في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} (103)

95

ثم تعبير عن صفة الله سبحانه ، يغشى الجوانح والحنايا بظلال ما أحسب أن لغة البشر تملك لها وصفا ، فلندعها تلقي ظلالها في شفافية ولين ؛ وترسم المشهد الذي يغلف فيه ما يهول ويروع من صفة الله ، بما يطمئن ويروح ، ويشف شفافية النور :

( لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار ، وهو اللطيف الخبير ) . .

إن الذين كانوا يطلبون في سذاجة أن يروا الله ، كالذين يطلبون في سماجة دليلا ماديا على الله ! هؤلاء وهؤلاء لا يدركون ماذا يقولون !

إن أبصار البشر وحواسهم وإدراكهم الذهني كذلك . . كلها إنما خلقت لهم ليزاولوا بها التعامل مع هذا الكون ، والقيام بالخلافة في الأرض . . وإدراك آثار الوجود الإلهي في صفحات هذا الوجود المخلوق . . فأما ذات الله - سبحانه - فهم لم يوهبوا القدرة على إدراكها . لأنه لا طاقة للحادث الفاني أن يرى الأزلي الأبدي . فضلا على أن هذه الرؤية لا تلزم لهم في خلافة الأرض . وهي الوظيفة التي هم معانون عليها وموهوبون ما يلزم لها . .

وقد يفهم الإنسان سذاجة الأولين . ولكنه لا يملك أن يفهم سماجة الآخرين ! إن هؤلاء يتحدثون عن " الذرة " وعن " الكهرب " وعن " البروتون " وعن " النيوترون " . . وواحد منهم لم ير ذرة ولا كهربا ولا بروتونا ولا نيوترونا في حياته قط . فلم يوجد بعد الجهاز المكبر الذي يضبط هذه الكائنات . . ولكنها مسلمة من هؤلاء كفرض ، ومصداق هذا الفرض أن يقدروا آثارا معينة تقع لوجود هذه الكائنات . فإذا وقعت هذه الآثار [ جزموا ] بوجود الكائنات التي أحدثتها ! بينما قصارى ما تصل إليه هذه التجربة هو " احتمال " وجود هذه الكائنات على الصفة التي افترضوها ! . . ولكنهم حين يقال لهم عن وجود الله - سبحانه - عن طريق آثار هذا الوجود التي تفرض نفسها فرضا على العقول ! يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ويطلبون دليلا ماديا تراه الأعين . .

كأن هذا الوجود بجملته ، وكأن هذه الحياة بأعاجيبها لا تكفي لتكون هذا الدليل !

وكذلك يعقب السياق القرآني على ما عرضه من آيات في صفحة الوجود وفي مكنونات النفوس . وعلى تقريره عن ذات الله سبحانه بأنه : ( لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار ، وهو اللطيف الخبير ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} (103)

قوله : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } اختلف أهل التأويل في تأويل الإدراك والأبصار . فقيل الإدراك هنا بمعنى الرؤية وهي عند المعتزلة مستحيلة قال الزمخشري في هذا الصدد : والمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه ، لأنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والهيئات . وهو يدرك الأبصار . وهو للطف إدراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك .

أما أهل السنة فقد جوزوا حصول الرؤية يوم القيامة لقوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة ( 22 ) إلى ربها ناظرة } .

وقيل : الإدراك معناه الإحاطة بالحقيقة . أو هو الوقوف على كنه الأشياء . فالله تعالى لا تحيط بحقيقته الأبصار وهو يحيط بحقيقتها . وقيل : الإدراك معناه الإحاطة . وإدراك الشيء معناه الإحاطة به . والأبصار جمع بصر ويعني الحاسة . وقيل غير ذلك . وجملة القول أن الله في ذاته وحقيقة كماله لا تحيط به أبصار الخلق على الخلاف في معنى الأبصار سواء في ذلك الرؤية أو غيرها من حواس الإنسان .

لكن الله جل وعلا محيط بالأبصار ، ومطلع على سائر الأخبار والأسرار ، عالم بظواهر الكائنات وأكناهها .

قوله : { وهو اللطيف الخبير } اللطيف من اللطف وهو الرحمة والرفق . أي أن الله رفيق بعباده رحيم بهم . والخبير : العالم الذي يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار{[1237]} .


[1237]:- البيان للطوسي ج 4 ص 222- 226 وتفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ج 4 ص 195 وتفسير البغوي ج 2 ص 119 وفتح القدير ج 2 ص 148.