الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} (103)

قالوا : وقد ترى الشيء ولا تدركه كما أخبر اللّه تعالى عن قول أصحاب موسى ( عليه السلام ) حين قرب منهم فرعون

{ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } [ الشعراء : 61 ] وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم لأن اللّه تعالى قد وعد نبيه موسى ( عليه السلام ) إنهم لا يدركون بقوله

{ لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى } [ طه : 77 ] .

وكذلك قال سعيد بن المسيب : لا تحيط به الأبصار . وقال عطاء : كلّت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به .

وقال الحسن : لا تقع عليه الأبصار ولا تدلّ عليه العقول ولا يدركه الإذعان .

يدلّ عليه ما روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } . قال : " لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفاً واحداً ما أحاطوا باللّه أبداً " .

وأجراه بعضهم على النصوص . قال ابن عباس ومقاتل : معناه لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } لا يخفى عليه شيء ولا يفوته .

وقيل : معناه لا تدركه أبصار الكافرين ، فأما المؤمنون فيرونه ، واللّه أعلم { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } .

قال أبو العالية : لطيف باستخراج الأشياء خبير بها .

وقال أكثر العلماء في معنى اللطيف . فقال الجنيد : اللطيف : من نوّر قلبك بالهدى وربي جسمك بالغدا ، وجعل لك الولاية في البلوى ويحرسك من لظى ويدخلك جنة المأوى .

وقيل : اللطيف الذي أنسى العباد ذنوبهم لئلاّ يخجلوا . وقيل : الذي ركّب من النطفة من ماء مهين وقيل : هو الذي يستقل الكثير من نعمه ويستكثر القليل من طاعة عباده .

قتادة : وقيل : اللطيف الذي يُغِير ولا يُغَير . وقيل : اللطيف الذي إن رجوته لبّاك وأن قصدته آواك ، وإن أحببته أدناك وإن أطعته كافاك ، وإن عصيته عافاك وإن أعرضت عنه دعاك ، وإن أقبلت إليه عداك .

وقيل : اللطيف : الذي لا يطلب من الأحباب الأحساب والأنساب . وقيل : اللطيف : الذي يغني المفتقر إليه ويعز المفتخر به . وقيل : اللطيف : من يكافي الوافي ويعفو عن الباقي . وقيل : اللطيف : من أمره تقريب ونهيه تأريب .

وقيل : اللطيف : الذي يكون عطاؤه خير ومنعه ذخيرة . وأصل اللطيف دقة النظر في جميع الأشياء