في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا} (23)

21

( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) . .

هكذا في لحظة . والخيال يتبع حركة القدوم المجسمة المتخيلة - على طريقة القرآن في التجسيم والتخييل - وعملية الإثارة للأعمال ، والتذرية في الهواء ؛ فإذا كل ما عملوا في الدنيا من عمل صالح هباء . ذلك أنه لم يقم على الإيمان ، الذي يصل القلب بالله ، والذي يجعل العمل الصالح منهجا مرسوما وأصلا قاصدا ، لا خبط عشواء ، ولا نزوة طارئة ، ولا حركة مبتورة لا قصد لها ولا غاية . فلا قيمة لعمل مفرد لا يتصل بمنهج ، ولا فائدة لحركة مفردة ليست حلقة من سلسلة ذات هدف معلوم .

إن وجود الإنسان وحياته وعمله في نظرة الإسلام موصولة كلها بأصل هذا الكون ، وبالناموس الذي يحكمه ، والذي يصله كله بالله . بما فيه الإنسان وما يصدر عنه من نشاط . فإذا انفصل الإنسان بحياته عن المحور الرئيسي الذي يربطه ويربط الكون ، فإنه يصبح لقي ضائعا لا وزن له ولا قيمة ، ولا تقدير لعمله ولا حساب . بل لا وجود لهذا العمل ولا بقاء .

والإيمان هو الذي يصل الإنسان بربه ؛ فيجعل لعمله قيمة ووزنا ، ويجعل له مكانه في حساب هذا الكون وبنائه .

وهكذا تعدم أعمال أولئك المشركين . تعدم إعداما يصوره التعبير القرآني تلك الصورة الحسية المتخيلة :

( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا} (23)

قوله : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( قدمنا ) من القدوم . والقدوم الحقيقي لا يجوز في حق الله . وإنما المراد به هنا إنفاذ أمره وحكمه في أعمال الكافرين التي عملوها حال كفرهم ، من صلة رحم وإغاثة ملهوف وإتحاف ضيف وعون مضطرب وغير ذلك من وجوه المكارم وأفعال الخير ، فإنها جميعا لا تنفعهم عند الله وليس لهم في مقابلتها من أجر ولا مثوبة . وهو قوله : ( فجعلناه هباء منثورا ) الهباء معناه التراب الدقيق وهو مثل الغبار الداخل في الكوّة يتراءى مع ضوء الشمس . والمنثور معناه المفرّق . نثرت الشيء أي فرّقته . وقال ابن عباس : الهباء المنثور : ما تُسفي به الرياح وتبثه .

وحاصل ذلك : التنبيه على المقصود من الآية وهو أن الكافرين والمنافقين والمرائين يعملون الأعمال النافعة في الدنيا وهم يعتقدون أنهم على شيء . لكن أعمالهم في ميزان الله لا تساوي شيئا بالكلية ، فقد شبّهت بذرات التراب أو الرماد المفرّق المبعثر في الهواء ، والذي لا يقدر صاحبه منه على شيء لفرط حقارته وهوانه .

والأصل في ذلك كله : أن قبول الأعمال مرهون بشرطين أساسيين :

أحدهما : الإخلاص لله فيها ؛ وهو أن يبتغي صاحب العمل بعمله مرضاة الله . فإن ابتغى غير ذلك كان رياء فهو بذلك متدرج في دائرة الحبوط والبطلان .

وأما الشرط الثاني : فهو موافقة الشرع ؛ فأيما عمل مخالف للشرع كان مردودا . وذلك للخبر : " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " وأعمال الكافرين لا تخلو من انعدام أحد الشرطين أو كليهما . وأعتى من ذلك وأنكى ، كفرانهم برسالة الإسلام وتكذيبهم نبوة محمد ( ص ) فأنى لهم أن يتقبّل الله لهم عملا ؟ ! .