في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا} (32)

21

ثم يمضي في استعراض مقولات المجرمين الذين يقفون في وجه دعوة القرآن ، والرد عليها :

( وقال الذين كفروا : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة . كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ) . .

ولقد جاء هذا القرآن ليربي أمة ، وينشئ مجتمعا ، ويقيم نظاما . والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وانفعال بالكلمة ، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع . والنفس البشرية لا تتحول تحولا كاملا شاملا بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد . إنما تتأثر يوما بعد يوم بطرف من هذا المنهج ؛ وتتدرج في مراقيه رويدا رويدا ، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئا فشيئا ، فلا تجفل منه كما تجفل لو قدم لها ضخما ثقيلا عسيرا . وهي تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية فتصبح في اليوم التالي أكثر استعدادا للانتفاع بالوجبة التالية ، وأشد قابلية لها والتذاذا بها .

ولقد جاء القرآن بمنهاج كامل شامل للحياة كلها . وجاء في الوقت ذاته بمنهاج للتربية يوافق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها . فجاء لذلك منجما وفق الحاجات الحية للجماعة المسلمة ، وهي في طريق نشأتها ونموها ، ووفق استعدادها الذي ينمو يوما بعد يوم في ظل المنهج التربوي الإلهي الدقيق . جاء ليكون منهج تربية ومنهاج حياة لا ليكون كتاب ثقافة يقرأ لمجرد اللذة أو لمجرد المعرفة . جاء لينفذ حرفا حرفا وكلمة كلمة ، وتكليفا تكليفا . جاء لتكون آياته هي " الأوامر اليومية " التي يتلقاها المسلمون في حينها ليعملوا بها فور تلقيها ، كما يتلقى الجندي في ثكنته أو في الميدان " الأمر اليومي " مع التأثر والفهم والرغبة في التنفيذ ؛ ومع الانطباع والتكيف وفق ما يتلقاه . .

من أجل هذا كله نزل القرآن مفصلا . يبين أول ما يبين عن منهجه لقلب الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ويثبته على طريقه ؛ ويتتابع على مراحل الطريق رتلا بعد رتل ، وجزءا بعد جزء :

( كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ) . .

والترتيل هنا هو التتابع والتوالي وفق حكمة الله وعلمه بحاجات تلك القلوب واستعدادها للتلقي . .

ولقد حقق القرآن بمنهجه ذاك خوارق في تكييف تلك النفوس التي تلقته مرتلا متتابعا ، وتأثرت به يوما يوما ، وانطبعت به أثرا أثرا . فلما غفل المسلمون عن هذا المنهج ، واتخذوا القرآن كتاب متاع للثقافة ، وكتاب تعبد للتلاوة ، فحسب ، لا منهج تربية للانطباع والتكيف ومنهج حياة للعمل والتنفيذ . لم ينتفعوا من القرآن بشيء ، لأنهم خرجوا عن منهجه الذي رسمه العليم الخبير . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا} (32)

قوله تعالى : { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ( 32 ) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ( 33 ) الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ( 34 ) } .

هذه الآية جاءت ردا لمقالة المشركين من قريش واليهود إذا اعترضوا قائلين ( لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) ( جملة ) ، منصوب على الحال من القرآن ، أي مجتمعا . يعني هلا أنزل هذا القرآن على محمد دفعة واحدة وفي وقت واحد كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب السماوية ، فلم ينزل منجما على التفاريق . لا جرم أن هذا اعترضا جهول وتعنت بالغ الإسفاف ، فضلا عن كونه ضربا من الاعتراض الفضولي الفارغ ، الذي لا طائل تحته وليس من ورائه أيما فائدة معتبرة .

ويُحتج على هؤلاء المعاندين الجهلة بأن الإعجاز في القرآن لا يختلف بنزوله جملة واحدة . فيستوي في كونه معجزا أن ينزل مفرقا على نجوم ، أو أن ينزل دفعة واحدة . بل إن نزوله مفرقا على نجوم أظهر في الإعجاز وأبلغ في الدلالة على كونه من عند الله . ووجه ذلك : أنهم كانوا مطالبين بمعارضة سورة واحدة من القرآن أيا كانت هذه السورة . فلو نزل جملة واحدة وطُولبوا بمعارضته لكانوا أشد عجزا منهم حين طولبوا بمعارضة سورة واحدة فعجزوا .

قوله : ( كذلك لنثبت به فؤادك ) الكاف في محل نصب صفة لمصدر محذوف . والإشارة عائدة إلى التفريق . وقيل : الكاف في محل نصب على الحال ؛ أي أنزل مثل ذلك التفريق ( لنثبت به فؤادك ) اللام للتعليل . أي لنقوي بتفريقه فؤادك لكي تعيه وتحفظه . فالمتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شيء وجزءا عقيب جزء . ولو ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه . ومن أجل ذلك نزل عليه منجما في عشرين سنة أو في ثلاث وعشرين . فكان ينزل عليه حسب الحوادث وأجوبة للسائلين .

قوله : ( ورتلناه ترتيلا ) الترتيل : التفريق ومجيء الكلمة بعد الأخرى بسكون يسير دون قطع النفس . أو التبيين والتفسير في ترسل وتثبت .