فأما الآية الخاصة بالحلف والأيمان والتي جاءت تالية في السياق :
( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام . ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم . واحفظوا أيمانكم . كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) . .
فالظاهر أنها نزلت لمواجهة هذه الحالة - وأمثالها - من الحلف على الامتناع عن المباح الذي آلى أولئك النفر على أنفسهم أن يمتنعوا عنه ، فردهم رسول الله [ ص ] عن الامتناع عنه ، وردهم القرآن الكريم عن مزاولة التحريم والتحليل بأنفسهم ، فهذا ليس لهم إنما هو لله الذي آمنوا به . كما أنها تواجه كل حلف على الامتناع عن خير أو الإقدام على شر . فكل يمين يرى صاحبها أن هناك ما هو أبر ، فعليه أن يفعل ما هو أبر ، ويكفر عن يمينه بالكفارات المحددة في هذه الآية .
قال ابن عباس : سبب نزولها : القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم . حلفوا على ذلك . فلما نزلت ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) قالوا : كيف نصنع بأيماننا ( فنزلت هذه الآية ) .
وقد تضمن الحكم أن الله - سبحانه - لا يؤاخذ المسلمين بأيمان اللغو ، التي ينطق بها اللسان دون أن يعقد لها القلب بالنية والقصد مع الحض على عدم ابتذال الأيمان بالإكثار من اللغو بها إذ أنه ينبغي أن تكون لليمين بالله حرمتها ووقارها ، فلا تنطق هكذا لغوا . .
فأما اليمين المعقودة ، التي وراءها قصد ونية ، فإن الحنث بها يقتضي كفارة تبينها هذه الآية :
( فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام . ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) .
وطعام المساكين العشرة من( أوسط )الطعام الذي يقوم به الحالف لأهله . . و( أوسط )تحتمل أن تكون من " أحسن " أو من " متوسط " فكلاهما من معاني اللفظ . وإن كان الجمع بينهما لا يخرج عن القصد لأن " المتوسط " هو " الأحسن " فالوسط هو الأحسن في ميزان الإسلام . . أو( كسوتهم )الأقرب أن تكون كذلك من ( أوسط ) الكسوة . . أو ( تحرير رقبة ) لا ينص هنا على أنها مؤمنة . . ومن ثم يرد بشأنها خلاف فقهي ليس هذا مكانه . . ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) . . وهي الكفارة التي يعاد إليها في اليمين المعقودة عند عدم استطاعة الكفارات الأخرى . . وكون هذه الأيام الثلاثة متتابعة أو غير متتابعة فيه كذلك خلاف فقهي بسبب عدم النص هنا على تتابعها . والخلافات الفقهية في هذه الفرعيات ليست من منهجنا في هذه الظلال . فمن أرادها فليطلبها في مواضعها في كتب الفقه . إذ أنها كلها تتفق على الأصل الذي يعنينا وهو أن الكفارة رد لاعتبار العقد المنقوض ، وحفظ للإيمان من الإستهانة بها ؛ وهي " عقود " وقد أمر الله - سبحانه - بالوفاء بالعقود . فإذا عقد الإنسان يمينه وكان هناك ما هو أبر فعل الأبر وكفر عن اليمين . وإذا عقدها على غير ما هومن حقه كالتحريم والتحليل ، نقضها وعليه التكفير .
ونعود بعد ذلك إلى الموضوع الأصيل الذي نزلت الآيات بسببه . . فأما من ناحية " خصوص السبب " فإن الله يبين أن ما أحله الله فهو الطيب ، وما حرمه فهو الخبيث . وأن ليس للإنسان أن يختار لنفسه غير ما اختاره الله له . من وجهين : الوجه الأول أن التحريم والتحليل من خصائص الله الرازق بما يجري فيه التحليل والتحريم من الرزق ، وإلا فهو الاعتداء الذي لا يحبه الله ، ولايستقيم معه إيمان . . والوجه الثاني أن الله يحل الطيبات ، فلا يحرم أحد على نفسه تلك الطيبات ، التي بها صلاحه وصلاح الحياة ؛ فإن بصره بنفسه وبالحياة لن يبلغ بصر الحكيم الخبير الذي أحل هذه الطيبات . ولو كان الله يعلم فيها شرا أو أذى لوقاه عباده . ولو كان يعلم في الحرمان منها خيرا ما جعلها حلالا . . ولقد جاء هذا الدين ليحقق الخير والصلاح ، والتوازن المطلق ، والتناسق الكامل ، بين طاقات الحياة البشرية جميعا ، فهو لا يغفل حاجة من حاجات الفطرة البشرية ؛ ولا يكبت كذلك طاقة بناءة من طاقات الإنسان ، تعمل عملا سويا ، ولا تخرج عن الجادة . ومن ثم حارب الرهبانية ، لأنها كبت للفطرة ، وتعطيل للطاقة وتعويق عن إنماء الحياة التي أراد الله لها النماء ، كما نهى عن تحريم الطيبات كلها لأنها من عوامل بناء الحياة ونموها وتجددها . . لقد خلق الله هذه الحياة لتنمو وتتجدد ، وترتقي عن طريق النمو والتجدد المحكومين بمنهج الله . والرهبانية وتحريم الطيبات الأخرى تصطدم مع منهج الله للحياة . لأنها تقف بها عند نقطة معينة بحجة التسامي والارتفاع . والتسامي والارتفاع داخلان في منهج الله للحياة ، وفق المنهج الميسر المطابق للفطرة كما يعلمها الله .
وخصوص السبب - بعد هذا - لا يقيد عموم النص . وهذا العموم يتعلق بقضية الألوهية والتشريع - كما أسلفنا - وهي قضية لا تقتصر على الحلال والحرام في المآكل والمشارب والمناكح . إنما هو أمر حق التشريع لأي شأن من شئون الحياة . .
ونحن نكرر هذا المعنى ونؤكده ؛ لأن طول عزلة الإسلام عن أن يحكم الحياة - كما هو شأنه وحقيقته - قد جعل معاني العبارة تتقلص ظلالها عن مدى الحقيقة التي تعنيها في القرآن الكريم وفي هذا الدين . ولقد جعلت كلمة " الحلال " وكلمة " الحرام " يتقلص ظلهما في حس الناس ، حتى عاد لا يتجاوز ذبيحة تذبح ، أو طعاما يؤكل ، أو شرابا يشرب ، أو لباسا يلبس ، أو نكاحا يعقد . . فهذه هي الشئون التي عاد الناس يستفتون فيها الإسلام ليروا : حلال هي أم حرام ! فأما الأمور العامة والشئون الكبيرة فهم يستفتون في شأنها النظريات
والدساتير والقوانين التي استبدلت بشريعة الله ! فالنظام الاجتماعي بجملته ، والنظام السياسي بجملته ، والنظام الدولي بجملته ؛ وكافة اختصاصات الله في الأرض وفي حياة الناس ، لم تعد مما يستفتى فيه الإسلام !
والإسلام منهج للحياة كلها . من اتبعه كله فهو مؤمن وفي دين الله . ومن اتبع غيره ولو في حكم واحد فقد رفض الإيمان واعتدى على ألوهية الله ، وخرج من دين الله . مهما أعلن أنه يحترم العقيدة وأنه مسلم . فاتباعه شريعة غير شريعة الله ، يكذب زعمه ويدمغه بالخروج من دين الله .
وهذه هي القضية الكلية التي تعنيها هذه النصوص القرآنية ، وتجعلها قضية الإيمان بالله ، أو الاعتداء على الله . . وهذا هو مدى النصوص القرآنية . وهو المدى اللائق بجدية هذا الدين وجدية هذا القرآن ، وجدية معنى الألوهية ومعنى الإيمان
قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تشكرون } .
روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم وحلفوا على ذلك ، فلما نزلت { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قالوا : كيف نصنع بأيماننا ؟ فنزلت هذه الآية{[1043]} .
تتضمن هذه الآية أحكام اليمين . وهي في اللغة بمعنى القوة . ومنه قوله تعالى { لأخذنا منه باليمين } أي بالقوة واليمين مفرد . وجمعه أيمن بالضم وأيمان . واليمين في الشرع : عقد يتقوى به عزم الحالف على الفعل أو الترك{[1044]} ويتبين من الآية أن ضروب اليمين ثلاثة هي : يمين اللغو ، واليمين الغموس ، واليمين المنعقدة . ونعرض لكل واحد من هذه الضروب بإيجاز فإن التفصيل في مظانه من كتب الفقه .
اللغو ، أو اللغا ، بوزن الفتى ، هو السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره . والمراد به هنا ما يجري في العادة على لسان الحالف من قسم لا يريده ولا يقصد معناه ولم تنعقد عليه النية . كما لو قال : لا والله . أو بلى والله .
وتبين الآية أنه لا إثم على المرء في يمين اللغو . وهو ما يبدر منه بغير قصد كقول الرجل : لا والله . بلى والله . وهو قول الشافعية . قالت السيدة عائشة في ذلك : أيمان اللغو ما كان المراء والمزاحة والهزل ، وروى الموطأ عنها أنها قالت : لغو اليمين قول الإنسان : لا والله . وبلى والله .
أما الحنفية فقالوا : يمين اللغو هي اليمين الكاذبة خطأ أو غلطا في الماضي أو في الحال ، سواء في الإثبات أو النفي . وذلك كأن يقول الرجل : والله ما كلمت فلانا ، وهو يظن أنه لم يكلمه وقد كلمه . أو يقول : والله لقد كلمت فلانا وهو يظن أنه كلمه لكنه في الحقيقة لم يكلمه . أو حلف أن هذا القادم فلان أو أن هذا الطائر غراب وهو يظن أنه كذلك ثم تبين أنه خلاف ما ظن . ومثل هذه الأيمان لغو . وهو مذهب الإمام مالك في المقصود باللغو . فقد ذكر عنه قوله : اللغو في اليمين أن يحلف على الشيء يظن أنه كذلك . كقوله : والله لقد لقيت فلانا أمس ، وذلك يقينه . وإنما لقيه قبل ذلك أو بعده فلا شيء عليه في ذلك لكونه لغوا ، واستدلوا لذلك بالآية { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } فقد قابل يمين اللغو باليمين المقصودة وفرق بينهما في المؤاخذة وفي نفيها . ومقتضى ذلك أن تكون يمين اللغو غير اليمين المعقودة تحقيقا للمقابلة{[1045]} .
هي اليمين الكاذبة قصدا في الماضي والحال نفيا أو إثباتا . كقوله : والله ما فعلت كذا ، وهو يعلم أنه فعله . أو يقول : والله لقد فعلت كذا ، وهو يعلم أنه لم يفعله .
وسميت يمين الغموس بهذا الإسم ، لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو النار . فهي بذلك فاجرة وضرب من ضروب الزور ، أو الازوار ، أي العدول والانحراف عن الحق والصدق . وبذلك فإن اليمين الغموس واحدة من أكبر الكبائر التي حذر منها الدين وشدد عليها النكير وندد بها تنديدا .
فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن أنيس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أكبر الكبائر : الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس . والذي نفسي بيده لا يحلف رجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت كيا في قلبه يوم القيامة " وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع " .
وأضاف الإمام مالك إلى يمين الغموس ما لو حلف وهو غير متيقن مما حلف عليه . وذلك كأن يقول : والله ما لقيت فلانا أمس ، وهو لا يقين له في ذلك . أو لا يعرف حين الحلف أنه لقيه أمس أو لم يلقه . ثم تبين له بعد ذلك أنه خلاف ما أقسم عليه . فإن ذلك كمن حلف عامدا للكذب . وعليه أن يستغفر الله ، لأن هذه اليمين أعظم من أن يكون لها كفارة{[1046]} .
أما الكفارة في اليمين الغموس ففي وجوبها قولان :
أحدهما : عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس . وهو قول أكثر أهل العلم . وقد ذهب إلى ذلك الحنفية والمالكية والحنابلة وأصحاب الحديث وغيرهم من الصحابة والتابعين . واستدلوا لذلك من النصوص ما فيه وعيد للحالفين الكاذبين بأن مصيرهم إلى النار . كقوله تعالى : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } وقوله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مالا لقي الله وهو عليه غضبان " يستدل من ذلك أن موجب اليمين الغموس العذاب في الآخرة ، فمن أوجب الكفارة فقد زاد على النص وهو لا يجوز .
واستدلوا من المعقول أيضا بأن اليمين الغموس من الكبائر التي لا تمحوها الكفارة ، لأنها أكبر من أن تكفرها كفارة ولا يمحوها غير التوبة والندامة والاستغفار{[1047]} .
القول الثاني : وجوب الكفارة في اليمين الغموس . وهو قول الشافعية وآخرين وهو مذهب أهل الظاهر . والدليل على وجوب الكفارة في الغموس من المعقول إذ قال الإمام الشافعي : إن اليمين الغموس معتبرة يمينا منعقدة وهي مندرجة فيها . والله سبحانه وتعالى يقول في وجوب الكفارة في الأيمان المنعقدة : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين } وهذا يعم الماضي والمستقبل . وتعلق الإثم لا يمنع وجوب الكفارة ، كما أن الظهار منكر من القول وزور وتتعلق به الكفارة . وأجيب عن الاحتجاج بكفارة الظهار بأنها لا تجب بنفس الظهار ، بل بالعودة إلى الوطء بعد الحلف بالظهار . والراجح قول جمهور أهل العلم وهو عدم وجوب الكفارة في الغموس لما ذكره من دليل . ويضاف إلى ذلك الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم : " خمس من الكبائر لا كفارة فيهن " وعد منها اليمين الفاجرة . وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خمس ليس فيهن كفارة : الشرك بالله . وقتل النفس بغير حق ، وبهت المؤمن ، والفرار من الزحف ، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق " {[1048]} .
هي اليمين على شيء في المستقبل نفيا أو إثباتا . وكيفيتها أن يعقد الحالف قلبه على شيء مع قصد اليمين فإذا حلف وجب في حقه كفارة . وذلك كأن يقول : والله لأفعلن كذا وكذا . أو يقول : والله لا أفعل كذا وكذا . فمثل هذه اليمين قد قصدها الحالف وانعقد قلبه فلزمته بذلك كفارة عن يمينه إذا حنث ، أو قبل الحنث ، على الخلاف .
قال الماوردي في هذا : للكفارة ثلاث حالات : أحدهما قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقا . ثانيها : بعد الحلف فتجزئ اتفاقا . ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف{[1049]} .
على أن الكفارة من أجل الحنث في اليمين المعقودة واجبة استنادا إلى قوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } .
بما عقدتم الأيمان ، أي بسبب تعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية . فتكون ما هنا مصدرية ، لأن الكلام هنا في مقابلة اللغو ، إذ ليس فيه قصد أو تعقيد للنية .
ويستدل كذلك من السنة بما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا عبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " .
وكذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " وفي لفظ " إلا كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير " وفي لفظ " إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " وذلك يدل على وجوب الكفارة بسبب الحنث في اليمين المنعقدة على أمر في المستقبل .
أما هل يجوز التكفير قبل الحنث فثمة قولان :
الأول : جواز التكفير قبل الحنث . وهو مذهب الجمهور . واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير " وهذا يدل على جواز التكفير قبل الحنث . واستثنى الإمام الشافعي الصيام في التكفير قبل الحنث . ومع ذلك فهم يذهبون إلى أن التكفير بعد الحنث أفضل من التكفير قبله .
القول الثاني : عدم جواز التفكير قبل الحنث . وهو قول الحنفية . واستدلوا بظاهر الآية { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } والمراد : إذا حلفتم فحنثتم . ورد ذلك بأن المقصود : إذا حلفتم فأردتم الحنث{[1050]} .
الكفارة من الكفر – بالفتح – بمعنى الستر والتغطية . سمي الليل المظلم كافرا ، لأنه يستر بظلامه كل شيء . وسمي الكافر بهذا الاسم ، لأنه يستر نعمة الله أي يجحدها . ويطلق الكافر على الزارع ، لأنه يغطي البذر بالتراب . والكفار يراد بهم الزراع . قال الله سبحانه : { كمثل غيث أعجب الكفار } .
والكفارة في الشرع تعني الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة . أي تسترها{[1051]} .
على أن أصناف الكفارة لليمين أربعة هي : الإطعام والإعتاق ثم الصيام بعد ذلك .
والحالف إذا حنث بيمينه كان له الخيار بين الإطعام والكساء والإعتاق . فواحد من هذه الخيارات يجزئ في التكفير عن الحنث في اليمين فإذا لم يستطع أن يكفر بواحد من هذه الخيارات كان له أن يصوم أياما ثلاثة . ويستفاد ذلك من قوله في الآية { أو } فإنها تفيد التخيير بين أن يطعم أو يكسو أو يعتق رقبة . قال ابن عباس في معنى { أو : ما في كتاب الله { أو } فهو مخير فيه . على أنه لا يجوز للحانث أن يكفر بالصيام إلا بعد العجز عن الخيارات الثلاثة الأولى . وذلك لقوله : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } .
قوله : { إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم } ويشترط في المساكين الذين يطعمون تحقق أربعة شروط وهي : الحاجة والحرية والإسلام وأن يكونوا من الأباعد .
أما الحاجة فهي أن يكون المسكين فقيرا معوزا محتاجا للصدقة ونحوها .
وأما الحرية فهي أن يكون المساكين أحرارا ، فلا تجزي الكفارة في العبيد ، لأن في دفعها لهم مظنة الدفع لمالكيهم .
وأما الإسلام فهو شرط آخذ الكفارة . فلا يجزي أداؤها غير المسلمين وإن كانوا فقراء ، وإنما تضطلع الدولة الإسلامية بإعطاء غير المسلمين ما يكفيهم من بيت المال من غير الزكاة ولا الكفارات . وهو مذهب الجمهور . خلافا للحنفية ، إذ قالوا بجواز دفعها لهم استنادا إلى عموم الآية ، ولأن المسكين غير المسلم معتبر من أهل دار الإسلام فهو في ذلك كالمسلم .
وأما اشتراط البعد ، وهو أن يكون الآخذون من الأباعد غير المنفق عليهم وجوبا وهم الأصول والفروع والزوجات فهؤلاء لا يعطون من كفارة اليمين . قال الشافعي في هذا الصدد : ويعطي الكفارات والزكاة كل من لا تلزمه نفقته من قرابته وهم من عدا الوالد والزوجة . وإن كان ينفق عليهم متطوعا أعطاهم . وهو قول أكثر العلماء{[1052]} .
أما مقدار ما يعطاه الواحد من المساكين العشرة فقد تبين في الآية مجملا غير مفصل وهو قوله تعالى : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } فموضع الاستدلال هنا قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } فقد اختلفت كلمة العلماء في مقدار الطعام . فقد قيل : يجزي في الخبز والتمر ، أو الخبز والزيت ، أو الخبز والسمن . أو الخبز واللحم . وقيل : أفضل الإطعام الخبز واللحم . وأوسطه الخبز والسمن وأخسه الخبز والتمر .
وجملة القول في ذلك أن يغذي كل مسكين من العشرة أو يعشيه فيقدم له من الطعام من أوسط ما يطعمه المرء أهله . والأوسط هو الأقصد في النوع أو المقدار .
وهو عند الشافعية والمالكية والحنبلية وآخرين مد من حنطة لكل مسكين . وإن كان أهل البلد يقتاتون صنفا من الطعام وهو لهم عرف ، أجزأ صرف الكفارة منه ، وذلك كأن يكون قوتهم الذرة أو الأرز أو التمر أو الزبيب . أما عند الحنفية فمقدار الكفارة نصف صاع من حنطة أو دقيق أو صاع من شعير أو تمر .
وأما إعطاء القيمة عن مقدار الكفارة فلا يجوز عند جمهور الشافعية والمالكية والحنبلية ، خلافا للحنفية ، إذ قالوا بجواز إعطاء القيمة عن الكفارة{[1053]} .
ويشترط تمام العدد لصحة الكفارة بالإطعام ، وهو عشرة مساكين . وهو قول الشافعية والمالكية وآخرين . فقد ذهبوا إلى أنه لا يجزي في التكفير إلا إطعام عشرة . قال الشافعي في الأم : ليس له إذا كفر بإطعام أن يطعم أقل من عشرة . وإن أطعم تسعة وكسا واحدا كان عليه أن يطعم عشرا أو يكسو تسعة . واحتجوا بظاهر الآية { إطعام عشرة مساكين . . . أو كسوتهم } وبذلك لا يجوز للمكفر أن يردد على مسكين واحد عشرة أيام ، بخلاف الحنفية قالوا : يجوز له أن يردد الكفارة على مسكين واحد عشرة أيام ، بخلاف الحنفية قالوا : يجوز له أن يردد الكفارة على مسكين واحد في عشرة أيام ، لكنه لا يجوز له أن يدفعها له في يوم واحد . وهي رواية على أحمد{[1054]} .
الكساء أو الكسوة مستفاد من قوله تعالى : { أو كسوتهم } عطف على إطعام . وهذا الصنف الثاني من أصناف الكفارة من أجل الحنث . واختلف العلماء في تقديره الكسوة المجزئة التي يؤديها المكفر للمستحق بشروطه من الفقر والحرية والإسلام والبعد وهو ما بيناه في الإطعام . فقد ذهبت الحنفية والمالكية والحنبلية وآخرون إلى تقدير الكسوة في كفارة اليمين بما يجزئ للصلاة وهو ما كان ساترا للعورة . فإن كان السكين رجلا أجزأ من الكسوة في حقه ثوب ساتر تصح به الصلاة . وإن كانت امرأة أجزأ في حقها خمار ودرع وهما يستران عورتها فتصح بهما الصلاة . أما ما كان دون ذلك من الكسوة مما لا تصح به الصلاة فلا يجوز التكفير به سواء في حق الرجل أو المرأة .
وعند الشافعية يجزئ من الكسوة كل ما وقع عليه اسم كسوة كما لو كان عمامة أو سراويل أو إزار أو مقنعة أو غير ذلك للرجل أو للمرأة ، استنادا إلى عموم النص { أو كسوتهم } فكل ما وقع عليه اسم كساء سمي كسوة حتى لو منديلا أو نعلا أو منطقة{[1055]} .
وهذا واحد من خصال الكفارة الثلاث . ويراد به تحرير رقبة استنادا إلى قوله سبحانه : { أو تحرير رقبة } ويراد بالتحرير هنا الإخراج من الرق . ويشترط في الرقبة المحررة جملة شروط هي : الإيمان . فلا يجزئ إعتاق غير المؤمنة من الرقاب ، وهو قول مالك والشافعي ، خلافا لمذهب الحنفية إذ لم يشترطوا الإيمان لجواز الإعتاق . وحجتهم في ذلك إطلاق الرقبة في الآية . وبذلك فأيما رقبة تجزئ من أجل التكفير للحنث .
وشرط ثان وهو الكبر . وهو أن يتجاوز المعتوق سن الطفولة إلى السن التي يقدر عندها أن يصلي ويصوم . أي السن التي يكون معها مكلفا فتصح منه العبادة . وهو قول الحنبلية ، خلافا للحنفية والشافعية إذ لم يشترطوا الكبر ، فيجزئ عندهم إعتاق الصغير والكبير .
وشرط ثالث ، وهو السلامة من العيوب ، فلا يجزئ إعتاق من كان معيبا كمقطوع اليد والرجل أو المجنون أو الأعمى أو الأبكم أو الأصم{[1056]} .
ولا ينبغي أن نسهب أكثر من هذه العجالة في مسألة الرقيق . فهي مسألة قد مضت وانقضت . ومع ذلك ما فتئت أقلام مريبة تنبري للنيل من كرامة الإسلام بالطعن والتجريح ، خصوصا من أجل هذه المسألة . وهي أقلام متجنية وغاشمة تجتهد في اختلاق الأباطيل عن الإسلام لتزهد فيه البشرية أو تتردد في الإقبال عليه . مع أن المسألة ظاهرة وبينة لكل ذي قلب سليم ولكل ذي طبع غير ذي عوج . فكثيرا ما بينا أن ظاهرة الرقيق كانت واحدة من الظواهر العادية والمقبولة التي قررتها الأعراف والقوانين والمجتمعات عبر تاريخها الطويل كله . فما من شريعة ولا نظام ولا قانون ولا عرف إلا وقد أقر ظاهرة الرق إقرارا يعبر عن قناعة البشرية في كل الأزمان والأجيال من غير خلاف في ذلك ولا استنكاف . سواء في ذلك الساسة والقادة والممفكرون والمشرعون والفلاسفة . وكذا الديانتان اليهودية والمسيحية . كل أولئك قد أقروا نظام الرقيق دون غرابة أو تردد . حتى جاء الإسلام ، فما كان من المعقول أن يقضي على هذا النظام جملة واحدة بجرة قلم . أو بنص من النصوص ، لأن نظام الرقيق كان الأساس الركين من أسس المجتمع على امتداد التاريخ . بل هو الأساس الأكبر للبناء النفسي والاجتماعي والاقتصادي لكل المجتمعات الغابرة . فكان هذا النظام بذلك متأصلا مستشريا في أعماق المجتمعات السابقة . وشأن الإسلام في معالجة هذه القضية أن يحرم أسباب الاسترقاق كالظلم والاستبداد واسترقاق الدائن للمدين المعوز لعجزه عن أداء الدين . وغير ذلك من وجوه التعسف التي تبرر للظالمين أن يستعبدوا الأحرار .
وطريقة الإسلام في التحرير واضحة ومؤثرة . وهي تسهم إسهاما عظيما في تحرير العبيد ، كالتحريض على الإعتاق تكفيرا للخطايا ، أو الإعتاق من غير سبب ابتغاء مرضاة الله . لا جرم أن الإسلام فاق عامة النظم والقوانين والشرائع والأعراف التي عرفتها البشرية في معالجة هذه الظاهرة من أجل تحرير العبيد خلافا لما سبق الإسلام من ديانات ودساتير وقوانين وشرائع قد مردت على ترسيخ هذا النظام ( الرق ) وتقريره . فلا مجال بعد ذلك لجهول زنديق أن يجترئ على الإسلام بمقالة سوء وباطل . فإنه لا يجتزئ على الإسلام بطعن أو غمز إلا خراص أو خصيم مضطغن مغرض .
هل يجوز إعطاء قيمة الكفارة للمساكين كأن تكون من الدراهم أو الدنانير بدلا من الطعام أو الكسوة أو الرقبة ؟ ثمة خلاف بين العلماء في ذلك . فقد ذهب جمهور الشافعية والمالكية والحنبلية وأهل الظاهر إلى عدم جواز التكفير بالقيمة . وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين واحتجوا بظاهر الآية ، إذ يتعين فيها الإطعام والكساء والعتق . وذهبت الحنفية وآخرون إلى جواز التكفير بالقيمة . ووجه ذلك أن المقصود بالكفارة دفع حاجة المسكين ويتحقق ذلك بدفع القيمة له{[1057]} .
إذا لم يكن في المقدور التكفير بواحد من الخصال الثلاث جاز التكفير بالصيام ثلاثة أيام . وذلك مقتضى قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } أي من لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام أو الكسوة أو العتق ، كفر بالصوم ، على الخلاف في التتابع . فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى اشتراط التتابع في صوم الكفارة . وهو مروي عن علي وعطاء ومجاهد . وقالت به الحنفية والحنبلية وآخرون . وحجتهم في ذلك قراءة ابن مسعود " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " وقياسا على الصوم في كفارة الظهار .
وذهبت الشافعية والمالكية إلى عدم اشتراط الولاء ( التتابع ) في صوم الكفارة للحنث ، استنادا إلى مطلق النص ، وإلى القياس على قضاء الصيام من رمضان للمعذورين لقوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } فلم يشترط فيها التتابع . والراجح عدم التتابع ، وذلك لضعف الاحتجاج بقراءة ابن مسعود فهي منسوخة من حيث التلاوة والحكم{[1058]} .
وقوله : { ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم } ذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من الطعام والكسوة وتحرير الرقبة . أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثهم ، لأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف .
قوله : { واحفظوا أيمنكم } أي راعوها بالمبادرة إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنثتم . وقيل : احفظوا أنفسكم بترك الحلف كيلا تتوجه عليكم هذه التكليفات . وقيل : المراد ، قللوا الأيمان ولا تكثروا منها .
قوله : { كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تشكرون } أي مثل ذلك البيان يوضح الله لكم أعلام دينه وأحكام شريعته لتشكروه على هدايته إياكم وتوفيقه لكم وما أسبغ عليكم من نعمة التعليم والتبيين وغيره من النعم{[1059]} .