في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ} (17)

1

( الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ )

وفي كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة في حياة الإنسانية وفي حياة الجماعة المسلمة :

في الصبر ترفع على الألم واستعلاء على الشكوى ، وثبات على تكاليف الدعوة ، وأداء لتكاليف الحق ، وتسليم لله واستسلام لما يريد بهم من الأمر ، وقبول لحكمه ورضاء . .

وفي الصدق اعتزاز بالحق الذي هو قوام الوجود ، وترفع عن الضعف ؛ فما الكذب إلا ضعف عن كلمة الحق ، اتقاء لضرر أو اجتلابا لمنفعة .

وفي القنوت لله أداء لحق الألوهية وواجب العبودية ؛ وتحقيق لكرامة النفس بالقنوت لله الواحد الذي لا قنوت لسواه .

وفي الإنفاق تحرر من استذلال المال ؛ وانفلات من ربقة الشح ؛ وإعلاء لحقيقة الأخوة الإنسانية على شهوة اللذة الشخصية ؛ وتكافل بين الناس يليق بعالم يسكنه الناس !

والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالا رفافة ندية عميقة . . ولفظة " الأسحار " بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر . الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن ؛ وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة ! فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس وفي ضمير الوجود سواء . وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارىء الكون وبارىء الإنسان .

هؤلاء الصابرون ، الصادقون ، القانتون ، المنفقون ، المستغفرون بالأسحار . . لهم ( رضوان من الله ) . . وهم أهل لهذا الرضوان : ظله الندي ومعناه الحاني . وهو خير من كل شهوة وخير من كل متاع . .

وهكذا يبدأ القرآن بالنفس البشرية من موضعها على الأرض . . وشيئا فشيئا يرف بها في آفاق وأضواء ، حتى ينتهي بها إلى الملإ الأعلى في يسر وهينة ، وفي رفق ورحمة . وفي اعتبار لكامل فطرتها وكامل نوازعها . وفي مراعاة لضعفها وعجزها ، وفي استجاشة لطاقاتها وأشواقها ، ودون ما كبت ولا إكراه . ودون ما وقف لجريان الحياة . . فطرة الله . ومنهج الله لهذه الفطرة . . ( والله بصير بالعباد ) . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ} (17)

أما قوله ( الصابرين ) من الصبر ، وهو حبس النفس عن الجزع ، والمراد بالصابرين في الآية الذين صبروا في البأساء والضراء وحين البأس ، أو الذين صبروا عن المعاصي والشهوات وصبروا على طاعة الله تعالى .

وقوله : ( والصادقين ) الذين يصدقون مع الله في نياتهم وأقوالهم سرا وعلانية ، وقبل غير ذلك .

وقوله : ( والقانتين ) يعني المطيعين .

وقوله : ( والمنفقين ) من الإنفاق ، وهو بذل المال ونحوه في وجه من وجوه الخير طلبا لمرضاه الله ، فهم المؤتون زكوات أموالهم وواضعوها على ما أمرهم الله وبإتيانها ، والمنفقون في أموالهم في الوجوه التي أذن الله لهم جل ثناؤه بإنفاقها فيها{[424]} .

وقوله : ( والمستغفرين بالأسحار ) الأسحار ، جمع ومفرده سحر ، وهو آخر الليل قبيل الفجر ، والمستغفر ، من الغفر وهو التغطية . استغفر الله لذنبه أي طلب منه أن يستر ذنبه ويغطيه ، وتخصيص هذا الوقت للاستغفار ؛ لما فيه من قرب الإجابة من الله ؛ لما في خصوص هذا الوقت من امتحان للنفس إذ يشدها ثقل الكرى دون النهوض للصلاة في همة ونشاط ، فضلا عما يغشى النفس في هذه الساعة الحانية الودود من تخشع وسكون ، وما يغمرها من لطائف الإيناس الرفيق إذ تستيقظ فيها الفطرة تماما لتكون عل غاية من البهجة والاستئناس والحبور .


[424]:- تفسير الطبري جـ 3 ص 208 وتفسير الألوسي جـ 2 ص 102 ومختار الصحاح ص 355 والمعجم الوسيط جـ 2 ص 942.