤتيه سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة لتكون الحصيلة سبعمائة حبة .

وقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله ، يقول الله : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي " .

وفي حديث آخر من رواية أحمد أن الرسول ( ص ) : قال : " من أنفق في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف " .

قوله : ( والله يضاعف لمن يشاء ) ذلك إعلام من الله جل جلاله بأنه يضاعف الأجر أكثر من سبعمائة ضعف لمن يشاء من عباده العاملين المخلصين .

وقيل : ليس فوق السبعمائة ضعف من زيادة أخرى ولكن المراد هو التبيين والتأكيد لهذه الأضعاف السبعمائة نفسها . والراجح عندي الأول استنادا إلى الظاهر من الآية .

قوله : ( والله واسع عليم ) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع . ( واسع ) خبر . ( عليم ) صفة . المراد بالسعة الفضل والرزق ، فإن خزائن الله عظيمة ومديدة ومدرارة وهي لا تنفد ، وهو سبحانه عليم بمن يستحق الرزق ومن لا يستحقه إلا نزرا{[340]} .


[339]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 55 وتفسير القرطبي جـ 3 ص 303.
[340]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 316 وتفسير النسفي جـ 1 ص 133.